تحقيقات أسبوعية

للنقاش | أي تحديات اقتصادية وتجارية للمغرب مع الولايات المتحدة بعد تجاوز اتفاقية التبادل الحر ؟

تعد العلاقات المغربية الأمريكية من أهم العلاقات الخارجية بالنسبة للمغرب بعد الاتحاد الأوروبي، نظرا للعلاقة التاريخية التي تجمع بين البلدين منذ عهد السلطان محمد الخامس على الصعيد الاقتصادي والتجاري والسياسي والعسكري، حيث تميزت العلاقات بتطور كبير في المجال الاقتصادي والسياسي في العقدين الأخيرين، لاسيما من خلال اتفاقية التبادل الحر، وأيضا الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.

الرباط. الأسبوع

    عرفت العلاقات بين المغرب وأمريكا اهتزازات، إذ وافقت سنة 2017 الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي أسفرت عن الصعود الأول للرئيس دونالد ترامب لزعامة الحزب الجمهوري، حيث كان جل المحللين السياسيين يستبعدون ذلك، لذلك قامت مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، بزيارة للمغرب، إذ أشيع أنه ساهم في حملتها، الأمر الذي جعل العلاقة في البداية بين الرئيس الأمريكي ترامب والمغرب تعتريها بعض الصعوبات، تجلت بعض مظاهرها في غياب السفير الأمريكي عن المغرب لفترة هامة، وكذلك عدم استقبال الرئيس للملك محمد السادس أثناء مقامه بأمريكا.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن رغم ما قيل عن طبيعة العلاقة بين المغرب وأمريكا خلال ولاية ترامب الأولى، إلا أنه قبل أن تنقضي ولايته، قام بإجراءات مهمة غير مسبوقة تجاه المغرب ذات طابع مالي وسياسي، الأولى تهم الرفع من الاعتمادات من الميزانية الفيدرالية 2019، مع تخصيصها صراحة للمغرب بما في ذلك أقاليمه الجنوبية، وقد تلاه الإعلان التاريخي للرئيس الأمريكي بتوقيع مرسوم الاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء مربوط بـ”اتفاقيات أبراهام”.

تتمة المقال تحت الإعلان

يعد المجال الاقتصادي من المجالات ذات الأهمية البالغة في العلاقة بين المغرب وأمريكا، لكن ما حصل مؤخرا من فرض رسوم جمركية وضريبية على السلع والصادرات المغربية نحو أمريكا بنسبة 10 في المائة، بقرار من الرئيس دونالد ترامب، يطرح الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام، هل سيكون لهذا القرار تأثير كبير على الاقتصاد المغربي، وعلى الشركات الوطنية والأجنبية المتواجدة فوق التراب الوطني، والتي تصدر منتجاتها نحو أمريكا، أم ستخلق هذه الإجراءات الجديدة أزمة اقتصادية عالمية قد يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد المغربي ؟

في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي زكرياء كارتي، أن العلاقات بين المغرب وأمريكا استثنائية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، فالمغرب هو الدولة الإفريقية الوحيدة التي لها تبادل حر مع الولايات المتحدة، لذلك عرفت المبادلات التجارية تطورا كبيرا إلى خمسة أو ستة أضعاف بخصوص الصادرات المغربية إلى أمريكا، التي انتقلت من 2.5 إلى أكثر من 17 مليار درهم هذه السنة، وفي نفس الوقت، هناك واردات أهم وهناك فائض تجاري بالنسبة للولايات المتحدة مع المغرب، لذلك لم يكن في مرمى نار الرسوم الجمركية التي فرضتها على عدة دول، لأنه ليس لديها عجز تجاري مع المغرب، الشيء الذي جعل الرسوم التي فرضت على المغرب هي الأقل والحد الأدنى 10 في المائة التي تعادل صفر سابقا.

وأوضح نفس المحلل الاقتصادي، أن العلاقات الاقتصادية المغربية الأمريكية مبنية على اتفاقية التبادل الحر، التي تقول في “المادة 2”: “لا يمكن لأي جهة أن تقوم برفع التعاريف الجمركية على منتوج ما، إلا في حالة إذا كان ذلك مقبولا أو في إطار عمل لجنة تسوية النزاعات التابعة للمنظمة التجارية العالمية”، فحتى اتفاق “الغات” يسمح بإمكانية إعادة الرؤية في الرسوم الجمركية إذا كان هناك تهديد للأمن القومي لأي دولة، مبرزا أن الولايات المتحدة كشفت – في تقريرها الذي أصدرته مؤخرا حول الرسوم الجمركية 2025 – عدة أسباب وراء رفع الرسوم الجمركية على المغرب إلى عشرة في المائة، منها أن “هناك تقييدات على بعض المواد الصحية النباتية، وتحفظات، وهناك استعمال لمواد تضيق على بعض الصادرات الأمريكية، وهناك تضييقات على شركات التأمين الأمريكية من خلال حزمة التراخيص التي تعتبرها قيودا وتضييقا، كما أن هناك بعض الواردات تعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر”.

