الحقيقة الضائعة | السلطان و”الثعابين”.. نموذج مولاي حفيظ والمقري
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 121"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

مرة أخرى نرى طرق الضغط والانكسار تكبل حركات السلطان مولاي عبد الحفيظ، وما تكاد شعلة أمل تندلع.. حتى تتهافت عليها أيدي المؤامرات والمناورات لتطفئ نورها.
وهذا التكامل والتفاهم والتنسيق القائم بين الفرنسيين والإسبانيين، ولجوؤهما إلى استعمال المال لشراء الضمائر، بينما المولى عبد الحفيظ لا يجد مالا لشراء التجهيزات ولا لدفع أجور الموظفين.. هذا التواطؤ الاستعماري الذي استطاع تكسير إرادة الجهاد في الجنوب وفي الشمال، في الصحراء وفي الجبال، والذي لا يقابله على الواجهة الداخلية إلا ضعف وعجز واحتياج، ما أقدره على تحطيم معنوية رجل وجد نفسه بين عشية وضحاها أمام مسؤوليات جسام لا طاقة له بها.
وانهالت على مولاي عبد الحفيظ – وهو في عز الأزمة – سيول من طلبات الاستقبال، كل وزراء وسفراء الأجناس يتهافتون طالبين مقابلته لتقديم فواتيرهم وكشوف ديونهم، وكان في محيطه من حسن حظه وسوء حظ المعني بالأمر، رجل يتسم بالوداعة والدبلوماسية، خبير في فن التأويل والتسريف يسمى السيد عيسى، فأصبح المولى عبد الحفيظ يرد على كل طلبات المقابلات بقوله: “شوفو السي عيسى”، بينما كان يضرب الأخماس في الأسداس باحثا عن الحل في خضم الأزمات.. لقد ذهب به التفكير إلى إشعال فتيل الحرب بين إسبانيا وألمانيا، حينما عرض على الألمان شراء استغلال مناجم الريف التي كان الإسبانيون – كما ورد في حلقة سابقة – يدفعون مقابلها آلافا من أبنائهم.
وربما فكر في طلب الدعم من إخوانه ملوك الشرق، فبعث الزعيم البوعزاوي إلى الحج، لكن الزعيم البوعزاوي قبل أن يبحر من طنجة، كان مروره عبر الريف ووصوله إلى طنجة مناسبة لإقامة مظاهرات وطنية صاخبة حول زعيم المجاهدين، محمد البوعزاوي. إن الشعب لا يقيم وزنا للمشاكل الاقتصادية، ولا للمناورات الاستعمارية، وإنما يريد الجهاد، ويزيد هذا الاستيعاب للأمر الواقع من المرارة التي تنهش عواطف السلطان، وهذا التعالي الذي يمارسه الدبلوماسيون الألمان، الذين كلما دفعوا مساعدة مالية للسلطان إلا وأخذوا مقابلا لها مزيدا من الاستئساد ومن التحدي للفرنسيين، ووجد السلطان نفسه في حلقة مفرغة محكمة الإغلاق، رهيبة الانغلاق.
وحينما انتعشت بحكم ظروف خارجة عن إرادة المولى عبد الحفيظ، حركة التصدير، وواكبتها انتصارات عفوية في الميدان العسكري بالقبض على بوحمارة، والتغلب على ثورة أخيه مولاي الكبير، ونجاح بعض القبائل في الضغط على الفرنسيين وسلب أموالهم، خامرت المولى عبد الحفيظ بوادر الانتصار، فعاد به الحنين إلى الجهاد وطرد الأجانب المستعمرين.
واستطاع في هذه الفترة إعادة تأطير جيشه بضباط أتراك، يقينا منه بأن التضامن الإسلامي هو خير وسيلة لمواجهة الغزو المسيحي.
وعندما استقبل السفير الإيطالي لمطالبته ببيع الأسلحة للمغرب، أجابه السفير الإيطالي بأن عليه أولا أن يدفع لإيطاليا ديونها عليه، وهو فوق ما يقبله العقل.
لكن المولى عبد الحفيظ كان يستلهم الشجاعة من شيء واحد.. إنه نص البيعة له، وقد كان يخامره في كل وقت وحين.. هذه البيعة التي حررت في ضريح المولى إدريس بالنص التالي: ((.. ولا غرو أن أمير المؤمنين الذي انتظمت بيعته في أعناق المسلمين، أجلّ من صدقت فيه ظنونهم ونياتهم، وتوجهت إليه آمالهم وأمنياتهم، ومدت إليه الرعية أزمتها وقدمت إليه الوفود أعنتها، راجين من شریف همته وكريم عنايته، أن يلبسهم رداء نعمته وينزلهم كرامته ويعمهم بسيرته المعدلة ويشملهم بالحلم والفضل والرحمة المكملة، ويسعى جهده في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الجزيرة، حيث لم توافق الأمة عليها ولا سلمتها، ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها، ولا علم لها بتسليم شيء منها.
