الحقيقة الضائعة | اتفاقية “الوثيقة الصفراء” مع فرنسا
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 123"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لابد من التذكير بأن المولى عبد الحفيظ بعث وزيره في المالية محمد المقري، ليفاوض الفرنسيين في باريس، في موضوع التعاون المغربي-الفرنسي ((انطلاقا من جلاء القوات الفرنسية من المغرب، وقبولا لكل ما قد تقترحه فرنسا مقابل هذا الجلاء من شروط))..
بينما استطاع الفرنسيون الحصول من المقري على الاتفاق الذي يخدم كل مصالحهم دون جلاء القوات الفرنسية، وفيما يلي نص شروط اتفاقية رابع مارس 1910، التي أصبحت في ذلك الوقت تعرف باسم “الوثيقة الصفراء” :
((أولا: سيغادر الجيش الفرنسي إقليم الشاوية، حينما يستطيع السلطان فرض النظام بها وتسليح جيش قوامه 1500 رجل مدربين على مستوى عالي يشابه مستوى الجيش الفرنسي، وعند ذلك يسحب الجيش الفرنسي إلى مدينة الدار البيضاء.
ثانيا: لا تتدخل حكومة السلطان في شؤون التعاونية الفرنسية إلى أن يتم تحقيق ما ورد في الفقرة الأولى.
ثالثا: تتسلم حكومة السلطان حالا كل المنشآت التي أقامها الفرنسيون، من قناطر وطرق وسكك حديدية وخطوط تلغرافية بشرط أن يدفع السلطان ثمنها على أن يعهد إلى خبراء فرنسيين بالعناية بتلك المنشآت ويدفع لهم أجورهم ويدفع مصاريف الصيانة، ويتولى أمين المستفاد في الدار البيضاء دفع هذه المصاريف.
رابعا: يبقى النفوذ الفرنسي على الدار البيضاء مستمرا إلى أن ينشئ السلطان جهازا بلديا، كما أن السلطان لن يتصرف في مداخيل الدار البيضاء والشاوية إلا باتفاق ومصادقة الفرنسيين.
خامسا: تتولى حكومة السلطان ومخزنه استلام الذعائر المفروضة على قبائل الشاوية، عقابا على نهب الدار البيضاء، وقيمتها مليونان من الفرنكات، كما يتولى المخزن استخلاص الزكاة والعشور.
سادسا: يشرع الفرنسيون المستوطنون في دفع الضرائب، على أن تصرف مداخيل تلك الضرائب على مدينة الدار البيضاء.
سابعا: يستأنف الطابور الفرنسي عمله في خدمة حكومة السلطان، وعدد رجال هذا الطابور 1200 رجل يشرف عليهم مستشار عسكري فرنسي مكلف بمهمة تكوين جيش السلطان.
ثامنا: يتعهد السلطان والمخزن بأداء كل الديون الفرنسية على المغرب والمتركبة من خسائر فرنسا من جراء حربها في المغرب، وفيها الخسائر المعنوية والمادية والرصاص والذخائر والأسلحة التي ضاعت.
تاسعا: قيمة الخسائر الفرنسية التي سيدفعها المخزن، تتمثل في ما خسرته فرنسا منذ بداية نزولها في شواطئ المغرب إلى حدود فاتح يناير 1910.
عاشرا: تغادر الجيوش الفرنسية المغرب وتغادر الدار البيضاء بمجرد تنفيذ الشروط التسعة السابقة)).
الصحراء جزء من التراب المغربي
هذه هي الفصول العشرة لاتفاقية رابع مارس 1910، والتي أثارت أزمة خانقة بين السلطان عبد الحفيظ وبين الحكومة الفرنسية، لكن نصوص هذه الاتفاقية – كما يبدو من مظاهرها – كلها رحمة، ونعمة واستعداد للجلاء.
ولو كان المولى عبد الحفيظ، كما كان يشاع عنه من تحلل ولهو، لأمضى هذه الاتفاقية دون أن يثير حولها هذا الكشكول من الأزمات، كما أنها لو كانت تتنافى ومصالح فرنسا.. لما اضطر القنصل كايار، لتقديم إنذار ثمانية وأربعين ساعة ضغطا على المولى عبد الحفيظ لإمضائها.
لقد وردت في هذه الحلقات من المناورات السياسية ضد السيادة المغربية، عدة نماذج للمكر الاستعماري والتناور السياسي ضد السيادة المغربية، ولكن اتفاقية رابع مارس تعتبر آية في المكر وبدعة في المناورات..
ذلك أن الفرنسيين بهذه الاتفاقية، إنما يرهنون استقلال المغرب مقابل التزامات لا يمكن للمولى عبد الحفيظ، ولا للمغرب كله أن يدفعها.
ثم إنها، بعد أن يستطيع المولى عبد الحفيظ بمعجزة، تنفيذ التزاماته المنصوص عليها، إنما ستكون اعترافا منه بفرض السيادة الفرنسية على الأراضي المغتصبة في شرق الجنوب المغربي، وعلى اتفاقيات التقسيم الممضاة بين فرنسا وإسبانيا، ثم إن فرنسا تعرف أكثر من غيرها أن سلطانا عاجزا عن دفع أجور حراسه وجنوده وموظفيه، لن يستطيع احترام التزاماته في هذه الاتفاقية، وذلكم كان بيت القصيد.
دفعا لكل التباس وتقريبا للحقيقة، وحتى لا يتهم الفرنسيون صراحة بالتناور.. فقد ألحقوا بالاتفاقية هذا الملحق الذي يمثل حقا صمام الأمان للتواجد الفرنسي في المغرب وحماية مصالحه.
فالاحتمال الذي ورد في تعليقي على الشروط العشرة، كان دائما شيئا واردا في خضم المعارك السياسية العالمية، وليس من المستبعد إطلاقا أن يبعث الألمانيون بواخر محملة بالأموال ليدفع السلطان التزاماته بمقتضى “اتفاق رابع مارس 1910″، وربما يكون الفرنسيون مضطرين للانسحاب.
لذلك كان الملحق واضحا جليا لا يدع مجالا لسوء الفهم، ولا لازدواجية التأويل، يقول الملحق المتركب من نقطتين: ((إن تنفيذ الفصل العاشر من هذه الاتفاقية مرتبط بنقطتين:
أولا: أن يقطع السلطان كل مساعدته عن جيش التحرير، الذي يحارب الاحتلال الفرنسي للصحراء الشرقية، ويبعث رسائل في هذا الاتجاه إلى عماله في الأقاليم الجنوبية.
ثانيا: أن يصدر السلطان قانونا يلزم المغاربة بقبول الفصل الستين من “عقد الجزيرة”، والذي يسمح للأجانب بشراء الممتلكات في جميع التراب المغربي)).
مرة أخرى، قد أتهم بالمغالاة والانحياز لمصالح وطني في شرح جزئيات هذا الأخطبوط الاستعماري.. لذلك أسترجع وأراجع ما ذكره المؤلف مارتان، صاحب كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، في تعليقه عن “اتفاقية رابع مارس 1910″، حيث يقول مارتان: ((إن ما يشرح تضعضع الموقف الفرنسي في هذه الشروط، هو أن الفصل الثاني من ملحق النص العاشر يتناقض مع الفصل العاشر نفسه، لأن السماح للأجانب من طرف السلطان بشراء الأراضي في جميع التراب الوطني، يتناقض مع التوقف عن مساعدة سكان الصحراء في حربهم ضد الاحتلال الفرنسي، ويبتر الصحراء جزء من الإيالة المغربية)).
ويزيد مارتان في تحليل هذا التناقض، فيقول: ((في الملحقات لهذه الاتفاقية، وفي تفسير هذه الملحقات لمشكل الحدود، ينص الاتفاق فيما يخص الملحق بالفصل الأول، أن فرنسا تحافظ على المناطق المجاورة للحدود الجزائرية بما فيها “بركنت”، حماية لمصالحها، وفي الفصل الثاني بشأن الملحق المتعلق بالحدود، تغادر فرنسا وجدة وبني يزناسن وبوعنان وبوذنيب، بعد الاتفاق في معاهدة خاصة تحدد المناطق التي تطالب بها فرنسا.
كما ألحق بالفصل الأول شرط ثالث، ينص على أن التزام المخزن بأن ينصب في وجدة – وطبقا لاتفاقية 1902 – مندوبا ساميا للعمل جنبا إلى جنب مع المندوب الفرنسي في الجزائر، وسيدخل في مهام هذين المندوبين أن يتفقا على تعيين وطرد قواد القبائل، وعندما يغادر الفرنسيون أرض المغرب، يبقى أولئك القواد في مناصبهم)) (بصيغة أخرى، وهذا بتعليقي لا تعليق المؤلف مارتان، “يبقى أولئك القواد جواسيس للفرنسيين”).
((وكملحق للفصل المتعلق باستخلاص الضرائب، ينص التفسير على أن الضرائب ستدفع طيلة مدة الاحتلال إلى مندوب السلطان بمراقبة المندوب الفرنسي، ولا تنتهي مهمة المندوب الفرنسي إلا عندما يتم استرداد كل ديون فرنسا.
وينص الملحق المتعلق بتأطير الجيش المغربي، على أن الجيش المغربي سيتكون من المغاربة المسلمين مؤطرين من طرف الجزائريين المسلمين، تحت القيادة العليا للفرنسيين.
وكملحق بالفصل العاشر أيضا، فإن الفرنسيين لن يغادروا منطقة بوذنيب وبوعنان.. إلا عندما يضمن عامل السلطان سلامة المنطقة والحرية التجارية بها)).
انتهى تعليق المؤلف مارتان على “اتفاقية رابع مارس 1910″، وعلى التناقضات التي تطغى عليها.



