المنبر الحر

المنبر الحر | آذار الهدّار

بقلم: نور الدين الرياحي

    لم يكذبوا عندما سموا شهر مارس آذار، وأصل التسمية بابلي “ru-da-a”، وكان شهرا مكرسا للإله آشور، أبو الآلهة، والكلمة مشتقة من جذر “هَدَر”، وذلك لما يقع فيه من عواصف وسيول وهدير، وبعض الناس اليوم يسمونه “آذار الهدّار” كناية على ما يقع من فيضانات وهبوب رياح على الطبيعة والقلوب معا.

وهو ما يفسر ما نعيشه هذه السنة والحمد لله، مع الكميات الهائلة من الأمطار التي تهطل على بلادنا موازاة مع رمضان الكريم، أمطار وثلوج الخير بعد سنوات عجاف جف فيها الضرع ونقص الزرع وكاد الإنسان أن يقنط من روحه سبحانه وتعالى، إلى أن شهدنا قطرات المطر تهطل بدون انقطاع ساعات متعددة، وفتحنا النوافذ على غير عادتنا للاستمتاع بمنظر افتقدناه منذ سنين، لنجد في صوت كل قطرة بارقة أمل وتوقع خضرة وزهر، وهكذا خلق الله الإنسان وجعل من الماء كل شيء حي سبحانه واسأل به فلاحا خبيرا.

تتمة المقال تحت الإعلان

بمجرد ما أرى المطر والبرد والمدفأة، أتذكر الأدب والشعر الروسي، بل كلما رأيت مارس متزامنا مع هذا الجو كلما خفت على نفسي وقلبي في آن واحد.. ففي مارس تنشأ العواطف وتهتز التربة وتربو، وتوحي بجمال الأزهار، ويبدأ نسيم الصيف يهب باردا باكرا على القلوب والنفوس التي كادت أن تتحجر منذ مدة طويلة.

تتمة المقال تحت الإعلان

الفلكيون يحتارون في التنبؤ للمزدادين في هذا الشهر، الذي يجمع بين برج الحوت والحمل، فهم يتوفرون غالبا على صفات تجمع بين الواقع وماديته والخيال وسحره، مع إمكانية أن يستحوذ الجانب العاطفي على حياتهم، وتكبلهم مشاعر الرحمة والتعاطف مع الآخرين، فهم يمتلكون شخصية رومانسية وعطوفة وحساسة، ويميلون إلى الفن والإبداع للتعبير عن أنفسهم، وإلى الاهتمام بالآخرين، ويحرصون على إسعادهم ويستطيعون التعامل مع أعماق النفس البشرية، مما يجعلهم أصدقاء أوفياء ومخلصين، وروحهم كأنها بلسم للجروح عندما يلتقون مع من يحبون أو يعجبون به أو يهتم بهم أحد فيما لا يهتم الآخرون، غير أنهم يتصفون بالازدواجية أو القدرة على رؤية الشيء ونقيضه في نفس الوقت، ويعتبرون من الشخصيات المؤثرة التي لديها قدرة كبيرة على الإقناع على المستوى العاطفي والعقلي، ومن عيوبهم الانخراط في مشاعر الآخرين والتعاطف معهم دون مراعاة لمشاعرهم الشخصية وحدودهم، مما يعرضهم في علاقاتهم لخيبات أمل، ويتصفون بالمزاجية والانتقال من حالة إلى أخرى في وقت قصير وقياسي، مما يؤثر على قصص حبهم ومغامراتهم العاطفية، كما أنهم اندفاعيون ويشكون بصفة مبالغة، ويميلون إلى العناد.. ولعل ذلك راجع لطبيعة شهر مارس المملوء بالمتناقضات، بالعواصف تارة، والمياه والخضرة وبداية تفتح الأزهار تارة أخرى، والتي تجعل قلوبهم مستعدة للانفتاح مع بعض الحذر والشك المتمكن من شعورهم رغم العواصف التي يمتاز بها شهرهم، الذي يجمع بين مائية الحوت ونارية الحمل.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبمجرد ما أرى المطر والبرد والمدفأة، أتذكر الأدب والشعر الروسي، بل كلما رأيت مارس متزامنا مع هذا الجو كلما خفت على نفسي و قلبي في آن واحد.. ففي مارس تنشأ العواطف وتهتز وتربو التربة وتوحي بجمال الأزهار ويبدأ نسيم الصيف يهب باكرا باردا على القلوب المرهفة كقلب البحتري، الذي استقبل الربيع بأبياته الخالدة:  

أتاك الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكًا                 مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما

وَقَد نَبَّهَ النَوروزُ في غَلَسِ الدُجى               أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُوَّما

يُفَتِّقُها بَردُ النَدى فَكَأَنَّهُ                            يَبُثُّ حَديثًا كانَ أَمسِ مُكَتَّما

والنوروز هو عيد الربيع عند الفرس، ويصادف عندهم بداية السنة الشمسية، فهو الفصل الذي يوقظ الورود النائمة من سباتها العميق في الشتاء ويدعوها إلى التفتق استعدادا لفصل الربيع، بأجمل وصف لأحاديث العشق هو عندما تتساقط حبات الندى على الورود تشاركها حديثها الذي كان بالأمس مطويا غابرا في جنح ظلام الخريف والشتاء، فتزهر الورود وتتفتح في آذار..

وَمِن شَجَرٍ رَدَّ الرَبيعُ لِباسُهُ عَلَيهِ                 كَما نَشَّرتَ وَشيًا مُنَمنَما

أَحَلَّ فَأَبدى لِلعُيونِ بَشاشَةً وَكانَ                 قَذًى لِلعَينِ إِذ كانَ مُحرَما

أما الشعراء الروسيون الذين يعرفون بحق مارس أكثر من غيرهم، بحكم الطبيعة الباردة والقاسية في بلادهم، فها هو شاعرهم الرقيق استروفسكي، يصف قطعة الجليد التي ازدادت في الشتاء وكتب لها أن تحب وتموت في آذار، بترجمة لصاحب كتاب “مشكلة الحب” زكرياء إبراهيم: “قالت قطعة الجليد وقد مسها أول شعاع من أشعة الربيع: أنا أحب فأنا أذوب ولا يمكن أن أوجد وأحب معا، فلابد من الاختيار بين أمرين اثنين: وجود بدون حب وهذا هو الشتاء القارس الفظيع، أو حب بدون وجود وهذا هو الموت في مطلع الربيع”.

وهي كلمة عزيزة على كاتب هذه السطور، إذ هي التي تسابق بها وهو طالب في كلية الحقوق، في مسابقة مجلة “الهلال” المصرية وفاز بالجائزة حول أجمل كلمة حب قيلت سنة 1977.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى