حديث العاصمة | من أجل العاصمة الروحية لإفريقيا


منذ حوالي 40 سنة والرباط عاصمة المملكة تخضع لتجارب مكثفة في ميادين الأنظمة: البلدية، والتقسيم الجماعي، والمجموعة الحضرية، والتنظيم المقاطعاتي تحت إشراف جماعة واحدة وتأطير لمجلس العمالة، وكلما اجتازت مرحلة من هذه المراحل إلا وتنعكس على نمط ديموغرافيتها.
ففي سنة 1983، كان سكان الرباط القانونيين المقيمين في أعلى قمته على الإطلاق بحوالي 750 ألف نسمة، وبعد عقد من الزمن، أي في سنة 1994، انخفض هذا المؤشر إلى حوالي 615 ألف نسمة، ليستمر في الانخفاض إلى 580 ألف نسمة سنة 2014، ليسجل في الإحصاء الأخير لسنة 2024 فقط 500 ألف نسمة.
في 4 عقود تقلص عدد ساكنة العاصمة تقريبا بـ 25 %، وهو رقم ملفت “سطع” مباشرة بعد اندثار الأحياء العشوائية والدواوير القصديرية بإعادة تهيئة فضاءاتها إلى مجموعات سكنية تلائم البيئة المتواجدة فيها، ولم يكن ذلك بدون عوائق وقد خلفت في بعض الأحياء نشوب عصيان ضد هذا التغيير الجذري في نمط حياة توارثتها أجيال واستغلتها هيئات سياسية لأغراض انتخابية، واستثمرتها لوبيات العقار لمقايضتها بقطع أرضية مجهزة في تجزئات جديدة، وقد تكبد الضحايا هذه الأفعال الشنيعة، ودون شك تتبعتم إخراجها ورواسب تبعاتها في الآونة الأخيرة.
وإذا كانت العاصمة قد انطلقت في تنفيذ الإرادة الملكية بكل عزم وفي بعض الأحيان بشجاعة الشجعان لإقبار مظاهر العشوائية من شمالها بشكل نهائي، فإن العملية الجراحية المبرمجة لتصويب وجهها نحو الساحل، وهو الأمر الطبيعي، بدت ممكنة رغم تكلفتها الباهظة من جميع النواحي، وتبشر بنجاحها في هدفها الرئيسي وليس كما يعتقد لاستقبال مباريات “الكان” أو المونديال، أي لمرحلة معينة، ولكن لترسيخ إفريقية الرباط من ساحلها الأطلسي، الممر الرئيسي من القارة الإفريقية إلى القارة الأوروبية وقبالتها ساحلا مدينتي طريفة الإسبانية ولشبونة البرتغالية، ولهما فيهما تصاميم عمرانية تجاوزتنا بعقود ونحاول اليوم استدراك ما فات بمحو كل أثر لتخلفنا، بثورة لا تستهدف إخفاء “ندوب” محيا أول عاصمة إفريقية في الممر الرابط بين القارتين، ولكن إثبات الوجه الجديد والجسم السليم لقارة بأكملها، وبعد شهور فقط ستتحمل أعباء ضمان صحة كل الأفارقة بعلاج كل الأمراض، بفضل إنشاء أكبر مجمع استشفائي بأحدث التجهيزات الطبية، مؤطرة من أمهر الأطباء موزعين على أقسام التخصصات العامة في أطول ناطحة سحاب في إفريقيا بـ 33 طابقا.