وقال كارتي خلال لقاء مع “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد”، أن للمغرب الحق والقدرة لمتابعة الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية، واتهامها بالإخلال ببنود اتفاقية التبادل الحر، لكن ليس هو الهدف للدخول في سجال قانوني مع شريك سياسي مهم، ولكن يبقى السؤال: هل سيستفيد المغرب من هذا الأمر؟ رغم أن نسبة 10 في المائة بالنسبة للمغرب أقل عن دول قريبة مثل تونس والجزائر، بحيث أن هذه الرسوم الجمركية قد تكون مفيدة بالنسبة للمغرب مقارنة مع دول آسيوية، مؤكدا أن الرهان الأكبر بالنسبة للمغرب هو الحفاظ على توازن في علاقاته الصناعية والتجارية، بين أكبر فاعلين اقتصاديين في العالم، الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى، وهناك عدد كبير من الشركات الصينية التي لها اهتمام متزايد بالمغرب، لأسباب عديدة، وليس بسبب الرسوم الجمركية، وطبعا المغرب سيكون أرضية للصادرات نحو أمريكا والاتحاد الأوروبي، بفضل الاستقرار السياسي والمؤسساتي، والموقع الجغرافي المتميز والبنية التحتية..

وواصل المتحدث ذاته، بأن المغرب قد يكون حلقة وصل بين الصين وأمريكا من خلال الشركات الصينية، التي قد تفضل التواجد بالمغرب لعدة أسباب، من بينها اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، التي تعترف بها، والتي لا تريد أن تقوم الصين بالتحايل على الرسوم الجمركية، مما قد يعرض الصادرات المغربية للضرر وضرائب إضافية ورسوم جمركية، وهو ما يشكل تحديا كبيرا حتى لا يتعرض المنتوج المغربي للنقاش مع الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية تعجيزية.

فبحسب التقرير الاستراتيجي 2020-2024 لمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، فإن حجم المبادلات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة تضاعف خمس مرات منذ سنة 2005، أي السنة التي سبقت دخول اتفاقية التبادل الحر بين البلدين حيز التنفيذ، لتصل إلى 5 ملايير دولار سنة 2019.

وقد كشف دافيد غرين، المسؤول في السفارة الأمريكية، أن 150 مقاولة أمريكية تعمل في المغرب، وأن هذا الاستثمار دعم تطوير الصناعات الاستراتيجية ومكن من إحداث الآلاف من مناصب الشغل وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتعزيز تموقع المغرب في سلسلة التوريد العالمية بالأسواق المتقدمة.

فقد مكنت اتفاقية التبادل الحر من تحسين المقاولات المغربية حصتها من الواردات الأمريكية، وساهمت في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين مجتمع الأعمال الأمريكي والمغربي، من خلال تغطية العديد من القطاعات الاقتصادية ومجموعة واسعة من المنتجات، منذ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في يناير 2006، والتي جعلت المغرب البلد الوحيد في القارة الإفريقية من بين عشرين دولة وقعت معها أمريكا اتفاقيات التبادل الحر.

ويضيف التقرير أن اتفاقية التبادل الحر بين أمريكا والمغرب تعد اتفاقية شاملة تدعم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الهامة التي يقوم بها المغرب، وتنطبق على التجارة في كل من السلع الزراعية والصناعية وتجارة الخدمات، كما تغطي الجوانب المتعلقة بالشغل والسياسة والبيئة والأسواق العمومية وحقوق الملكية الفكرية.

في سنة 2020، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب 5 ملايير دولار، مقابل 925 مليون دولار سنة 2005، أما في سنة 2021، ورغم التباطؤ الاقتصادي الذي شهده العالم بسبب وباء “كوفيد”، فقد بلغت التجارة الثنائية بين البلدين 3.3 ملايير دولار، بينما وصل إجمالي الصادرات الأمريكية إلى المغرب في سنة 2023، حوالي 2.3 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي الصادرات المغربية إلى أمريكا 1.04 مليار دولار، حيث اجتذبت اتفاقية التبادل الحر أيضا استثمارات أمريكية ودولية وحفزت الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا المتطورة، خاصة في قطاعات السيارات والطيران وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ووفق نفس التقرير، فإن اللجنة المشتركة لاتفاقية التبادل الحر بين الولايات المتحدة والمغرب، اجتمعت بشكل متكرر من أجل مساعدة مقاولات القطاع الخاص على تجاوز والتغلب على كافة الحواجز التجارية، وأتاحت الاتفاقية التي تندرج في إطار انفتاح المغرب على شركائه، أن يصبح منصة صناعية وتجارية ناجحة، مكنت المستثمرين الصناعيين الأمريكيين من الولوج إلى أسواق تضم أكثر من مليار مستهلك محتمل، بدء من أوروبا والشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا أو جنوب الصحراء، وكذا المصنعين المغاربة، ومن الولوج إلى السوق الأمريكية العملاقة، وإلى ملايين المستهلكين..

عموما، تبقى العلاقات السياسية والدبلوماسية بين المغرب والولايات المتحدة تطغى بشكل كامل على العلاقات الاقتصادية والتجارية، خاصة وأن هناك عدة مصالح بين البلدين على المستوى السياسي بعد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء والتأييد الأمريكي لمقترح الحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري بين البلدين في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب العلاقات الثقافية والتاريخية التي تجمع بين البلدين منذ القرن السابع عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى