الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | التفاف المدن المغربية حول السلطان وآفة فرنسا في الدار البيضاء

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 116"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    مولاي حفيظ هذا هو الذي يجب أن يكون هدف كل المناورات، وحول شخصه يجب أن تتركز كل التخطيطات، وأيقن الضباط والخبراء الفرنسيون أن مولاي حفيظ هذا هو المشكل الحقيقي، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الفرنسيين ولا شك سيطردون من المغرب الذي يتواجدون به دون أي مبرر قانوني، وسيطردون من الصحراء، وربما سيطردون حتى من الجزائر، وهذه كلمة الجهاد تبث الرعب في القلوب.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهي مخاطرات لن تسمح فرنسا لنفسها بأن تصبح تحت رحمتها، فلقد قضت فرنسا وخبراؤها في المغرب سنين طوال، منذ أيام الحسن الأول، وهي تنشر بذور الغزو الاستعماري، وتصرف الأموال الطائلة، وتقدم آلاف جنودها قربانا على هذه الأرض التي أقسموا أن يحتلوها.

فالمسألة إذن مسألة حياة أو موت.. وحياة فرنسا أصبحت رهنا بانتصارها على ثلاث واجهات:

أولا: التدخل العسكري المباشر في المغرب؛

– ثانيا: إغراق مولاي حفيظ في دوامة الأزمة الاقتصادية؛

– ثالثا: وضع مولاي حفيظ في نفس الوضع الداخلي الذي أودى بمولاي عبد العزيز.

ولم ير أي واحد من الخبراء والضباط الفرنسيين بدا من تأييد هذه المبادرات الثلاث.

لكن هذه المبادرات لا تعدو كونها مخططات على الورق مدعومة ببعض المكتسبات، وأية مكتسبات؟ لقد ذهل الفرنسيون للسرعة التي تنازل بها عنهم حلفاؤهم ومؤيدوهم، وإعلان التأييد لمولاي حفيظ.

فبعد لجوء المولى عبد العزيز إلى دار بوعزة، غير بعيد من الدار البيضاء، وإعلانه الدخول في مرحلة تفكير، أعلنت الجديدة ولاءها لمولاي حفيظ يوم 27 غشت، واستطاع القايد الترعي، تحت وطأة الحماس الشعبي المؤيد لمولاي حفيظ، أن يطرد الفرنسيين وجيوشهم من أزمور.

وفي 28 غشت (دائما سنة 1908)، أعلنت الرباط وسلا والعرائش ولاءها لمولاي حفيظ.

وعرض سكان الصويرة على القايد أنفلوس تبليغ ولائهم لمولاي حفيظ، فرفض، فاغتالوه بكل بساطة يوم فاتح شتنبر، وفي 2 شتنبر، أعلنت وجدة ولاءها لمولاي حفيظ، وفي 6 شتنبر، أعلنت أسفي ولاءها لسلطان الجهاد، وفي 8 شتنبر اتخذت الصويرة نفس القرار.

وكانت الطامة الكبرى بالنسبة للفرنسيين، هي وضع عدة قبائل خاضعة لحكم بوحمارة لأسلحتها، وإعلان انضمامها لمولاي حفيظ، وبذلك حصل الشرخ الكبير في الحركة الانفصالية التي استعملها الفرنسيون لتحطيم المولى عبد العزيز.

وفي خضم هذه الانتصارات التي ما فتئ المولى عبد الحفيظ يسجلها ضد الوجود الفرنسي في المغرب، استطاع الفرنسيون تسجيل انتصار كبير في معركة سياسية خاضوها دون أن يكون لباريس علم بها، ولم يظهر ولم يتضح هل كان الأمر يتعلق بانقلاب مدبر ضد مولاي حفيظ، أو مؤامرة مدبرة لإعلان سلطان جديد بمراكش.

إن المؤرخ مارتان، مؤلف كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب”، يروي أن الجنرال داماد استطاع الاتصال بالوزير الأول المدني الكلاوي، أقرب المقربين للسلطان عبد الحفيظ، وأبرم معه اتفاقا على إخضاع مراكش لسلطة الكلاوي ضد كل المجاهدين والمتمردين، ويضيف المؤلف، أن هذا الاتفاق لا أثر له في الوثائق الفرنسية لا العسكرية ولا السياسية.

