ملف الأسبوع | المغرب بين الصراع الأمريكي-السوفياتي والأمريكي-الصيني
بين الأمس واليوم..

قدر العالم حاليا التغير المستمر على مستوى السياسة الدولية، حيث يتداخل الاقتصاد في السياسة والحسابات المعقدة.. ومع مرور أقل من نصف سنة على بداية عهدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برزت عدة تحولات هامة متشعبة طرحت عدة تساؤلات حول موقف المغرب منها، أبرزها الشراكة الاقتصادية المغربية الصينية وموقف أمريكا منها في ظل الصراع التجاري الجاري بينهما، وهو الصراع الذي شغل العالم ويهدده بأزمة اقتصادية.. فهل المغرب قادر على إيجاد توازنات بين هذه القوى والحفاظ على مصالحه، أم أنه في نهاية المطاف سيكون مجبرا على غلق الباب في وجه الشراكة الاقتصادية مع الصين وتغيير موقفه من روسيا، من أجل التحالف التاريخي مع أمريكا ؟
أعد الملف: سعد الحمري
عندما تحالف المغرب مع الاتحاد السوفياتي على حساب أمريكا
عند التنقيب في التاريخ، لا نجد في تاريخ المغرب المعاصر محطات قام المغرب خلالها بترك تحالفه مع أمريكا لحساب قوة أخرى، ونقصد هنا الاتحاد السوفياتي، عندما كان العالم منقسما لقطبين شرقي وغربي.. إلا استثناء واحدا، وهي مرحلة ما بعد اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة في أكتوبر 1965، عندما انقطعت العلاقات المغربية الفرنسية مدة سبع سنوات كاملة.. حاول المغرب خلالها تعويض فرنسا بأمريكا كشريك عسكري واقتصادي وثقافي، إلا أن هذه الأخيرة تماطلت في تحقيق مطالب المغرب، وكرد فعل على التماطل الأمريكي، عمل الملك الراحل الحسن الثاني على توجيه بوصلته نحو الاتحاد السوفياتي، وقام بزيارة إلى موسكو في أكتوبر 1966، تم خلالها التوقيع على اتفاقيات تعاون في مجالات الثقافة والبث الإذاعي والتلفزيوني والاقتصاد والعلوم والتقنيات، ومن أجل توطيد العلاقات أكثر، قام رئيس الاتحاد السوفياتي، نيكولاي بودغورني في شهر أبريل 1969، بزيارة إلى المغرب.
وقد خلف هذا التقارب ردود أفعال داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصاب المسؤولين الأمريكان القلق من ذلك، وتبين وثيقة من الأرشيف الأمريكي كيف ذكرت أمريكا المغرب بعواقب التعامل مع السوفيات، وماذا يمكن أن ينتج عن ذلك، والوثيقة من وثائق وزارة الخارجية الأمريكية مؤرخة بتاريخ 29 ماي 1969، وهي عبارة عن اجتماع بين السفير الأمريكي بالمغرب، والجنرال محمد المذبوح، مدير البروتوكول الملكي، دار بمكتب هذا الأخير بالرباط بتاريخ 27 ماي 1969، وقد ذكر السفير الأمريكي أن الجنرال المذبوح أوضح خلال هذا الاجتماع، أن “العلاقات المغربية السوفياتية تحسنت على ما يبدو”، وشدد على أن “هذا التحسن لا ينبغي بأي حال من الأحوال تفسيره بأنه يؤثر على التوجه الرأسمالي للمغرب”، وأشار السفير الأمريكي إلى أنه أخبر الجنرال المذبوح بأن “المسؤولين الأمريكيين يرون أن التقارب المغربي السوفياتي لم يكن على حساب العلاقات المغربية الأمريكية”، غير أن العديد من الأمريكيين كانوا في حيرة من تأثير ذلك في نهاية المطاف على الثقة المتبادلة التي تميز العلاقات بين البلدين.
وذكر السفير الأمريكي من خلال نفس الوثيقة، أنها ستعرض لنظيره المغربي سلسلة من إنجازات الاتحاد السوفياتي في إطار جهوده للتمركز بشكل قوي في المغرب، ومنها فتح القنصلية العامة بالدار البيضاء، وإنشاء مركز ثقافي بالرباط، وزيارة البحرية السوفياتية للدار البيضاء، وكذلك زيارة الرئيس السوفياتي للمغرب، وافتتاح خط طيران يربط بين الرباط وهافانا، وأخيرا، الزيارة المرتقبة للجنرال إدريس بن عمر إلى الاتحاد السوفياتي، كما لاحظ السفير أنه في أعقاب زيارة الرئيس السوفياتي إلى المغرب، أرسلت بعثة عسكرية مغربية إلى موسكو، ولاحظ أنه من شأن ذلك أن يخلق انطباعا خاطئا لدى الأمريكان.
وأضاف السفير الأمريكي، أنه شرح للجنرال المذبوح أن المغرب عندما قام بهذه الخطوات، كان قليل الاعتبار لحساسية الولايات المتحدة الأمريكية والشعب الأمريكي.
وبخصوص تطوير رحلات شركة طيران “أيروفلوت-هافانا” بالمغرب، ذات الرأسمال المشترك بين كوبا والاتحاد السوفياتي، فإن السفير الأمريكي أخبر الجنرال المغربي بأن معظم بلدان أمريكا اللاتينية أدانت الأنشطة الكوبية بالتنسيق مع الاتحاد السوفياتي، كما أخبره بأن الحكومة المغربية كانت على بينة من المحاولات الكوبية السابقة المعادية للمغرب، وأماكن أخرى في إفريقيا، وأشار السفير الأمريكي ضمن نفس الوثيقة، إلى أنه تكهن للجنرال المذبوح بأن المغرب رغم تفانيه في الاعتدال، يمكن أن يكون قد وقع في الفخ السوفياتي، ومما جاء في الوثيقة أيضا، أن المذبوح اقتنع تماما بخطورة وسلبية وجود هذه الشركة التابعة لكوبا في المغرب، خاصة وأن قضية مساعدة كوبا للجزائر كانت ما تزال حاضرة في الأذهان.
وحسب نفس الوثيقة، فقد ذكر المسؤول الأمريكي نظيره المغربي بالانقلاب الذي حصل في السودان، وأكد للجنرال أن عناصر “متطرفة” في السودان حققت تقدما مذهلا، ومن بدايات تافهة نسبيا، وقدم من خلال هذا المثال مدى قدرة الخبرة السوفياتية على استغلال القاعدة قليلة العدد، وأن هذا ممكن إلى أبعد الحدود حدوثه في المغرب.

ومن أجل إعادة المغرب إلى التعامل مع المعسكر الغربي، قدمت أمريكا مساعدات اقتصادية وعسكرية للمغرب بموجب القانون المالي لسنة 1969، وقال الجنرال المذبوح خلال اللقاء أن “الملك الحسن الثاني مسرور بخصوص مساعدات السنة المالية لسنة 1969، وأنه يأمل بصدق في استمرار هذه المساعدات”، وأشار إلى أن تطوير الدفاع الجوي يعتبر أولوية للمغرب، بالمقابل، أخبره السفير بأن الحكومة الأمريكية تتعامل مع ذلك بإيجابية، ولكن برنامج المساعدات السنوية يعتمد على ما يقرره الكونغريس، وأضاف الجنرال المذبوح بأنه حتى لو كانت الحكومة تنتهج سياسة الانفتاح مع الجارة الجزائر، والتي بدأتها في فبراير 1969 عندما وقع البلدان “اتفاقية إفران”، فإن المغرب يتطلع إلى المستقبل، حيث أن الجزائر مسلحة تسليحا جيدا، ومدربة من قبل الاتحاد السوفياتي، ويمكن أن تغير رأيها في أي لحظة، وحسب الجنرال المذبوح دائما، فإن وجود الحد الأدنى من القدرات الدفاعية والأمنية لدى المغرب، يعتبر أمرا بالغ الأهمية، وقد قال السفير الأمريكي بأن أمريكا تشجع المغرب على محاولته الانفتاح على باقي بلدان المغرب العربي، وأشار إلى أن أمريكا تسعى إلى تشجيع المغرب، وأيضا المغرب الكبير، على التنمية الاقتصادية في المستقبل، وأن بلاده توافق على جهود الملك الحسن الثاني لتعزيز اتفاقية الحد من التسلح في المغرب الكبير.
