الحقيقة الضائعة | بين السلطان مولاي حفيظ والرئيس السادات
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 117"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

سقط جانب هام من الشعب المغربي في أحضان الحضارة والمدنية والملاهي والحياة الرخيصة، ومثل بوحمارة، دفعوا ثمن أخطائهم عاليا، وتعددت الأسباب والموت واحد.
وكما تتسرب الأيدي الخفية لإفساد صحة أي بطل من الأبطال في القفز أو الملاكمة أو كرة القدم، وتحطيم مقوماته بالخمر والسهر والانحلال.. حتى يتحطم على مرأى ومسمع من المعجبين به، تسربت الأيدي الاستعمارية إلى المغرب تمارس فيه ذلك الإفساد بواسطة الأسلوب القديم قدم المرأة.
وعندما جاءت بعثة من الثوار الفيلاليين إلى فاس تحمل أخبار المعارك التي يخوضها الشعب وأولاد عم السلطان في تافيلالت، وجدوا أن أيدي التخريب الاستعماري قد سبقتهم، واكتشفوا أن الجهاد أصبح في خبر كان.
وكيف لا ينتسب مبدأ الجهاد إلى إحدى أخوات كان وهؤلاء المغاربة توقفوا لمدة سبع سنوات عن دفع الزكاة وعن أداء الضرائب، ولم يبق للدولة أي مدخول لا للجيش ولا للشرطة ولا للموظفين إلا ما يجود به أعوان الدولة الأجنبية، الذين يستخلصون مداخيل الموانئ بجدية بمقتضى اتفاقية الجزيرة، ويدفعون ما تبقى لصندوق الدولة.
وفي خضم الانهيار المريب والحالة المزرية، تتقلص الأبعاد وتمسخ المواقف، وتصغر الكبائر.
وعندما بعث المولى عبد الحفيظ، يوم 7 دجنبر 1908، رسالة إلى عميد السلك الدبلوماسي بطنجة، يخبره بقبوله لشروط عقد الجزيرة، لم يتساءل الناس عن السبب، وإنما تساءل الفرنسيون فيما بينهم: هل صحيح ؟
هل صحيح أنه جاء الوقت لفتح المدرجات، وتقديم الوجبة الاستعمارية التي كانت محضرة منذ موت السلطان العظيم الحسن الأول ؟
مولاي حفيظ سنة 1908 والسادات سنة 1980
لم يكن العالم في نهاية سنة 1908 أو بداية السنة التي تلتها، يعرف النهضة الصحافية والإعلامية التي حصلت فيه بعد سبعين سنة، ولم يكن أيضا يتوقعها ويتنبأ بها.
وإلا فلو كان الأمر آنذاك على ما هو عليه اليوم، لوجدت الصحافة العالمية ووكالات الأنباء في موضوع الحالة السياسية بالمغرب عند إعلان المولى عبد الحفيظ سلطانا، مادة خام للتحليلات والتعليقات.
لقد استطاع الإبداع الصحفي في عصرنا الحاضر أن يخلق من عدم تعبيرات متطابقة والواقع، وتحليلات واحتمالات وتنبؤات ما كان أحوج عهد المولى عبد الحفيظ إليها.
وما دمنا بصدد المقارنة بين المغرب سنة 1908 والمغرب سنة 1980 ووضع هذا البلد في دوامة الأحداث العالمية خلال المرحلتين، فإن أوجه الشبه كثيرة ومتعددة بين السلطان المولى عبد الحفيظ سنة 1908 والرئيس أنور السادات سنة 1980.
سنة 1908، كان المولى عبد الحفيظ وجها لوجه أمام المناورات الفرنسية والاحتلال الفرنسي والأزمة الاقتصادية الخانقة، وسنة 1980 كان الرئيس السادات في نفس الوضع تجاه إسرائيل.
وكما خاض المولى عبد الحفيظ معارك الشرف والشهامة سبع سنوات قبل سنة 1908، وصفقت له الجماهير المعجبة وقال الجميع هذا هو السلطان الذي سيطرد الاستعمار، خاض الرئيس السادات سبع سنوات قبل سنة 1980 معركة الشرف في حرب أكتوبر وحقق معجزة العبور.
وعندما كتب في عهد المولى عبد الحفيظ الجنرال داماد، جلاد الشعب المغربي، إلى الحكومة الفرنسية، يقول إنها النهاية، نهاية الاحتلال الفرنسي، كتب موشي ديان، جلاد الشعب العربي في فلسطين، استقالته بينما كتب جنرالاته كتاب “المحدال” اعترافا بأنها “النهاية”.. نهاية الوجود الإسرائيلي، وهي شهادات لا تدع أي مجال للتشكك في مدى البعد الذي ذهب إليه كل من سلطان الجهاد مولاي عبد الحفيظ ورئيس مصر أنور السادات، وحينما أصبح اليوم شائعا أن الحرب ما هي إلا طريق للسلام، كانت هذه القاعدة أيضا ثابتة سنة 1908.
