سبق لمجموعة من الصحافيين أن سألوا عبد الإله بن كيران ذات يوم، عن رأيه في مشاركة مجموعة من الحمير (حمير حقيقية) في تظاهرة سابقة لفاتح ماي، لكنهم فوجئوا بجواب رئيس الحكومة وقتها، حيث تأسف “لكون الحمير لم تقبض أجر المشاركة” في هذه التظاهرات التي كانت تستهدف إسقاطه.. وسبق لعبد الإله بن كيران أن قدم تعريفا ساخرا للوسطية، خلال إطلاق إحدى حملاته الانتخابية، حيث عرفها بكونها في مرتبة “ما دون البغل وفوق الحمار”..
إعداد: سعيد الريحاني
بغض النظر عن حكايات الحمار التي حجزت مكانتها في النقاش السياسي مؤخرا، على هامش المؤتمر الوطني لحزب العدالة والتنمية(..)، والأصل أن الحمير لا تشارك في السياسة، ولا علاقة لها بالحياة العامة، وبالتالي، فهي بريئة من هذا النقاش، وأي تشابه في الأحداث أو الصفات، فهو مجرد صدفة إعلامية(..)، فإن أكبر “ظلم” قد يتعرض له الإنسان هو ظلم المقربين، وقد خلد شاعر المعلقات طرفة ابن العبد، الذي توفي قبل مجيء الإسلام، شعره المأثور في هذا السياق، بعد أن تآمر ضده الجميع، رغم فصاحة لسانه ورغم انتمائه لعائلة كبيرة(..) وهو يقول:
وظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقعِ الحسام المهند
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوّد
ويَأتِيكَ بالأخبار مَنْ لم تَبِعْ له بَتاتاً، ولم تَضْرِبْ له وقْتَ مَوعد
ويمكن أن يفهم المرء سبب هجوم أطراف خارج حزب العدالة والتنمية على شخص عبد الإله بن كيران، وأعضاء حزبه، لكن “المؤامرة الأكبر” كانت ضده داخل الحزب.. وقد كان الحديث سالف الذكر في الفقرة السابقة، خلاصة حديث مع أحد الأعضاء الذين حضروا المؤتمر، حيث وصف ما حصل بأنه “محاولة انقلاب فاشلة ضد بن كيران”.
نفس المصدر أكد أن عدد المشاركين في النقاشات الداخلية، بلغ 124 مشاركا، كلهم أعضاء المجلس الوطني، حيث تم منح دقيقة ونصف لكل متدخل، ورغم أن التوجه العام كان يسير نحو إعادة انتخاب بن كيران لولاية جديدة على رأس الحزب، إلا أن “المفاجأة” وقعها بعض أعضاء النخبة، الذين التقت مصلحتهم في الدعوة إلى “إسقاط” بن كيران، وعلى رأسهم رئيس المجموعة النيابية عبد الله بوانو، الذي فضل الاصطفاف خلف إدريس الأزمي..
قد يقول قائل إن الأمر يتعلق بنقاش “ديمقراطي” داخل حزب العدالة والتنمية، وأن هناك قيادات داخل الحزب تسعى للوصول إلى القيادة، لكن السؤال الذي يغدو مطروحا: أليس بن كيران هو من صنع مجد حزب العدالة والتنمية، ولولاه لما وجد هناك فريق من البرلمانيين حتى يترأسه عبد الله بوانو؟ من يعرف مثلا مرشحا منافسا اسمه سعيد خيرون، والذي لا يمكن أن يتجاوز في أقصى الحالات مرتبة مدير للمقر(..)؟ هل يعقل أن يصل عبد العزيز العماري، المنتخب في الدار البيضاء، إلى مرتبة بن كيران، الذي كانت له القدرة، في وقت من الأوقات، على حصد ثلاثة مقاعد برلمانية عن لائحته الانتخابية دفعة واحدة؟ هل يعقل أن نقارن رجلا يحقق أعلى نسب المتابعة مع أعضاء لا يتابعهم أحد ؟
الواقع، أن ما وقع داخل حزب العدالة والتنمية، يمكن أن تستخلص منه عدة دروس، أولها أن “الزعيم” لا يجب أن يطمئن لـ”نخبة المحيطين”، فـ 75 مداخلة من أصل 124 كانت تصب في اتجاه دعم مواصلة بن كيران لقيادة العدالة والتنمية، والقاسم المشترك أن المدافعين عن بن كيران لم يكونوا من أعضاء الصف الأول، بل جلهم أعضاء الحزب البسطاء، ومنهم من ساهم شخصيا في دعم مؤتمر الحزب (ولو بالقليل من المال)، وقد توفقت كل من القيادية أمينة ماء العينين والوزير السابق مصطفى الخلفي، في اختيار موقف “دعم بن كيران”، الذي يتحدث خلال “المشاورات التداولية”، بخلاف ما أشيع إعلاميا، والأكيد أن تكون لهذا الاختيار نتائجه فيما بعد..

وبغض النظر عن كل شيء.. فقد حافظ بن كيران على منصب الزعامة، في غياب كل من استفادوا من الحزب، وعلى رأسهم الوزراء السابقين الذين حسنوا مكانتهم، وغيروا بيوتهم، ومنهم من غير أكثر من ذلك(..)، وأكثر من ذلك، فقد استحق التنويه الملكي، إلى جانب كونه رجل دولة، بخلاف ما يقوله خصومه(..)، فقد بعث الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى عبد الإله بن كيران، وذلك بمناسبة إعادة انتخابه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، ومما جاء في برقية الملك: ((يطيب لنا أن نبعث لك بتهانئنا عقب تجديد الثقة في شخصك بإعادة انتخابك أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية من قبل مؤتمره الوطني التاسع..))، وأضاف الملك محمد السادس: ((وإننا لنعرب لك عن أصدق متمنياتنا بكامل التوفيق في مواصلة مهامك القيادية الحزبية بما يعزز حضور حزبكم في الساحة السياسية الوطنية، وإسهامه الفاعل، إلى جانب باقي الأحزاب والهيئات السياسية الموقرة، بالجدية وروح المسؤولية، في تأطير المواطنات والمواطنين خدمة للصالح العام، ومواكبة مسيرة التنمية الشاملة التي نقودها للارتقاء ببلادنا في مدارج الحداثة والتقدم والازدهار.. وإذ نطلب منك إبلاغ عبارات تقديرنا لعضوات وأعضاء حزب العدالة والتنمية، مثمنين تشبثكم الراسخ والمعهود بمقدسات الأمة وثوابتها، وحرصكم الدؤوب على خدمة المصالح العليا للوطن التي تسمو فوق كل اعتبار، لندعو الله تعالى أن يوفقكم ويسدد على طريق الخير خطاكم)) (المصدر: تهنئة الملك محمد السادس لبن كيران عقب انتخاله أمينا عاما في المؤتمر الوطني التاسع).
الملك محمد السادس إذن، ينوه بشخص بن كيران، وبحزبه، وبعبارات واضحة، لكن خصوم بن كيران يواصلون محاولة إسقاطه، تارة بمبرر أنه يتقاضى 7 ملايين شهريا كتقاعد، والحال أن هذا وضع اعتباري لكافة رؤساء الحكومات السابقين(..)، كيف يمكن أن نلوم بن كيران ولا نلوم رئيس الحكومة الحالي أخنوش، المتورط في لعبة تضارب المصالح بشكل علني، وبأرقام تصل إلى الملايير.. ولا يقف خصوم بن كيران عند الخصومة السياسية، بل إن العديد من المواقع تخصصت في الهجوم على بن كيران، لسبب معروف(..)، وكم كان تناقض هذا النوع من المواقع التابعة صارخا، عندما نوهت بما حققه أردوغان من نجاح في تركيا، بينما كانت تتحدث عن ضرورة التقاعد السياسي لبن كيران، بينما كلا الرجلين ولدا في نفس السنة.. مع العلم أننا نتحدث في المغرب عن “مجرد رئاسة حكومة”.
إن أقل ما يمكن أن يقال في حالة حزب العدالة والتنمية، عقب نجاح مؤتمره في غياب التوصل بدعم وزارة الداخلية(..)، وبمساهمات أعضائه، هو أن هذا الأخير يتجه نحو تحقيق وجود جديد في الخريطة السياسية، عقب الانتخابات المقبلة (ليس بنفس الحجم السابق)، في السياق الدولي الجديد، وبمعطيات تفرض نفسها على الساحة الوطنية.. ناهيك عن كونه أحد التنظيمات التي قد لا تتأثر بظاهرة العزوف السياسي، بسبب شبكة تنظيماتها المعقدة، والتي استرجعت بعضا من ديناميتها، عقب التخلص من تركيبة سعد الدين العثماني، الذي قاد الحزب إلى أسوأ نتيجة انتخابية(..).

ولمن يقلل من حجم حزب العدالة والتنمية، يكفيه قراءة الإشارات السياسية التي تضمنتها بلاغاته الأخيرة عقب إعادة انتخاب بن كيران.. فقد قال حزب العدالة والتنمية: ((إن مستقبل بلادنا رهين بمؤسسات منتخبة مسؤولة وذات مصداقية وبأحزاب مستقلة تشتغل في إطار تعاقد جديد مبني على احترام الدستور، وحماية الحقوق والحريات وضمان استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات.. وأكد أن مصداقية الاختيار الديمقراطي تمر عبر انتخابات نزيهة وشفافة وحرة، وهو ما يتطلب – بحسبه – إرادة سياسية وإصلاحا قانونيا وعمليا وشاملا للمنظومة الانتخابية، في غيابها ستظل الممارسة الانتخابية مشوهة وغير صادقة ومحكومة بشبكات الإفساد والتلاعب بالنتائج لمصلحة لوبيات مصالح متنفذة..
واعتبر حزب العدالة والتنمية، عقب تجديد الثقة في عبد الإله بن كيران، أن هناك تراجعات خطيرة مست مصداقية البناء الديمقراطي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وأثرت بشكل سلبي على ثقة المواطنين في جدوى المشاركة السياسية والعملية الانتخابية بما أفرز مؤسسات فاقدة للمصداقية وبدون شرعية حقيقية..
وحذر الحزب من خطورة تنامي العزوف السياسي، وأن المستفيد الأول هو شبكات الريع والفساد والإفساد، والتي يزداد تغلغلها وتغولها كلما ازداد حجم الانسحاب والعزوف وإخلاء الساحة السياسية من الأحزاب الجادة وتبخيس مكانة المؤسسات، وتراجع المواطنين عن العمل الحزبي والسياسي وإضعاف البنية الحزبية وتمييع المشاركة السياسية والعملية الانتخابية.. وأشار إلى تماطل الحكومة في إخراج القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، في إطار ترسيخ الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور)) (المصدر: موقع حزب العدالة والتنمية).
خلاصة القول، وعلى لسان مصادر مطلعة استقت “الأسبوع” رأيها من داخل مؤتمر حزب العدالة والتنمية، فإن ما حصل هو “محاولة انقلاب فاشلة ضد بن كيران”، وقد تميزت هذه المحاولة باصطفاف أعضاء الأمانة العامة المصغرة ضد رئيسهم وزعيمهم ومرشدهم، وهم عبد العزيز العماري وسعيد خيرون وعبد الله بوانو ورضى بن خلدون.. هل يمكن أن نتصور أي واحد من هؤلاء قادرا على الوقوف في طريق أخنوش أو غيره دون وجود بن كيران ؟
أما خلاصة المؤتمر الثانية، فهي وقوف مصطفى الخلفي وأمينة ماء العينين ودادا لامين.. إلى جانب بن كيران، الذي رجع خلال بداية المؤتمر إلى الخلف ولم يتحدث، فضلا عن كون الترشيحات للأمانة لا تأتي من خلال الترشيح الشخصي، بل من خلال المؤتمرين.. هل يوجد حزب آخر في الساحة اليوم قادر على ترك المؤتمر يختار مرشحيه لقيادة الأمانة العامة؟ ومن هو هذا الأمين الذي يمكنه أن يرجع للوراء، وأن لا يتحدث إلا عقب نهاية المؤتمر ؟
إن ذلك لا يحدث لحد الآن إلا في حزب العدالة والتنمية.. بغض النظر عن وجود اتفاق أو اختلاف مع خيارات هذا الحزب، أو حتى بنائه الإيديولوجي..
خلاصة لابد منها، استقتها “الأسبوع” من داخل المؤتمر، هو أن خصومه طالبوا بضرورة تشبيب الحزب، وقالوا إنه متشدد في إدارة الحزب، وبأنه أعطى للحزب ما يمكن أن يعطيه، وأنه يجب أن يتراجع إلى مرتبة الحكيم(..)، انظروا للتناقض(..).
بالمقابل، يرى أنصار بن كيران، وقد كانوا جلهم من البسطاء، الذين لهم صفة تنظيمية، أنه يجب تقدير نجاحه في الحفاظ على الحزب بعد “نكبة 8 شتنبر”، كما أكدوا على كونه رجل دولة، وأن الحاجة إليه ما زالت قائمة، وأنه أفضل مخاطب للدولة في حال انقلبت الأمور وتغير الموقف من الإسلاميين، وأنه هو الوحيد القادر على تحويل الأزمات إلى فرصة للتعبئة (المصدر: كلمات من المؤتمر).. وهذا ما جعل بن كيران زعيما رغم أنف الجميع، سواء داخل المؤتمر أو خارجه(..).



