بين السطور | الصيد في الماء العكر


مند القِدم وعلاقة المغاربة مع البحر يلفها غموض كبير(…)، حتى أن جل الواجهات البحرية التي تستغلها البلدان لتصبح واجهات سياحية، تحولت في المغرب بقدرة قادر عبر التاريخ إلى مقابر تسبق المدن إلى الشاطئ، ويمكن الوقوف على هذا المنظر بجلاء في مدينة الرباط مثلا، حيث توجد المقابر الشاطئية(…)، وقد كان المغاربة يصرون على بناء المقابر قرب الشواطئ بسبب كثرة الغزوات التي تأتيهم من الخارج، فكانت تلك طريقتهم ليقولوا لأعدائهم من الغزاة أن الموت بانتظارهم(…).
أما فيما يخص السمك، ورغم أن المغرب يتوفر على واجهتين من أكبر الواجهات البحرية، البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، إلا أن طبق السمك لم يكن وجبة مفضلة لدى المغاربة طيلة أعوام، ولم يعرف طبقه انتشارا إلا في العقود الأخيرة، وكان هذا الانتشار مرتبطا بالمدن دون البوادي، ولحسن الحظ أن هذه العادة لم تستمر بعد أن اختلطت البادية بالمدينة..
وارتباطا بموضوع السمك، فقد تجندت مؤخرا جل مواقع التواصل للدفاع عن الشاب المراكشي المعروف بـ”مول الحوت” واسمه الحقيقي عبد الإله العجويط، هذا الأخير اشتهر ببيعه لسمك السردين بـ 5 دراهم في مدينة لا يوجد فيها البحر وهي مراكش، وقد كان هذا الثمن سببا في شهرته بعد أن أقدمت السلطات على إغلاق محله، ليعود إلى ممارسة نشاطه بعد أن نزلت المطرقة على رؤوس المسؤولين من فوق(…)، وبغض النظر عما وقع، فإن إمكانية تخفيض أثمان السمك إلى هذا الحد فضحت وجود لوبيات متحكمة في سوق السمك برا وبحرا، بل إن قوتها تتجاوز وزارة الفلاحة والصيد البحري التي استُدعي لها اليوم الوزير الجديد أحمد البواري، بعد أن كانت الوزارة قد راكمت طيلة السنوات الأخيرة فشلا ذريعا فيما يخص الإنتاج الحيواني والإنتاج الفلاحي والصيد البحري، ولم تكن المخططات “الخضراء” التي وقف وراءها الوزير أخنوش والوزير صديقي، إلا عناوين لفشل السياسة الفلاحية، فالحصيلة النهائية هي ندرة اللحوم في الأسواق، ما أدى هذا العام إلى إلغاء شعيرة ذبح أضحية العيد، كما اختفت عدة منتوجات فلاحية من الأسواق، ما يدفع المغرب إلى مواصلة استيراد غذائه، ونفس الأمر ينطبق على السمك، حيث لا سبيل للمواطن البسيط من أجل اقتنائه، لأن أسعاره تفوق أسعار اللحم بعدة مرات، وقد كان الأمل معقودا على السردين، قبل أن يصل ثمنه هو الآخر إلى 60 درهما.
ظاهرة “مول الحوت” هي نفسها، لكن الحكاية لا تدعو إلى الاطمئنان.. فـ”مول الحوت” هو أيضا محسن فكري، الذي حاول بيع أسماك تمت مصادرتها وتم طحنه معها في شاحنة نفايات سنة 2016 في ظروف غامضة، كادت أن تتحول إلى ثورة عمت أرجاء البلاد، واختلطت فيها حسابات الانفصال وحسابات الاحتجاج الاجتماعي، وهو ما يعني أن ملف الصيد البحري هو أحد الملفات الساخنة، وبمثابة “مصيدة جديدة” لوزير الفلاحة والصيد البحري الجديد..
في وزارة البواري لا توجد الملائكة بالتأكيد، وتفرض لوبيات البحار شروطها، كما أن هناك قطاعات أكبر من الوزارة(…)، وهي مرتبطة بامرأتين حديديتين معمرتين في مناصبهما، الأولى هي كاتبة الدولة زكية الدريوش، التي تقلدت منصب المسؤولية ككاتبة عامة لقطاع الصيد لأكثر من عشر سنوات دون أن تحل المشاكل العالقة خلال وظيفتها داخل الوزارة، وهي التي تتحمل عن قرب مسؤولية الاختلالات التي يعرفها قطاع الصيد في الأقاليم الجنوبية، لاسيما قضية التراخيص المتعلقة بمراكب الصيد الساحلي، والتي منحت لبعض المحظوظين حظ صيد السمك في أغنى جهة في الصيد الساحلي وهي جهة الداخلة وادي الذهب، أما المرأة الثانية فهي مديرة المكتب الوطني للصيد أمينة الفيكيكي، التي تترأس هذا المكتب منذ أكثر من 13 سنة، وبدورها تتحمل قسطا من المسؤولية فيما يحصل في أسواق الجملة للسمك داخل الموانئ، بحكم أن المكتب هو المسؤول وفق القانون على تسيير وتدبير عملية التجارة والبيع والشراء في الأسواق المتواجدة داخل الموانئ..
الوزير البواري ابن الوزارة، وهو متخصص في قطاع الماء، لكن المياه ليست صافية بما يكفي داخل الوزارة، وقد تكون “احتجاجات السمك” بمثابة صنارة لسقوط الوزير مستقبلا، لأن الصيد في الماء العكر له أصحابه(…).



