ملف الأسبوع | هل ينهل عبد الإله بن كيران من تجربة علال الفاسي في إعادة بناء حزب العدالة والتنمية ؟
انتهى مؤتمر حزب العدالة والتنمية بإعادة انتخاب عبد الإله بن كيران أمينا عاما للحزب لولاية جديدة، بعد نكبة انتخابات شتنبر 2021، ويعول الحزب على أمينه العام القديم الجديد، من أجل إعادة أمجاده السابقة، عندما تصدر انتخابات 2012، واكتسح الانتخابات التشريعية لسنة 2017، ولا تهمنا قدرة الحزب على العودة إلى المشهد السياسي من جديد بقدر ما يشد انتباهنا مسار الرجل وتشبث أعضاء الحزب به حتى أصبح يسمى “زعيم الحزب بلا منازع”.. وهناك في تاريخ الأحزاب المغربية نموذجا متفردا، كان يسمى الزعيم، وهو علال الفاسي، السياسي العظيم وزعيم حزب الاستقلال الأكبر.. نستحضر تجربة علال الفاسي من أجل المقارنة بين تأثيره على حزب الاستقلال، خاصة خلال المرحلة التي أعقبت انشقاق حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عنه سنة 1959، وكيف نجح في جعل الحزب قوة سياسية في البلاد إلى الآن، مقابل مدى قدرة عبد الإله بن كيران على تصحيح مسار حزب العدالة والتنمية وجعله يعود إلى سابق عهده.
أعد الملف: سعد الحمري
علال الفاسي جعل حزب الاستقلال من القوى الكبرى في البلاد
عمليا، لا تجوز المقارنة بين الرجلين بالنظر لمسار الزعيم علال الفاسي، الذي تم اختباره في أحلك الظروف، وعند الاختبار يعز المرء أو يهان، ونقصد هنا مرحلة الحماية الفرنسية على المغرب.. فقد ظهر مراهقا يبلغ من العمر 17 سنة فقط، وقف في وجه الاستعمار الفرنسي وطالب بالإصلاحات، ثم باستقلال الوطن.. ورغم ما عاناه من حملة اعتقالات ونفي، حيث قضى معظم مراحل الحماية منفيا خارج المغرب، في الغابون وفي مصر، ومع ذلك ظل متشبثا باستقلال الوطن، مع ضرورة عودة السلطان الشرعي إلى شعبه وعرشه.
لكن ما يشد الانتباه هنا، هو مسار حزب الاستقلال خلال مرحلة بداية الاستقلال، ذلك أنه يشبه كثيرا مسار حزب العدالة والتنمية من سنة 2011 إلى الآن.. فالأول كان القوة السياسية الأولى في البلاد خلال الفترة الممتدة من سنة 1955 إلى 1959، في حين أن حزب العدالة والتنمية كان يسمى “القوة السياسية الأولى في البلاد” خلال مرحلة 2011 إلى 2021، وما حصل من مخاض داخل الحزبين متشابه في كثير من جوانبه إن لم نقل متشابه تماما.. فخلال الفترة الذهبية لحزب الاستقلال، كان هناك صراع خفي بين زعمائه أدى في نهاية المطاف إلى انشقاق الحزب سنة 1959، بينما كان هناك صراع داخل حزب العدالة والتنمية بين الأمين العام الحالي بن كيران وبعض العناصر المؤثرة داخل الحزب، غير أنها لم تؤد في نهاية المطاف إلى انشقاق الحزب.
ما يهم هو مسار حزب الاستقلال بعد انشقاق الحزب سنة 1959، وكيف تمكن علال الفاسي من الحفاظ على الحزب والنهوض به وجعله قوة سياسية كبرى ما زالت قائمة إلى اليوم، وبهذا الخصوص، لاحظ الباحث الأمريكي جون واتربوري، أن ((علال الفاسي كان أكبر مستفيد من الانشقاق، حيث أصبحت على عاتق الرجل مهمة إعادة الوحدة داخل الحزب.. فقام بذلك بحزم وحدق)).
وقد تراجعت قيادة الحزب التي استمرت ضمن صفوفه بعد الانشقاق إلى الوراء كما هو الحال بالنسبة لبلافريج، ما جعل علال الفاسي يمسك بقيادة الحزب لوحده، ثم قاد المؤتمر الأول للحزب بعد الانشقاق خلال يناير 1960 بفاس، قدم خلاله وثيقة سياسية هامة، يقول جون واتربوري في هذا الصدد: ((يشكل التحليل الذي قدمه علال الفاسي حول الانشقاق وثيقة سياسية هامة، إذ يبرز عنوان انتصاره الشخصي وسط نكسات حزبه، إذ لم يعد بعد المؤتمر مجرد زعيم، بل أصبح رئيس الحزب)).
وبعد أن أصبح الرجل زعيم الحزب، كان حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يعيب عليه قيادته العتيقة وإيديولوجيته “غير الفعالة”، غير أن علال الفاسي رد على هذه التهم بإعادة تحسين صورة الحزب، حيث تم في مؤتمري الحزب لسنتي 1962 و1963، تم انتخاب شبان ذوي تكوين عصري في اللجنة التنفيذية للحزب، وهم محمد الدويري وامحمد بوستة وعبد الكريم الفلوس وعبد الحفيظ القادري ومحمد بريك وعبد الحق التازي، ثم أصبحت “الاشتراكية الإسلامية” تمثل قاعدة برنامج الحزب، مع رفع شعارات الإصلاح الزراعي وتأميم القطاعات الصناعية الأساسية وإصلاح الإدارة وإجبارية التعليم، وفيما يخص التنظير لـ”الاشتراكية الإسلامية” وتزويدها بتحليل اقتصادي قابل للتصديق.. فقد تكلف بها عبد الحميد عواد، لأنه كان شابا عارفا بمجال الاقتصاد، تابع دراسته بالقاهرة، وذلك رغم أن الحزب كان يضم بورجوازيين كثر واستمروا في تمويله بقوة.
وإلى جانب كل هذا العمل، قام علال الفاسي بعدة مبادرات، حيث اتفق مع حزب المهدي بنبركة، رغم الخلاف الشديد بينهما خلال انتخابات 1963 على عدم الدفع بمرشحيهم البارزين للتنافس في دائرة انتخابية واحدة، وقد كان امتحان انتخابات 1963 محطة بارزة لعلال الفاسي، حيث حقق الحزب مرتبة متقدمة أبرزت أن الحزب ما زال قويا وفي الطريق الصحيح، وإلى جانب ذلك، قام الرجل بمبادرة سياسية سنة 1971 وهي الكتلة الوطنية، من أجل إخراج البلاد من حالة الجمود السياسي.

ويوم موت الرجل سنة 1974، كتب قيدوم الصحافيين المغاربة، الراحل مصطفى العلوي، ناعيا إياه الكلمات التالية: ((إن موت الرئيس علال الفاسي يجب أن يوضع في المكانة اللائقة به بين الخسارات والكوارث التي تهز العالم بين الفينة والأخرى.. حينما يهد الموت أعمدة القيم الفكرية التي تنير لهذا العالم الفوضوي طريقه الكئيب المظلم، فعلى الذين يبكون على الرئيس علال الفاسي كضياع المغرب، عليهم أن يبكوا أيضا على المبادئ السامية للوطنية والدين والأخلاق في كل بقاع الدنيا.. إنه كلما فقد هذا العالم الأحمق رجلا نموذجيا، ومعلما وعالما مثل المرحوم علال الفاسي، كلما زاد هذا العالم في ضياعه وتيهانه، لأن رجالا مثل الأستاذ علال الفاسي لا يعوضون، ومن عظمة هذا الفقيد، أنه مشى شابا يافعا على رأس فيالق الوطنية مستهينا بالرصاص وبالضغط وبالإرهاب والمنفى والسجن والتعذيب.. واستمر في طريقه عبر نصف قرن من الزمن دون أن يتوقف، ودون أن يضل الطريق، فاقترن اسمه بالوطنية واقترن بالاستقلال)).
وأضاف مصطفى العلوي: ((لقد كان المرحوم علال الفاسي يتطور مع الزمن ويسير بسرعة العصر محتفظا بالقيم والمبادئ السامية كمصل واق من الضعف أمام بريق هذا العصر، وذلك سر عظمة هذا الرجل.. هل هناك عظمة أكبر من أن يطير زعيم ديني مسلم من دولة إسلامية إلى بوخاريست عاصمة رومانيا، الدولة الاشتراكية الشيوعية، ليدعو إلى أفكاره، ويوطد علاقاته مع هذه الدولة اعترافا منه بأن التعايش بين جميع القوات على اختلاف اتجاهاتها، هو الحل بالنسبة لهذا العصر؟ وهذا العمق في الفهم والنبوغ في الوعي، هو الذي جعله يخرج من قوقعة التزمت الحزبي إلى الانفتاح على كل الاتجاهات السياسية في البلاد، وممارسة السياسة من جانبها الإيجابي والواقعي، ومزاولة الرفض دون الوصول إلى تحطيم القناطر وحرق المراكب، وسيعرف حزب الاستقلال، بعدما تجف دموع الألم، مدى عظمة السيول التي كان المرحوم علال الفاسي سدا منيعا منتصبا لصدها.. سيعرف حزب الاستقلال عدة أشياء ما كانت لتكون لو لم تنطفئ ابتسامة الرجل العظيم إلى الأبد)).
هل يتعلم بن كيران من إرث علال الفاسي ؟
بعد فشل حزب العدالة والتنمية الذريع في محطة شتنبر 2021، حيث نزل من القمة إلى القاع بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. تنصلت معظم قيادات الحزب وقدمت استقالتها ورفضت تحمل مسؤولية قيادة الحزب في أسوء أزمة ضربته. وعلى غرار ما فعله علال الفاسي في حزب الاستقلال، ظهر زعيم الحزب مجددا عبد الإله بن كيران، الذي حمل على عاتقه مهمة تصحيح مسار الحزب، وترشح لمنصب الأمانة العامة من جديد سنة 2021، حيث نافسه عبد العزيز العماري وعبد الله بوانو، وكما كان متوقعا، حصل بن كيران على 1012 صوتا من مجموع 1252 صوتا، في حين حصل عبد العزيز العماري على 221 صوتا، وعبد الله بوانو على 15 صوتا، وتم إلغاء 4 أصوات، وبذلك عاد الرجل إلى المشهد السياسي بعد خمسة أعوام من إعفائه من رئاسة الحكومة لمرة ثانية، بعد أزمة سياسية استمرت عدة أشهر.
لقد بدأ الرجل العمل على إعادة الحزب إلى مكانته، وبعد قرابة عام من عودته إلى منصب الأمانة العامة، كان بن كيران على موعد مع أول امتحان حقيقي، ويتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية الجزئية التي جرت في دائرتي مكناس والحسيمة، في 21 يوليوز 2022، وقد نظر إلى هذه الفرصة على أنها تحرك القيادة الجديدة لاستعادة مكانة الحزب بعد النكسة الانتخابية التي لم يكن يتوقع أكثر المتشائمين حصولها في الثامن من شتنبر 2021.
وقاد بن كيران حملة في الأسابيع الأخيرة للانتخابات الجزئية، حيث عكف على توجيه انتقادات كبيرة للحكومة، داعيا أنصاره إلى التصويت بكثافة لصالح منتخبي حزبه، لإثبات أن حزب الأحرار فقد شعبيته بعد 9 أشهر فقط من التدبير الحكومي، غير أن هذه الانتخابات كرست هزيمة الحزب الإسلامي مجددا وزكت النتائج التي حققها في الانتخابات التشريعية.
وبتحقيق هذا النصر الانتخابي، يكون التجمع الوطني للأحرار قد أفلح في اختبار مدى شعبيته والإفلات من عقاب انتخابي، في حين تمكن حزب الأصالة والمعاصرة (المشارك في الأغلبية الحكومية) من استعادة مقعده بدائرة الحسيمة بعد إلغاء المحكمة الدستورية لنتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021، وتكرر الأمر ذاته مع حزب الاستقلال (عضو الائتلاف الحكومي)، بعد نجاحه في استعادة مقعدين بالحسيمة ومديونة، في إشارة أخرى إلى استمرار التفوق الانتخابي لأحزاب الأغلبية الثلاثة وسيطرتها على المشهد الحزبي منذ تشريعيات 2021.