وبمقتضى هذا الاتفاق تحركت جيوش فرنسية ليلة يوم 28 شتنبر، بقيادة القبطان فيرلي هانوس، واحتلت مدينة مراكش ووضعت نفسها ووضعت المدينة رهن إشارة المدني الكلاوي.

فما هي خلفيات هذا الاتفاق؟ وما هي أبعاده؟ وما هي مراميه؟ لا أحد يدري لحد الآن.. إنه لابد من التذكير بأن المدني الكلاوي كان يحلم دائما بأن يكون خليفة للسلطان بمراكش، التي يعتبرها قلعة نفوذه، فإذا به يطرد منها من طرف الثوار ويضطر باشاها، وهو أخوه التهامي الكلاوي – المعروف من طرف جيل الاستقلال – للهرب إلى قصبة بتلوات، عندما سمع بوصول جيوش بطل الجهاد، الصحراوي مولاي السبع، إلى جنبات المدينة بحثا عن الفرنسيين.

فكم من مؤامرة من هذا القبيل تمت في جنبات المغرب وتحت جنح الظلام؟ وكم من جيوش فرنسية تسربت إلى مناطق أخرى مستغلة هيلولة الحماس الشعبي وتأييد مولاي حفيظ، وربما مؤسسة لعدة مناطق نفوذ على الطريقة التي تم بها الاتصال مع الوزير الأول المدني الكلاوي ؟

المهم هو أن التدخل العسكري المباشر كان يكتسي طابعا سريا أكثر، ولكنه كان مرتبطا ارتباطا جذريا بالتدخل السياسي والاقتصادي.

مولاي حفيظ في قفص المناورات السياسية

    عندما استتب الأمر لمولاي حفيظ وأصبح صاحب الأمر والنهي، وهو الذي حملته الجماهير على أعناقها كقائد للجهاد وسلطان للحرب، وزعيم للجلاء، اختلفت نظرته للواقع الملموس، وأصبح رجل مسؤولية سياسية واقتصادية وعسكرية، وهي ثلاث مهام يصعب التفريق بينها، مثلما هو من الصعب جدا تفضيل بعضها على البعض.

وربما اقتنع وهو داخل قصره، بأن الحل ربما كان دبلوماسيا أكثر إيجابية من الحل العسكري، وكيف يستطيع إقناع أتباعه المجاهدين في جميع أنحاء المغرب بوجهة نظره هاته في وطن كانت وسائل الاتصال فيه محدودة، أو كان بصيغة أخرى مليئا بالثغرات التي ينفذ منها الخبراء في الجاسوسية والتفرقة والمناورات؟

وعندما تفرغ المولى عبد الحفيظ – عن اقتناع صادق – لخوض المعركة الدبلوماسية لاستعادة السيادة المغربية، تفرغ المتخصصون لتشويه سمعته أمام الرأي العام، الذي كان يعلق عليه كبير الآمال، وكانت فرصة سانحة لهم.. “انظروا سلطان الجهاد ينكب على استقبال السفراء وإقامة الحفلات”.

– إنه يأخذ الضرائب لإقامة الحفلات؛
– إنه يريد أن يبيع المغرب للاستعمار الألماني؛

وهكذا.. والبركة في وسائل الدعاية الفرنسية.

وفعلا جاء القنصل الألماني بطنجة، فاسيل، إلى فاس، ووضع نفسه وخبرته ودولته رهن إشارة المولى عبد الحفيظ.

وتقربا من المولى عبد الحفيظ، حمل القنصل الألماني ملفا كان مولاي حفيظ مشغولا عنه، وهو ملف المناورات الدولية ضد المغرب.

وعلم السلطان الجديد أن فرنسا وإسبانيا تتآمران للحصول من الدول الممضية على عقد الجزيرة، على إمضاء وثيقة تؤكد صفتهما كشرطة محافظة على الأمن، وتطالب السلطان بإعلان بيان يستنكر فيه الثوار والمجاهدين بصفتهما مثيرين للفتنة والإخلال بالأمن العام، وتطالب الدولتان بأن يقرأ هذا البيان باسم السلطان في جميع مساجد المغرب.