وكما كتب المولى عبد الحفيظ في سابع دجنبر 1908، إلى السلك الدبلوماسي بطنجة يعلن عن قبول مقررات مؤتمر الجزيرة، وأصبحت البواخر الفرنسية تتهادى على الشواطئ المغربية، والجيوش الفرنسية تنتقل في جنبات المغرب بكل حرية، أعلن الرئيس السادات قبوله لاتفاقيات مفاوضات الكيلومتر 101، وفي دجنبر 1973، عبرت الباخرة الإسرائيلية “بير السبع” مضيق باب المندب، واجتازت قناة السويس واتجهت نحو إسرائيل، يقول اللواء الشاذلي في كتابه “حرب أكتوبر”: ((مرت السفينة الإسرائيلية أمام قطعنا البحرية في 3 دجنبر وهي تتهادى بينما ينظر إليها رجالنا في غيض وحنق مكظومين)).
نفس الغيظ والحنق الذي كان يشعر به المغاربة في دجنبر 1908.
وفي يناير 1909، وصل الوزير الفرنسي رينيو، إلى المغرب ليجتمع بالمولى عبد الحفيظ رأسا لرأس، ليشرح له المخطط الجاهز للخروج من الأزمة، خطوة خطوة.
وفي يناير 1973، دخل الوزير الأمريكي هنري كيسنجر عند الرئيس السادات، واجتمع معه رأسا لرأس يشرح له المخطط الجاهز للخروج من الأزمة، خطوة خطوة.
وتم فك الارتباط بعد مقابلة المولى عبد الحفيظ والوزير رينيو في يناير 1909.
كما فك الارتباط في 18 يناير 1974 بعد مقابلة الرئيس السادات والوزير كيسنجر.
ولقد بقي العالم في المرحلة التي تتبعناها وعشناها، والتي أصبح فيها السادات بطل العبور مشدودا إلى مصادر الأخبار ينتظر المعجزة، والمفاجأة، بينما توجه السادات لمراجعة الموقف الداخلي ومخلفات الحرب وفراغ صناديق الدولة، وتخاذل الدعم العربي، وضعف الإمكانيات العسكرية، وتكالب القوى الأعظم الدولية ضد العرب وبجانب إسرائيل، والجوع الذي يهدد الشعب المصري، والوعود الأمريكية التي لم تنجز حتى اضطر الرئيس السادات ذات يوم لأن يصرح بأن “الأمريكيين يريدون مني أن أتنازل لحد أن أشلح لهم ثيابي”.
لقد وجد الرئيس السادات نفسه أمام الأمر الواقع.. الأمر الواقع الذي فرضته المناورات الإسرائيلية سنة 1947 عليه وعلى العرب جميعا، أمر واقع معتمدة فيه بالدرجة الأولى على فرقة العرب، وخلافاتهم، ومطاحناتهم، وأمراضهم بالأنانية وحب الذات، والاستئساد في المعارك الكلامية، دون أن يمنع الوعي بالحقيقة بعضهم عن السقوط في أحضان الشهوات وأوكار الفساد المبثوثة في شوارع بيروت ولندن وباريس ونيويورك، والكل جزء لا يتجزأ من المخطط الإسرائيلي والمناورات الصهيونية.
فماذا يستطيع السادات تحقيقه من معجزات يتسابق الكتاب والصحفيون في مطالبته بتحقيقها؟ ألم تكن هذه الدوامة إلا من صنع المناورات الإسرائيلية التي كانت تمهد بحكمة وتؤدة وإتقان لاتفاقية “كامب ديفيد” والاعتراف بإسرائيل من طرف مصر ؟
وماذا كان المولى عبد الحفيظ يستطيع تحقيقه من معجزات، تسابق بعض المؤلفين والسياسيين في مؤاخذته على عدم تحقيقها ؟
ألم يزج به هو أيضا في دوامة من صنع المناورات الفرنسية، كانت تمهد بحكمة وتؤدة وإتقان لاتفاقية الحماية والاعتراف بالاحتلال الفرنسي للمغرب ؟
لقد توسعت كثيرا في المقارنة بين الرجلين، ولكنها الظروف فرضت هذه المقارنة.. ظروف ما أشبه تقاربها، وما أقرب تشابهها، وسأترك السادات لمصيره لأرجع إلى موضوع المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية مستسمحا قرائي في التعبير عن هلعي الكبير على الوطن العربي من الخليج إلى المحيط أمام التخاذل العربي المستمر منذ سنة 1980، والتعالي والجبروت الكاسح للمناورات الاستعمارية والإسرائيلية على مدى سنوات طوال، مرورا بسنة 1980.



