الحقيقة الضائعة | نهاية “الفرس الأزرق”.. الحرث نهارا والحرب ليلا
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 120"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إن المعركة الصامتة الجارية بالسلاح الأبيض والخناجر والمناجل العاملة في أعناق الإسبان، استمرت من 18 يوليوز إلى 22 يوليوز 1909، حيث انتهت بهروب جماعي للجنود الإسبان حفاة وعراة ومتنكرين، يدخلون شوارع مليلية تحت العيون المبهورة للإسبان، الذين كانوا يرون في تراجعهم واندحارهم عودة للفتح الإسلامي وعودة للمسلمين لاحتلال الأندلس.
يقول المؤلف مارتان، مؤلف كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب” معقبا على هذا الاندحار، بأن ((سكان مليلية لم يكتفوا فقط بمشاهدة عودة الجنود المدحورين، وإنما يوم 27 يوليوز هاجم الثوار جبل كوروكو المشرف على مليلية، وخاضوا معركة مع الجنود الإسبانيين، قتل فيها أربعمائة إسباني من بينهم جنرال)).
وأصبح الإسبان يصدقون أسطورة “الفرس الأزرق” للشريف محمد أمزيان، وهب الفرنسيون ومستشاروهم لإنقاذ الموقف، ولكن أي موقف يمكن إنقاذه أمام هذا السيل الجارف بقيادة بطل يسمى محمد أمزيان يخوض المعارك الأسطورية الحقيقية على ظهر جواد أزرق !؟
وعندما سقط الرأي الإسباني في أحضان أسطورة الحصان الأزرق أصبح الحصان عبارة عن قنابل ومدافع.
وفي يوم 29 يوليوز، انقلبت الآية، وأصبحت مدافع الريفيين في الحسيمة تقنبل البوارج العسكرية الإسبانية في شواطئ الحسيمة، وغرقت تحت قصف المدافع باخرتان عسكریتان إسبانيتان يختزل المؤلف مارتان هذه الفترة من تاريخ الريف بقوله: ((بقيت الهجمات متوالية على التحركات الإسبانية حوالي مليلية ومارتشيكا وكاب دولو، ورغم طلبات الجنرال مارينا، للنجدات من إسبانيا ووصولها، بقي الضرب عنيفا، ووصلت قوات عديدة لسبتة، وصلت لسبتة لكثرة عتادها وجنودها)).
أما المؤلف الريفي محمد عمر القاضي، فيصف نفس المرحلة، لاسيما المعارك، بأسمائها، فيقول: ((لقد دار ما يزيد عن مائة معركة، منها معركة الديوانة قرب مليلية، ثم معركة بني شيكار، ثم معركة مرسى أرمام، بقبيلة كبدانة، لما نزل العدو من البحر، ثم معركة تنجمات، ثم معركة أزرو، ثم معركة الحمام، ثم معركة واد كرت، ثم معركة تيكرمين)).
إنه بين الوصف الاستعماري للمؤلف مارتان والمؤلف الوطني محمد عمر القاضي، لابد من أن نجد الحل الوسط أو القول الفصل في الاحتجاج الذي رفعته الحكومة الإسبانية لدى السلطان مولاي حفيظ، بواسطة سفيره ابن المواز، الذي تم استدعاؤه في مدريد وتقديم احتجاج الحكومة الإسبانية على “هجمات الثوار الريفيين على مليلية”.
ولسنا نعرف الطريقة التي قدم بها الوزير الإسباني احتجاجه لدى السفير المغربي، هل كان يحمل وراء ظهره خنجرا أم مسدسا، وإنما المهم أن البوارج الحربية الإسبانية كانت تلفظ في نفس الوقت 48 ألف جندي إسباني على شواطئ المغرب الشمالية.
وفي يوم 23 غشت 1909، أقام الجنرال مارينا في مليلية، استعراضا عسكريا لخمسين ألف عسكري إسباني، وفي خضم الاحتفال، أطلق عليهم اسم “جيش الريف”، ومن خلال هذا الاسم تظهر بوادر مهمته.. ففي اليوم الموالي قسم الجنرال مارينا جيوشه إلى ثلاث اتجاهات: فريق اتجه إلى سلوان عاصمة بوحمارة لمساندته، وفريق نحو معادن الحديد في بويفرح، وفريق استقر في مارتشيكا لحماية الشواطئ.
وقد اعترضت قوات الجهاد الريفية الفريق الثاني عند وصوله إلى كوروكو، بينما حوصر الفريق الأول في سوق الأربعاء، وفي خضم الاشتباكات والحيرة، انطلق الفريق الثالث للنجدة فاعترضه في منطقة النادر فوج من الريفيين.
وضرب الريفيون حصارا على الجيوش الإسبانية التي وصلت للمغرب ولم تقض به أكثر من ثلاثة أيام وجدت نفسها في اليوم الرابع ممنوعة من الاتصال بمقر قيادتها في مليلية، وجن جنون الحكام في مدريد عندما جاءتهم من الجنرال مارينا طلبات نجدات إضافية.
ويقول مارتن في كتابه “أربعة قرون من تاريخ المغرب”: ((إن سفير المولى عبد الحفيظ في مدريد، ابن المواز، أصبح يقسم المهام بين احتجاجات يطالبه المولى عبد الحفيظ بتنفيذها ضد الغزو الإسباني، واحتجاجات يقدمها له الإسبانيون ضد مجازر الريفيين في الإسبان بضواحي مليلية)).
وزاد من حمية المجاهدين الريفيين وتشجيعهم، ما تسرب لهم من طنجة من أخبار في المحيط الدبلوماسي، تؤكد لهم أن المولى عبد الحفيظ يخوض معركة دبلوماسية، وأصبح الدبلوماسيون في طنجة يستعملون سياسة النعامة بروح استعمارية صرفية، خصوصا عندما أعلنوا رسميا، في أعقاب تبادل الاتهامات والاحتجاجات بين المغرب وإسبانيا، أن إسبانيا على حق، فإذا كانت فرنسا تحتل المغرب لحماية وجودها في الجزائر، فإن إسبانيا بحربها في الريف إنما تحمي وجودها في مليلية.
وبمقتضى هذا الحكم الاستعماري، قررت إسبانيا إرسال عشرات الآلاف من الجنود استجابة لطلب الجنرال مارينا، وكان وصول هذه النجدات ضروريا وأساسيا بالنسبة للتواجد الإسباني في المغرب، وذلك لسبب بسيط هو أن الجنرال مارينا أوقف الحرب.
فقد مات أو جرح أو هرب كل جنوده، ولم يستأنف إطلاق النار إلا بعد وصول القوات الهائلة الجديدة إلى موانئ سبتة ومليلية.
فكان الريفيون، أسياد الموقف العسكري، محاصرين لمدينة مليلية من 29 غشت 1909 إلى 20 شتنبر 1909 حينما وصلت النجدات الإضافية، التي خاضت معارك فاصلة مع الثوار الريفيين لرفع الحصار عن مليلية.
الحرث نهارا والحرب ليلا
كان طبيعيا أن نتساءل إذا كانت إسبانيا قد بعثت حوالي مائة ألف عسكري لنجدة الجنرال مارينا، فمن ذا الذي يهب لنجدة الثوار الريفيين بقيادة الزعيم محمد أمزيان، بطل “الفرس الأزرق” ؟
إن انعدام عناصر الجواب هو الذي جعل الجيوش الإسبانية تسترد يوم 23 شتنبر مناطق قبائل بني شيكر، ويوم 26 شتنبر خاضت قوات الجنرال مارينا معارك طاحنة لاسترجاع موقع كوروكو الاستراتيجي، لفتح الطريق نحو سلوان عاصمة بوحمارة، التي لم يصلوها إلا يوم 29 شتنبر، حيث استطاع الجنرال مارينا إبراق الخبر “السار” إلى الحكومة الإسبانية.
ولكن الأخبار السارة لم تدم.. ففي يوم 30 شتنبر، أعاد الثوار الريفيون الكرة وهاجوا جوانب سلوان، حيث قتل الإسبانيون بالمئات، واضطر الجنرال مارينا إلى أن ينعي رسميا موت أحد الجنرالات الإسبان في المعركة، وفي نفس الوقت إصدار الأوامر إلى جيوشه بالاحتماء في مراكزها، والامتناع عن مواجهة الثوار الريفيين الذين احتلوا مناجم الحديد وقطعوا المواصلات.
يقول المؤلف مارتان معقبا على الحماس الريفي بعد انتصارات 30 شتنبر: ((لقد انشغل الريفيون بالحرث بعد سقوط الأمطار الغزيرة، فكانت فرصة استغلها الجيش الإسباني لاستعادة سيطرته، لكن خاب أمله، فإن الريفيين يشتغلون بالحرث نهارا والحرب ليلا، وكانت جبال الريف ليلا تتحول إلى ميادين للمعارك يتم الاتصال بين الريفيين خلالها وتبادل المعلومات فيما بينهم بواسطة الضرب على الطبول، على “الطام طام”، مما يبعث الرعب في قلوب الإسبان)).
ولم يكن المجاهدون الريفيون يعرفون ما يجري بين فاس ومدريد، لم يكونوا أيضا يعرفون أن الإسبان أذعنوا تحت ضرباتهم، وأنهم قبلوا واتفقوا مع المولى عبد الحفيظ على مبدأ إرسال بعثة مختلطة مغربية – إسبانية، لرسم حدود آمنة لمليلية، إلا أن القدر نفسه لم يكن موافقا على هذا الحل الوسط.
فعندما خرجت الباخرة الإسبانية “ألفارو دوبازان” من الشاطئ الإسباني، وفي اتجاه طنجة وعلى متنها البعثة المغربية – الإسبانية، اعترضتها عاصفة هوجاء حطمت ساريتها وقصمت هيكلها وأغرقت البعثة بدون رحمة ولا شفقة.
لقد استولى البحر على جثث مبعوثي السلام في وقت كان فيه الريفيون قد استولوا على مدافع وأسلحة جيش الريف الإسباني، ونصبوا المدافع نحو مليلية ونحو الحسيمة، وابتدأ القصف يوم 6 يناير 1909 رافقه هجوم على موقع تاكاديرت عند مدخل مليلية.
استشهاد بطل “الفرس الأزرق”
وفي تاكديرت، قتل المئات من جنود إسبانيا الذين سقى دمهم كل شبر من تراب الريف، ودفعوا ثمنا غاليا لهذه الحرب الاستعمارية التي كانوا يعتبرون أرواحهم فيها ثمنا للدفاع عن أرض يعتبرونها جزء من تراب إسبانيا، وهي أرض مليلية، فلقد كان لهم على الأقل مبرر يؤمنون به ويقدمون أرواحهم ثمنا له عن اقتناع.
وإن كل البوادر لتظهر بكل جلاء أن الحرب التي خاضها الريفيون ضد الجيش الإسباني، ما كان بإمكان الفرنسيين أن يصبروا عليها.
وإذا كان إمضاء عقد الحماية قد وضع نسبيا حدا للحرب بين المغاربة والفرنسيين، فإن بحر الدم الإسباني لم يتوقف عن السيلان، خصوصا بعد إمضاء عقد الحماية، حيث استقر الريفيون في حربهم ضد الوجود الإسباني وتصعيدها لدرجة أدركت مستوى معركة “أنوال”، التي قتل فيها الآلاف من الإسبان.
لقد فطن الإسبان أنفسهم، بعد أن أصبح الريفيون يقصفونهم بالمدافع، إلى الطريقة التي استعملها الفرنسيون في الجنوب، وفهموا أنهم لن يكسبوا الحرب ضد المجاهدين الريفيين بالسلاح، وإنما بالحيلة، بالمناورة، والمؤامرة، بالأسلوب الاستعماري.. فقد تحول الجنرال مارينا إلى سياسي على طريقة الجنرال ليوطي، وبدل أن يستقدم الجنود والإمدادات العسكرية من إسبانيا ليلقي بها في أتون نار ملتهمة لا تشبع من جثث الإسبان، طلب من إسبانيا أن تبعث له المال عوض الرجال.
وفعلا، جاءت صناديق الأموال التي عرفت طريقها إلى بعض أبناء قبائل قلعية وبني بويفرح وبني شيكر، فمنهم من وضع السلاح مقابل المال، ومنهم من دخل في الجيش الإسباني مقابل المال، وكانت نكسة كبرى لنا وانتصارا أكبر للجنرال مارينا، الذي أخذ يستولي على المناطق الريفية بالغدر والخيانة، بعد أن عجز عن الاستيلاء عليها بالحرب.
كانت نكسة جارحة للبطل المغوار محمد أمزيان، الذي لم يضع سلاحه ولم ينزل من على ظهر فرسه الأزرق إلا ذات يوم من سنة 1912، حينما أصابته رصاصة طائشة وسط معركة ضارية وهو على رأس فريق من رجاله الأوفياء.
يقول الريفيون أنه عندما سقط الزعيم أمزيان من على صهوة جواده ميتا لا حراك فيه، أخذ حصانه الأزرق يهمهم ويصهل ويجره بأسنانه، وعندما جاء الإسبانيون للاستيلاء على جثته ونقلها لعرضها في مليلية على أنظار الإسبان، الذين كان هذا الرجل يخيفهم، هرب الحصان الأزرق وتوجه إلى بيت الزعيم أمزيان والدموع تنهمر من عينيه.
ويقول مؤلف كتاب “مذكرات عن حرب الريف”: ((إن هذا الجواد الأزرق بقي حزينا ممتنعا عن الأكل والشراب حتى مات)).
أما الإسبان، فقد انتصروا مرحليا في معركة قوامها المال، ولكن الريفيين توجهوا لتضميد جروحهم وتنظيم صفوفهم منتظرين صقل زعامة جديدة تخلف زعامة البطل محمد أمزيان، وكانت تلك الزعامة من نصيب البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي.