وختم السفير الأمريكي رسالته بالقول: “إن الجنرال المذبوح بدت عليه علامات الإعجاب من جراء ملاحظات السفير الأمريكي حول نتائج الاعتماد على السوفيات، كما أعجب بمقترح السفير والقاضي بخلق توازن في العلاقات بين أمريكا والاتحاد السوفياتي، ودون أي وعود بالنجاح، أخبره الجنرال المذبوح بأنه سيحاول تأجيل زيارة الجنرال إدريس بن عمر إلى موسكو”، كما أشار إلى اقتناعه بالموقف من شركة الطيران “أيروفلوت” ذات الرأسمال الكوبي-السوفياتي.
وبعد ذلك، لا يبدو أن المغرب غير موقفه من الاستمرار في التقارب مع السوفيات على حساب أمريكا.. إلى أن وقعت المحاولتان الانقلابيتان على التوالي سنة 1971 و1972، والتي أشارت خلالهما أصابع الاتهام إلى أمريكا بصريح العبارة.. يومها قرر الملك الحسن الثاني العودة مجددا إلى التحالف مع أمريكا، ورغم إحجام أمريكا عن تزويد المغرب بالأسلحة خلال مرحلة حكم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر من سنة 1977 إلى 1982، إلا أن المغرب ورغم حاجته الماسة إلى الأسلحة، لم يتجه صوب الاتحاد السوفياتي، بل ظل ينتظر تغيير الوضع في هذه الأخيرة، ومنذ ذلك التاريخ ظل المغرب يحافظ على علاقته مع أمريكا.
حسابات جديدة بين أمريكا والصين والمغرب بينهما
يبدو اليوم أن علاقات المغرب مع أمريكا أقوى من أي زمن آخر، فالولايات المتحدة اعترفت بمغربية الصحراء ووضعت حدا لكل التكهنات التي من شأنها أن تعرض موقف أمريكا لأي تأويل في هذا الجانب.. إلا أنه مع صعود دونالد ترامب من جديد للبيت الأبيض، ظهرت بوادر صراع تجاري مع الصين، بدأت تجلياتها الآن تنعكس على العلاقات بين البلدين، وقد يتحول الأمر إلى صراع بينهما وتنتقل أمريكا إلى محاولة خنق الصين اقتصاديا وتكون الدول الحليفة لأمريكا مجبرة على التضحية بعلاقاتها ومشاريعها الاقتصادية مع الصين الشعبية، ومن بينها المغرب.
فعلا، ظهرت مؤخرا تقارير صحفية في كبرى الجرائد الأمريكية، تناقش هذا الجانب، إذ قالت صحيفة “نيويورك تايمز” قبل أيام، أن المملكة المغربية باتت تواجه تحديا دبلوماسيا واقتصاديا معقدا، يستوجب موازنة دقيقة بين تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وتوسع روابطها الاقتصادية مع الصين، في ظل تصاعد النزاع التجاري العالمي بين القوتين الكبريين، وأوضح تقرير حديث للجريدة، أن الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مدينة الدار البيضاء، في نهاية العام الماضي، عقب قمة مجموعة العشرين بالبرازيل، تبرز تصاعد مكانة المغرب ضمن الخطة الاقتصادية الصينية، وقد حظي الرئيس الصيني خلال هذه الزيارة باستقبال رسمي من قبل ولي العهد الأمير مولاي الحسن، مما يعكس الموقع المحوري للمغرب كمنصة تسعى الشركات الصينية لاستغلالها للالتفاف على الرسوم الجمركية الأوروبية والأمريكية، خاصة في مجالات السيارات الكهربائية والتقنيات المتطورة.

وأضافت نفس الجريدة، أن هناك استثمارات صينية في المغرب ارتفعت إلى حوالي 10 مليارات دولار خلال الأعوام الأخيرة، عبر مشاريع ضخمة أعلنت عنها شركات صينية، لكن هذا التقدم الصناعي – حسب “نيويورك تايمز” – يضع الرباط أمام معضلة دقيقة، إذ تخشى أن يؤدي توثيق شراكاتها مع بكين إلى رد فعل سلبي من واشنطن، خاصة إذا اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب قرارات بتوسيع العقوبات التجارية مستقبلا.