ويؤكد القنصل الألماني أن كل الدول وافقت على هذا المخطط باستثناء ألمانيا، التي لا تقترح الاستنكار، وإنما ترى أن يطالب السلطان بإيقاف إطلاق النار، وهو اختيار صعب حقا، خصوصا عندما ينقل الرقاصون “حملة الرسائل”، أخبار المعارك التي يخوضها الجيش الفرنسي يوم 16 أكتوبر 1908 ضد الثوار لاحتلال مدينة الصويرة.

وكيف يدعو سلطان الجهاد إلى إيقاف الجهاد ؟

ويسارع المقربون له بالإجابة بسؤال آخر: كيف يمارس سلطان الجهاد مهمة الجهاد وليس له مال ولا سلاح ولا دعم دولي ؟

ولم يكن المقربون في حاجة إلى تقليب السكين في الجرح.. فقد كان مولاي حفيظ يعرف الوضع أكثر من أي أحد، فهو الذي لم يجد أي أحد من علية القوم يقبل منصب الوزير الأول، حيث عرض المنصب على ثلاثة رجال فرفضوا جميعا.. إن الأزمة خطيرة، والمسألة متشعبة، والجرذان تهرب قبل غرق السفينة.

وأصبح الناس يهربون من المسؤولية مثلما أصبح رجال القبائل يهربون من المشاكل، ومن عنف السلطة، ومن الضرائب، ويلقون بأنفسهم في أحضان مدينة الدار البيضاء حيث الاحتلال الفرنسي، والطرق والسيارات والحضارة والنظام الأوروبي، وحيث أصبحت فرنسا توفر الاطمئنان والاستقرار، وجعلوا منها النموذج البديل، وأصبح المغاربة يدخلون في الجيش الفرنسي بأزيائه الحديثة، وأسلحته العصرية، وأجوره المغرية.

واكتشف الفرنسيون ضعف الإدارة البشرية البدائية، المشدودة إلى الماضي بروابط الحروب والفتن والفوارق والدموع والآلام، أمام أول غزو حضاري محمل بجميع العناصر التي تناقض تماما ذلك الواقع المتعب والممل، وجعل الفرنسيون من الدار البيضاء القلعة التي يضربون بها عرش مولاي حفيظ.

إن الانحلال والترف والحياة الخاصة الرخيصة، والخمر والمظاهر الجديدة.. لكفيلة بأن تلعب دورا مصيريا في وسط جاهل فقير، متأخر متناحر، متعب الأعصاب، منعدم الإمكانيات، منتكس المعنويات.

وهو اختيار ضعف أمامه بوحمارة نفسه، وهو المتزعم الكبير لحركة الانفصال، والمدعوم بالخبرة الفرنسية والإسبانية، والذي تكسرت بين يدي حركته جيوش جرارة، وانهدت أمجاد.. بوحمارة هكذا دخلته مركبات البذخ والهناء والمتعة والسلو في عاصمته سلوان، فأصبح سهل المنال، ولكنه كالمغاربة كلهم أمام العنصر الجديد، لم يكن يفطن إلى خطورة الانهيار الذي تسببه الحضارة، وأسلم المهام كلها إلى “مول الوضوء”، وهو ضابط جزائري كان خادما له في الحمام، فأطلق له بين يديه شؤون حركة الانفصال كلها ليتفرغ لملاهيه، ولارتشاف كؤوس الحضارة والمدنية، التي كان سكان القبائل المجاورة للدار البيضاء يرتشفونها هم أيضا.

لقد سقط بوحمارة في قبضة مولاي حفيظ ولم يفطن إلى غلطته في نهاية غشت 1909 إلا عندما كان البنزين البارد يبعث في جسمه الانتعاش من حر الصيف في مدينة فاس، قبل أن يلقي عليه أحد المكلفين بإعدامه عود ثقاب حوّل برودة البنزين إلى جحيم، جعله يدفع في لحظات قصار ثمن خيانته وانفصاله وتخاذله.. إلى أن أصبح جسمه رمادا.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى