المنبر الحر | لننقذ أطفالنا ومراهقينا من آفة الشاشات الذكية


زارني مؤخرا صديق مع طفله ذي الثلاث سنوات، وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث، كان الطفل ملتصقا بهاتف أبيه وكأنه غائب عن هذا العالم، وكان التلفون الذكي يصدر صوتا مزعجا للألعاب يحول دون حديثنا الهادئ. أخذ الرجل التلفون من يد ابنه وألغى الصوت، لكن الطفل شغّل فورا مكبر الصوت وتابع انغماسه في عالم ألعابه، سحب صديقي – هذه المرة – هاتفه من يد الصغير ووضعه في جيبه محاولا إنهاء الصوت المزعج للتلفون، لكن الطفل لم يتحمل ذلك، حيث أطلق صراخا مزعجا واندفع إلى الأرض يتلوّى ويتدحرج مطالبا بهاتفه ومتابعة ألعابه، وتحول لقاء الصديقين إلى عراك مع طفل حول الهاتف المحمول.
معضلة ارتباط وإدمان الأطفال والمراهقين والشباب على الوسائل التقنية للتواصل أصبحت ظاهرة عالمية خطيرة، والمغرب ليس في منأى عن هذا الانحراف الاجتماعي والنفسي الذي – إذا لم نعالجه – سيكون قنبلة موقوتة لأطفالنا اليوم، ولشبابنا ورجالنا ونسائنا غدا..
لقد أثبتت عدة دراسات علمية التأثير السلبي للهواتف واللوحات الذكية على عقول أطفالنا، بداية من الوقت المطول الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة الصغيرة، هذا الاستعمال المفرط يؤدي إلى تبليد (من البلادة) عقول صغارنا، وإضعاف مهارتي التفكير والمبادرة لديهم، ومع جيل “البورطابل” بدأت تطفو على اليافعين عدة أمراض واضطرابات نفسية وذهنية مرتبطة ارتباطا وثيقا باستعمال الشاشات الذكية، وأهم هذه الأمراض هي القلق والاكتئاب والانطواء والاضطراب في السلوك والتعامل مع الآخر، والتأثير السلبي على التطور الاجتماعي، الذهني والجنسي للمراهقين والشباب، كما تراجعت نسب النجاح الدراسي والمهني لدى شباب ومراهقي التواصل الاجتماعي بسبب الإدمان على الشاشات الذكية وانجرار المستعملين إلى عوالم أخرى غير الدراسة والتكوين، وبما أن ما نعيشه في طفولتنا يكون له تأثير كبير على مهاراتنا واختياراتنا المستقبلية وتفكيرنا، فإن مستعملي الشاشات الذكية يكونون ضحية لمشاكل ومعاناة اجتماعية في كبرهم، وبالتالي، تنعكس هذه الاضطرابات على نجاحهم في حياتهم التكوينية والمهنية وحتى في علاقاتهم وتواصلهم الشخصي والحميمي، ومع انطلاق أولى مواقع التواصل الاجتماعي بداية من العشرية الأولى للقرن 21، لوحظ في الولايات المتحدة – على سبيل المثال – تراجع الإقبال على الدراسات العليا والمعمقة التي تحتاج صبرا وتركيزا أكبر، وسجل تراجع في جودة المعارف والمهارات لدى الطلبة، وبالتالي، صعوبة في العثور على مناصب شغل، وهو الأمر الذي أدى إلى مكوث أطول للشباب في بيوت آبائهم نظرا لصعوبة الاستقلالية واتخاذ القرار في التكوين والتأهيل والعمل.
وليست التأثيرات السلبية على المهارات الذهنية للأطفال والشباب هي الآفة الوحيدة للشاشات الذكية، إذ يكون التواصل عبر هذه الوسائط غير المراقبة سببا كبيرا في الانحراف والتعرف على أشخاص ومواقع خطرة يستغلون أطفالنا ومراهقينا في أفعال خبيثة، مثل الاستغلال الجنسي وتعاطي المخدرات أو الاتجار فيها وفي ممنوعات غيرها، والسقوط في شبكات الإرهاب والاتجار في البشر، ورفقة السوء، مما يؤدي إلى التخلي عن المسارات الدراسية والعلاقات العائلية والصداقات النبيلة، فضلا عن استغلال المعلومات الشخصية لأبنائنا وعاداتهم وميولاتهم وطرق تفكيرهم من طرف شركات مواقع التواصل الاجتماعي، وهي معلومات لا تقدر بثمن يتم بيعها لأطراف أخرى تبني عليها دراساتها لمعرفة خصوصيات الشعوب والناس.
لكل هذه الأسباب، فقد حان الوقت ليتخذ المغرب إجراءات فعالة لحماية أطفالنا ومراهقينا وشبابنا من مخاطر الشاشات الذكية، فلِمَ لا نحدو حدو بعض البلدان التي كانت سباقة إلى القيام بخطوات فعالة لحماية طفولتها.. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُمنع على التلاميذ الفرنسيين إلى حدود 16 سنة من عمرهم، استعمال الهاتف الذكي داخل المدرسة للحفاظ على تركيزهم خلال الدروس وتفادي التشويش، كما قامت أستراليا بمنع فتح حسابات في وسائل التواصل الاجتماعي لليافعين دون 16 سنة، وفي نفس الاتجاه، قامت الدول الاسكندنافية بالعودة إلى التدريس بالطرق الكلاسيكية بواسطة السبورة الخشبية والكتاب الورقي والدفتر الورقي، بعد دراسات أثبتت أن التعلم على الوسائط الورقية يقوي الذاكرة وتظل المادة المتعلمة في الذهن مدة أطول بخلاف التعلم على الشاشات الإلكترونية، حيث ينسى الطفل أو المراهق ما حفظه في مدة وجيزة، وهذا هو دور الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين التي ترسم وتدبر كل ما له علاقة بمناهج التعليم والديداكتيك، كما يجب تشجيع العودة إلى التواصل الواقعي والصداقة المباشرة واللعب الميداني الفردي والجماعي للأطفال، والنظر الواقعي إلى الأشخاص المخاطبين والمتعامل معهم، وتأمل حركاتهم وإيماءاتهم والإصغاء إلى أصواتهم ونبراتهم الحقيقية.
كما على الآباء أن يلعبوا دورا محوريا في حماية أبنائهم من خطر الشاشات الذكية والحيلولة دون الإدمان عليها، ولا بد لهم من منع منعا كليا الهاتف الذكي على أطفالهم دون سن السادسة، مع إمكانية منحه لهم ساعة واحدة في اليوم بعد ذلك السن، كما يجب توعية الآباء بأن ترك شاشة ذكية لدى الطفل بغية إلهائه وإسكاته من أجل التفرغ لعمل ما أو من أجل الراحة، هو خطأ فادح سيُسقط الطفل في الإدمان وعواقبه.. فهل من آذان صاغية ؟