وبعد إعلان نتائج الانتخابات بخسارة العدالة والتنمية، أطر بن كيران حفلا على شرف المشاركين في الانتخابات الجزئية بمدينة مكناس، وأطلق النار على رجال السلطة (موظفي وزارة الداخلية)، واتهمهم بالتغاضي عما رآها “خروقات شابت العملية الانتخابية”، مؤكدا أنهم في الحزب لن يسكتوا، ولم ولن يقبلوا ما حدث.
ولم يتأخر رد وزارة الداخلية، حيث أصدرت في 25 يوليوز 2022، بيانا نفت فيه ((الادعاءات المغرضة وغير المقبولة التي روجت لها قيادة أحد الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات الجزئية الأخيرة، في محاولة للضرب في مصداقية هذه العملية الانتخابية، من خلال الترويج بكون التصويت كان بتوجيه من بعض رجال السلطة))، فحاول بعد ذلك زعيم الإسلاميين العودة إلى الواجهة، وذلك من خلال محاولة الركوب على ملف المحروقات الذي يعني رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بالدرجة الأولى، إلا أن بن كيران أدلى بتصريحات مثيرة في افتتاح أشغال اجتماع الأمانة العامة لحزب “المصباح”، يوم 26 نونبر 2022، حيث لم يُخفِ عن أعضاء حزبه أن ((أمر الاستمرار في المهام والمسؤوليات التي شاءت أقدار الله أن نتحملها، كان دوما يؤرقني، لا سيما بعد حضور مؤتمرات هيئات أخرى وسماعهم يتحدثون عنا))، يقول بن كيران، مؤكدا أن شعورا ينتابه في بعض الأحيان بأن ((الدوافع إلى الاستمرار والصمود تضعف وتقِل، وتحدثنا أنفسنا أن نتخلّى)).
كما أقر الأمين العام لـ”البيجيدي”، بصعوبة الوضع حيث قال: ((كيف سنتمكن من الصمود والاستمرار، خصوصا وأننا نعي يوما بعد يوم أن الأمور أصعب مما كنا نتصور أو نتخيل؟ علينا أن ننتبه إخواني إلى أن المتدخلين كثُر وصعاب ويملكون ما لا نملك وما لا نطيق)).. فهل معنى هذا أن الرجل أقر بأن إمكانية عودة الحزب لمكانته السابقة أصبحت معقدة ؟
بعد هذا التصريح بثلاث سنوات، استمر الرجل لعهدة جديدة على رأس الحزب، وسط شبه إجماع بين مناضليه على أنه رجل المرحلة، حيث قال مصطفى الخلفي، الوزير السابق وعضو الأمانة العامة للحزب، في معرض مداخلته مخاطبا الأعضاء الحاضرين: ((إن الواقع يحتاج قيادة جديدة، ولكن ليس أمينا عاما جديدا)) وأضاف: ((ما قطعناش الواد ونشفو رجلينا، نحن نواجه تحديات كبيرة، والمرحلة تقتضي أن نشتغل تحت قيادة بن كيران الذي كان يشتغل في إطار تأهيل وتكوين قيادة جديدة وليس شخصا))، وزاد وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة الأسبق: ((هناك اعتبار داخلي، ونتفهم ما يذهب إليه الإخوان، لكن يجب الصبر وتدبير ذلك مؤسساتيا)).
فهل ينجح بن كيران في بناء الحزب من جديد لجعله قادرا على مواجهة مختلف الظروف كما فعل علال الفاسي، أم أن لعنة صراع الرجل مع الدولة العميقة ستؤخر الحزب وتدفعه خطوات إلى الوراء؟ وهل تكون انتخابات 2026 محكا حقيقيا لقدرة الرجل، أم علينا أن ننتظر عمله على المدى المتوسط والبعيد ؟




