تحليل إخباري | هل هي لعبة قطرية لمحاكاة تجربة الربيع العربي بالمغرب ؟
بين تطورات قضية الصحراء وتحرك قائد الجيش الملكي نحو الخليج
إعداد: سعيد الريحاني
قناة “الجزيرة” القطرية معروفة، وخطها التحريري معروف.. ولا يمكن لأصحاب هذا الخط أن يعترفوا بمغربية الصحراء بين عشية وضحاها إلا إذا لاح لهم في الأفق ما يؤكد أن القضية باتت “محسومة” لصالح المغرب، بل إن القناة التي تفضل تكرار مصطلحات “الغرب” وجدت نفسها مضطرة لنقل تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسعد فارس بولس، من مواقع أخرى، أكد فيها أن “الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء لا لبس فيه”، وجاء في قصاصاتها ما يلي: ((قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، إن موقف واشنطن من قضية الصحراء “صريح جدا ولا يتخلله أي شك أو أي لبس”، وقد جدد بولس اعتراف الولايات المتحدة “التام والكامل بسيادة المغرب على الصحراء”.. وأضاف – في مقابلة إعلامية – أن هذا الموقف عبر عنه بشكل واضح وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو الأسبوع الماضي، “وهو نفسه الموقف الذي عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب لملك المغرب محمد السادس، والقاضي باعتراف الولايات المتحدة التام والكامل بسيادة المغرب على الصحراء”.. وتابع المسؤول الأمريكي، أن الموقف الرسمي للولايات المتحدة هو اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء، مشددا في الوقت نفسه على أن واشنطن تدعم بشكل كامل مقترح الحكم الذاتي المغربي في الإقليم “باعتباره الحل العادل والدائم” للنزاع.. وكان وزير الخارجية الأمريكي قد أكد الأسبوع الماضي، خلال لقائه في واشنطن بنظيره المغربي ناصر بوريطة، أن الولايات المتحدة تعترف بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء)) (المصدر: قناة الجزيرة).
قناة “الجزيرة” القطرية، التي اضطرت لنقل التصريحات الأمريكية المعترفة بمغربية الصحراء، هي نفسها رأس الحربة في “التحريض” على التظاهر في المغرب ضد ما سمته “رسو سفينة متجهة إلى إسرائيل بميناء الدار البيضاء”، ورغم أن الأصل في الصحافة هو القيام بمهمتها بعيدا عن أسلوب “الدعاية الكاذبة”.. إلا أن قناة “الجزيرة” القطرية تحدت كل البلاغات الرسمية، لتتحدث عن وجود سفينة إسرائيلية بمياه الدار البيضاء، وذكرتها بالاسم، وفي غياب الصور، تم اللجوء إلى “الذكاء الاصطناعي” لرسم مسارات وخرائط افتراضية لملاحة مزعومة لسفينة إسرائيلية، وقد كان ذلك سببا في التظاهر ضد المصالح الحيوية للبلاد.. فمن أخطر التحركات هو “العمل على عرقلة الملاحة في الموانئ”، ذلك أن مجرد عرقلة بسيطة قد تسبب في خسائر بالملايير.. هذا دون الحديث عن مصلحة قطر في محاولة زعزعة الاستقرار بالموانئ المغربية، حيث أن لها مصلحة في ذلك من خلال محاولة وضع قدمها في خطوط الملاحة الكبرى في العالم.. ماذا لو أن أولئك المتظاهرين الذين كانوا يتظاهرون من أجل فلسطين، كانوا يتظاهرون في حقيقة الأمر من أجل مصالح اقتصادية قطرية، ويتظاهرون من أجل تخريب اقتصاد موانئ بلادهم لصالح موانئ أخرى ؟
التاريخ سيجيب في كل الأحوال.

ولأن المناسبة شرط، لابد من التذكير بأن الشركة المعنية بالحملة القطرية، التي تمت بواسطة قناة “الجزيرة”، نفت حمل قطع عسكرية للطائرات العسكرية الإسرائيلية التي تهاجم غزة، وجاء في القصاصات الإخبارية ما يلي: ((في خضم الجدل المتصاعد بشأن السفينة الدنماركية.. نفت شركة Maersk الاتهامات المتداولة بشأن نقل شحنات عسكرية إلى إسرائيل، مؤكدة أن تلك المعلومات غير دقيقة ومبنية على افتراضات لا أساس لها من الصحة.. وجاء هذا التوضيح ردا على تقارير إعلامية، من بينها تقرير لمنصة Declassified UK، اتهمت فيه سفينتي Maersk Detroit وNexoe Maersk بنقل قطع غيار لطائرات
F-35 إلى إسرائيل لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية، وأكدت الشركة في بيانها أن تلك المزاعم عارية من الصحة، مشيرة إلى أن الشحنات المعنية موجهة إلى دول مشاركة أخرى في برنامج الطائرة F-35 ضمن إطار التعاون الأمني الدولي، وليس إلى إسرائيل تحديدا)) (المصدر: عدة مواقع).
وبغض النظر عما يحدث اليوم، فإن تاريخ قطر في تجييش المواطنين ضد أنظمة بلدانهم، والعبث في السلم الاجتماعي لبعض البلدان، بات معروفا، بل إن بعض الدول اتهمت قطر بالتورط في تنظيم انقلابات فاشلة(..)، كما كان لها دور كبير في جلب الخراب إلى عدة بلدان عربية تحت مسمى “الربيع العربي”، وهو تلك الوصفة الكاذبة للديمقراطية التي أدت إلى تخريب عدد كبير من الدول باللعب على المصالح الملونة، مقابل الخراب الحتمي على أرض الواقع، والذي تتواصل فصوله إلى حدود اليوم(..).
يعرف القائمون على قناة “الجزيرة” القطرية، أكثر من غيرهم، أن الربيع العربي، الذي كانت قناة “الجزيرة” من أهم العناصر المحرضة عليه، أن الربيع أكذوبة، وأن “الخراب” هو الهدف الأخير.. لذلك لا غرابة أن تختبئ “الجزيرة” وراء أبحاث ودراسات لإعادة تشكيل الحقيقة على مزاجها، من خلال دراسات وبرامج معدة لهذا الغرض، مثل طرح السؤال: هل “الجزيرة” محايدة أم متورطة، أم هل أدى الربيع العربي الغرض منه؟ ومن المسؤول عن النتيجة.. الشعوب أم الطغاة ؟
تقول إحدى دراسات “الجزيرة”، والهدف هو شرعنة أسلوب “الدعاية والتجييش”.. و”الفاهم يفهم” و”الحر بالغمزة”، تقول “الجزيرة”: ((في نهاية عام 2010، بدأت الشعوب العربية في التحرك والانتقال من مرحلة المطالبة بالإصلاحات السياسية إلى مرحلة الدعوة إلى إزاحة الحكام والأنظمة السياسية بسرعة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، مثلما حدث في تونس ومصر ثم ليبيا وسوريا واليمن.. فما إن تنتهي ثورة من تحقيق مطالبها في بلد ما حتى تندلع ثورة جديدة في بلد آخر، ولم تكن الثورات في هذه الدول التي تزامنت في بعض أحداثها ونتائجها، وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات ومطالب سياسية واقتصادية واجتماعية لسنوات عديدة. وهنا، رافقت قناة “الجزيرة” الإخبارية المواطن العربي في رحلته إلى مرحلة الثورة، وقد خصصت القناة خلال الثورة المصرية في سنة 2011، تغطية مباشرة واستثنائية لمصر جعلتها توقف خريطتها البرامجية، وتقدم تغطية مستمرة أكثر من القنوات الإخبارية العربية الأخرى، ولذلك، بادرت السلطات المصرية، منذ الأيام الأولى للثورة، إلى إغلاق مكتب “الجزيرة” في القاهرة، واعتقال عدد من المراسلين العاملين فيه..
تبلورت أطروحة هذه الدراسة، انطلاقا من الملاحظة النقدية للدور الذي لعبته قناة “الجزيرة” منذ إنشائها في سياق الأحداث المهمة التي شهدها الشرق الأوسط، وقد سمح هذا الفحص الدقيق بتحديد السؤال الإشكالي للدراسة، حيث يعتقد الكثيرون أن “الجزيرة” لعبت دورا مهما في زيادة وعي المواطن العربي بالأحداث السياسية، وإلى حدّ ما أثرت في الثورات العربية، وتأخذ الدراسة في الاعتبار طبيعة دور “الجزيرة” في ظل الآراء المختلفة، إذ ثمة من يعتقد أن القناة لعبت دورا رئيسيا في أحداث الشرق الأوسط، وهناك من يرى أن دورها اقتصر على التأثير في الوعي السياسي للعرب، بينما يرى آخرون أن “الجزيرة” لم تُحدث أي فرق..)) (المصدر: مركز الجزيرة للدراسات).

هكذا تلبس “الجزيرة” ثوب “الحكمة المعرفية”، بينما الحقيقة هي قيامها وتورطها في أعمال مشينة، ومسيئة لبلدان أخرى، بهدف تقويض سيادتها وخدمة أجندات خفية، قد لا تتلاءم مع توجهات النظام والدولة والشعوب نفسها، ولاشك أن الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، امتلكت من الأدلة ما يكفي لمقاطعة دولة قطر بكاملها، بسبب تورطها في محاولات المس بأنظمة بعينها.. ولاشك أن المتابع سيصدم لازدواجية المواقف عندما يتعلق الأمر بدولة قطر، فإصرارها على الإساءة إلى المغرب بين الفينة والأخرى، وفسح المجال لخصوم المغرب للاستعراض(..)، تقابله العناية الملكية والحرص الشعبي على عدم الإساءة لهذه الدولة، فالمغرب لم يقاطع قطر في يوم من الأيام، وفي عز الأزمة، فضلت المملكة العريقة عدم تشديد الخناق على هذا البلد، بل إن الملك محمد السادس كان الزعيم الوحيد الذي حرص على الانتقال من الإمارات إلى قطر مباشرة رغم أن العلاقات مع قطر كانت مقطوعة وقتها، كما يحظى حاكم قطر والأمراء القطريون بعناية ملكية خاصة، وقد لعب المغاربة دورا كبيرا في إنجاح مونديال قطر (2022)، ولولا المغاربة لما نجح هذا المونديال.. ولكن قناة “الجزيرة” تكاد تفسد حكاية الأخوة، بين الفينة والأخرى(..).
مقابل “شجاعة الذئب” في التجييش على موضوع غير موجود، احتشمت قناة “الجزيرة” في تغطيتها للخبر الكبير الذي غطى على كل الأحداث بين المغرب وقطر هذه الأيام، وهو زيارة المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، محمد بريظ، إلى دولة قطر، حيث التقى هناك بالتزامن مع “الحملة القطرية ضد المغرب” مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع، بتوجيهات من الملك محمد السادس القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة(..).
هل يأتي تحرك الجيش المغربي نحو قطر لمناقشة التطورات الأخيرة؟ هل تتجه المملكة نحو حسم ملف “خصوم المغرب” بجميع أنواعهم بشكل نهائي، في أفق الذكرى 50 لتنظيم المسيرة الخضراء، بعد ظهور مؤشرات تجعل من مقترح الحكم الذاتي أساسا لكل المفاوضات، ما يعني ترجيح كفة السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، والتي تمارسها بالفعل منذ قرون(..)؟ كلها أسئلة تفرض نفسها بالتزامن مع تحرك أمريكا هي الأخرى نحو طي نهائي لملف الصحراء، بدعم مباشر للمقترحات المغربية(..).
وبينما سكتت “الجزيرة” وغيرها من وسائل الإعلام عن هذه الزيارة التي لا تتلاءم مع “الخط التحريري” المرسوم، قالت الصحافة: ((تعد هذه الزيارة خطوة متقدمة نحو توطيد التعاون العسكري بين البلدين، سواء من خلال تنظيم تدريبات مشتركة، أو تعزيز التنسيق في مجال التكنولوجيا الدفاعية، أو دعم التعاون في الملفات الأمنية الإقليمية، ومن شأن هذه الدينامية أن تكرس مكانة المغرب كشريك موثوق في المنطقة..
وتكتسي الزيارة أهمية بالغة في ظل تصاعد التحديات الأمنية الإقليمية والدولية، حيث يسعى البلدان إلى مواجهة التهديدات المشتركة، وعلى رأسها الإرهاب والتطرف، عبر توحيد الرؤى وتعزيز القدرات الدفاعية، كما تعكس زيارة الفريق أول محمد بريظ، التزاما صريحا بتقوية الروابط الاستراتيجية التي تربط المغرب بقطر في مجالات متعددة تتعدى المجال العسكري لتشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية)) (المصدر: وكالات).