وأكدت الجريدة الأمريكية، أن الرباط تواصل توثيق تعاونها العسكري والأمني مع الولايات المتحدة، من خلال المشاركة في مناورات حلف “الناتو”، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والسعي إلى اقتناء مقاتلات الشبح الأمريكية F-35، وهو ما يعكس استمرار التزامها الاستراتيجي مع الحلفاء الغربيين، كما تبقى قضية الصحراء عاملا جوهريا في مواقف المغرب، إذ ترى المملكة المغربية أن اعتراف واشنطن بسيادتها على الأقاليم الجنوبية مكسب سياسي لا يمكن المغامرة به لصالح أي شراكة اقتصادية.
وشدد التقرير بالتأكيد على أن المغرب ينتهج منذ سنوات ما وصفه بـ”سياسة التريث والحذر” بين الصين والولايات المتحدة، لكن استمرارية هذا النهج ستتوقف على تطورات النزاع التجاري القادم بين العملاقين الدوليين.. غير أن هناك من يقول بأن الاستثمارات الصينية في قطاع البطاريات الكهربائية بالمغرب ليست مجرد عمليات تجميع بسيطة، وإنما هي استثمارات حقيقية وضخمة تشمل إنشاء سلسلة توريد متكاملة بنسبة إدماج محلي تتجاوز 60 %، في الوقت الذي لا يشترط فيه اتفاق التبادل الحر سوى 40 % فقط.. وهذا يعني أن الصين تقوم باستثمارات استراتيجية طويلة المدى تتضمن نقل التكنولوجيا وتوطينها في بلد يعتبر حليفا تاريخيا للولايات المتحدة، وهو ما يتطلب منها تحمل مخاطر كبيرة.
من زاوية المصلحة الأمريكية، تشكل هذه الاستثمارات الصينية في المغرب فرصة استراتيجية هامة.. فهي تسمح للشركات الأمريكية بالحصول على مكونات وسلع بتكلفة أقل، مع ضمان عدم عودة جميع الأرباح إلى الصين وحدها، والأهم من ذلك، توفر هذه الاستثمارات بديلا آمنا لسلاسل التوريد الأمريكية في حال حدوث توتر أو أزمة في العلاقات الأمريكية-الصينية، وهو سيناريو محتمل في ظل التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين القوتين العظميين.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المغرب يلعب دورا محوريا كنقطة ربط استراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، فالاستثمارات الصينية في المغرب تخدم مصالح الطرفين: الصين التي تسعى إلى تنويع أسواقها وتجاوز الحواجز الجمركية، وأمريكا التي تحصل على إمدادات موثوقة من السلع الضرورية لصناعاتها الاستراتيجية.. هذه المعادلة المعقدة تعكس عمق التحولات في الاقتصاد العالمي وطبيعة العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين.
المفارقة التي تستدعي التأمل، هي أن هناك قوى إقليمية تعرض نفسها وسيادتها واقتصادها وثرواتها على أمريكا، متوهمة أنها تساهم بذلك في استراتيجية محاصرة الروس والصين، وكأنها تنتقم لنفسها من استبعادها من تجمع “البريكس”.
وفي الوقت نفسه، تسعى هذه القوى جاهدة إلى تشويه صورة جارها المغرب ومنعه من بناء قاعدة صناعية متطورة من شأنها أن تعزز استقلاليته الاقتصادية وتؤثر في التوازن الإقليمي لصالحه، مما يقلل بالضرورة من نفوذها ومكانتها.
إن التجارب التاريخية تعلمنا أن الدول التي تمكنت من النهوض والتقدم، هي تلك التي استطاعت أن تبني لنفسها موقعا استراتيجيا في خارطة المصالح الدولية، وأن تستثمر في العلاقات المتوازنة مع القوى الكبرى دون الانحياز المطلق لطرف على حساب آخر، والمغرب، من خلال سياسته الخارجية المتوازنة، واستراتيجيته الاقتصادية الطموحة، يسير على هذا النهج، محاولا الاستفادة من الفرص التي يتيحها التنافس بين القوى العظمى، دون أن يصبح ضحية لهذا التنافس.