وأن يعمل وسعه في استرجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية، وأن يباشر إخراج الجيش المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما، ويزين صحيفته الطاهرة بحسن استخلاصهما، وأن يستخير الله في تطهير رعيته من دنس الحمايات والتنزيه من أتباع إشارة الأجانب في أمور الأمة لمحاشاة همته الشريفة عن كل ما يخل بالحرمة.
وإذا دعت الضرورة إلى اتحاد وتعاضد.. فليكن مع إخواننا المسلمين من آل عثمان وأمثالهم من بقية الممالك الإسلامية المستقلة.
وإذا عرض ما يوجب مفاوضة الأجانب من أمور سلمية أو تجارية، فلا يبرم منها أمر إلا بعد الصدح به للأمة كما كان يفعله سيدنا المقدس الحافظ للذمة – ويقصدون الحسن الأول – حتى يقع الرضى منها بما لا يقدح في دينها ولا عوائدها، ولا في استقلال سلطانها، وأن يوجه أيده الله وجهته الشريفة لاتخاذ وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد والعباد، لأنها أهم ما تصرفت فيه الذخائر والجبايات، وأن يقر بفضله العيون والنفوس برفع ضر المكوس..)).
عندما بلغ التفاؤل هذا الحد في مخططات المولى عبد الحفيظ، بلغ اليأس حدا أقصى عند الفرنسيين، الذين كانت التحولات الأخيرة مفاجأة لهم، فعادوا لتحريك سوط المؤامرات من جديد، وبقدرة قادر، اشتعلت في كل جوانب المغرب حركات تمردية، وفتن وسيبات.. ما كانت بحسبان السلطان المحتار، فكانت غريزته الداخلية تدفعه إلى الاجتماع كثيرا بالضباط الأتراك، فيثور المستشارون الفرنسيون، ويغضب المستشارون الألمان، ويذهب الفرنسيون في مناوراتهم إلى أبعد الحدود.. وهم الذين عجزوا عن ترويض المولى عبد الحفيظ، فتوجهوا بكل طاقاتهم إلى ترويض وزيره المقري، الذي أمضى في باريس عهودا تدين المغرب وتخضعه للإرادة الفرنسية.
المقري.. تعبان أم ثعبان ؟
لقد كلف السلطان وزيره المقري بالتوجه إلى فرنسا، لإمضاء اتفاق ينص على التفاهم مع فرنسا في كل ما تريد، شريطة الإجلاء التام للقوات الفرنسية عن المغرب، ولكن المقري يمضي اتفاقا ينص على التفاهم التام مع فرنسا دون التنصيص على الجلاء الفرنسي عن المغرب.
ويعود المقري للمغرب مؤكدا أنه ((على حسن نية أمضى المعاهدة، إلا أنه عند إمضائها كان تعبانا لم يطلع على كل جزئياتها))، ولكنه في الحقيقة كان ثعبانا وثعلبا.. وعميلا للاستعمار.
كان ذلك في أوائل سنة 1910.. وكانت أعصاب الفرنسيين قد تعبت.
وكان على الفرنسيين أن يتجهوا لاستعمال الأساليب الأكثر عنفا في ضغطهم على المولى عبد الحفيظ.. هذا السلطان الذي ذهب إلى أبعد مدى في مطالبته بانسحاب قوات الاحتلال الفرنسية، فطلب وساطة ألمانيا لدى فرنسا لسحب قواتها من المغرب.
يقول المؤلف محمد خير فارس في كتاب: “المسألة المغربية”: ((بين عبد الحفيظ أنه كتب إلى فرنسا لما يعرف عن حكومتها المجيدة من حب للخير واحترام للعدل والإنصاف، وطلب من المفوضية أن تنقل كتابه إلى حكومتها كي تأمر قواتها بالجلاء، وأعلن عبد الحفيظ أن حكومته وحدها هي المكلفة بحراسة حدود المغرب، وكل أولئك الذين يقيمون ضمنها من مواطنين وأوروبيين، وأنه يرغب في تهدئة البلاد ولا يضمر أي نية في الدخول في خصومة مع الدول، وأبدى عبد الحفيظ رغبته في إجراء محادثات مع المفوضية، وفي نفس الوقت وجه عبد الحفيظ كتابا إلى المفوضية الألمانية دعا فيه الحكومة الألمانية إلى التدخل لدى فرنسا لسحب قواتها من المغرب.
واتصل عبد الحفيظ بالجنرال داماد، بواسطة مراسل جريدة “لوماتان” الفرنسية، وأعرب له عن رغبته في تسوية مسألة الشاوية، وأبلغه أنه قد أمر قواته بعدم مهاجمة الفرنسيين، وأنه إثباتا لحسن نيته سجن قائدين بسبب رغبتهما في مهاجمة الفرنسيين، وقد أثار أنصار التفاهم مع عبد الحفيظ في البرلمان الفرنسي هذه الاتصالات وطالبوا الحكومة بالاستجابة إلى دعوة عبد الحفيظ بالتفاهم، ولكن الوزير بيشو اتهم عبد الحفيظ بأنه لا يزال يحرض القبائل في الشاوية وعلى الحدود الجزائرية – المغربية ضد الفرنسيين، واستشهد بيشو بتقارير دوسانت أولير، وجونار، حاكم الجزائر العام)).



