المنبر الحر

المنبر الحر | آداب التعامل و”الإتيكيت”

بقلم: نور الدين الرياحي

    الملاحظ على كتاب “آداب التعامل والإتيكيت”، أنه استعرض هذه القواعد دون أن يرجعها إلى مصادرها وتاريخها، خصوصا إذا علمنا أن الحضارة العربية كانت سباقة بفضل الدين الإسلامي، إلى وضع كثير من هذه القواعد.

فقد كان أولى بالكاتبين (عبد الفتاح محمد شبانة وأميرة مصطفى الصادق) أن ينظرا للحضارة العربية الإسلامية التي عاشاها في بلدهم مصر، والتي تعتبر هي الأصل، وهو ما حاولنا بواسطة هذه الدراسة مقارنة ما ورد في الكتاب كقواعد من جهة، وهذا أمر محمود للكاتبين مع الرجوع إلى أصل هذه القواعد نفسها، وذكر ما تغاضى عنه الكتاب في التعريف بقواعد الإتيكيت كما جاءت في الحضارة العربية والإسلامية وغيرها من الأديان، ذلك أن هذه القواعد منصوص عليها بواسطة أوامر إلهية في القرآن الكريم، وكذلك ما اشتملت عليه السنة النبوية من أفعال وأقوال ولباس واستئذان، يمكن أن نعتبر معه أن ما سن في الحضارة الغربية نجد الكثير منه قد تم إرساؤه من طرف الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها، ولما تراجعت الحضارة العربية في عصورها المظلمة، بقيت عدة أثار تحكم مجتمعاتها، لأن القواعد مرتبطة بالدين، وبالتالي تمت المحافظة عليها ولو بدون إمكانيات مادية في عصور الانحطاط.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهي لا تتطلب مستوى معين من التعليم ولا شواهد ولا تقدم ولا صناعة بقدر ما تتطلب التربية الحسنة، التي تربت فيها المرأة والرجل على حد سواء، إذ أن النجاح ليس هو المعيار الوحيد في الحياة، لأن الأخلاق هي التي يجب أن تحكم سلوك الإنسان، لذلك نجد أن الديانات السماوية أول ما تحث عليه المؤمن بها في الحياة هو توخي أحسنها، ومن التعامل أفضلها، ومن المكانات أوسطها، حتى لا تفيئ فئة كثيرة على فئة قليلة، وهذا سبب الوسطية في الإسلام.

تتمة المقال تحت الإعلان

فهي عبارة عن منهجٍ فكري وأخلاقي وسلوكي في العبادات والمعاملات، وتعني الاعتدال في جميع الجوانب، فالإسلام يدعو إلى الوسطية، والتوسط لا يعني أن الإسلام يكون حياديا، فهناك فارق بين أن تكون صاحب فكر وسطي، وبين أن تكون حياديا، لأن الحياد في الصراع بين الحق والباطل مرفوض، حسب بعض المفسرين.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولعل أجمل ما في القرآن الكريم وفي علومه وتفسيره، أننا استطعنا معرفة ما كانت عليه أحوال الأمم عند نزوله، وكذلك أحوال الأمم التي سبقته، وتأريخ الله سبحانه وتعالى في كتابه المنزل ليس عبثا ولا ترفا، وإنما المقصود به استخدام الحجج والبراهين التي طبعت التاريخ الإنساني منذ نزول آدم عليه السلام إلى الأرض مرورا بالديانة اليهودية والمسيحية، وحتى غيرها مما ابتدعه الإنسان بنفسه وجعله ناموسا لحياته، وبذلك يضرب الله مثلا لمقارنة ذلك مقارنة عقلانية تصمد أمام تحولات كل الأزمان والأمكنة، وهذا هو سر إعجاز القرآن الكريم.

وما لم يتعرض له كتاب “آداب المعاملات والإتيكيت”، هو القواعد التي نظرت للتعامل الإنساني وقواعد ما أصبح يعبر عنه بالإتيكيت، ومن جملة هذه القواعد المنسية في الكتاب:

+ القاعدة الأولى: الوسطية في التعامل الإنساني. قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً))، ولمعرفة المعنى الحقيقي للآية الكريمة، فأقرب تفسير لقوله تعالى، ما اطلعنا عليه عند الشيخ السعدي في تفسيره: إذ المقصود بها ((العدل والخيار، وما عدا الوسط، فالأطراف داخلة تحت الخطر، لماذا؟ لأن الله جعل هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود ولا تهاون النصارى..

ومن باب آداب وتعامل الوسطية، أنه في باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بِيَعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى، الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج..

بل طهارة المسلمين أكمل وأتم طهارة، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها ووهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة سواهم “كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس”، بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول فهو مقبول، وما شهدت له بالرد فهو مردود،

فإن قيل كيف يقبل حكمهم على غيرهم والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين لوجود التهمة، فأما إذا انتفت التهمة وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود الحكم بالعدل والحق وشرط ذلك: العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها)) انتهى التفسير.

والقاعدة الثانية: انفتاح الأمة على حضارات الغير والأخذ بأحسنها والابتعاد عن أسوئها، بحيث إذا رجعنا إلى الحضارة العربية، التي لم تكن فيها قواعد الإتيكيت بمفهومها المعاصر قد ترسخت، اللهم بعد نزول الوحي واكتشاف العرب لحضارة الروم والفرس وفتحهم للشام والأندلس وغيرها من بلاد المسلمين.

ولكن يجب أن نعلم بأن أهم قواعد التعامل والعيش والمطعم والمسكن والقول والفعل، نزلت في القرآن قبل أن تصبح قواعد في الغرب، فلا يوجد مصدر تاريخي لهذه القواعد أو كتاب لها منذ أربعة عشر قرنا سوى القرآن، أما القول بأنها قواعد غربية حضارية، فهي وليدة أنظمة مالية وصناعية وسياسية واقتصادية لم يعرفها الغرب إلا بعد عصور النهضة، فأين كانت قبل ذلك عندما لم يكن الغرب يعرف بناء المراحيض وكان يكتفي بإدخال أواني إلى بيوت النوم لقضاء الحاجة؟ وقبل نقل بناء الحمامات والنافورات المائية إلى قصور الأندلس من المشرق في عهد العصور الذهبية للمسلمين هناك ؟  

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى