المنبر الحر

المنبر الحر | الجزائر.. تاريخ من الإخفاقات

بقلم: محمد الحموتي

    دائما ما كان النظام الجزائري يحاول أن ينازع المغرب على الريادة الإقليمية والدولية، منذ عهد الرئيس هواري بومدين، المهووس بالشأن المغربي على جميع الأصعدة، والمؤسس الحقيقي لعقيدة الجيش القائمة على أن المغرب عدو كلاسيكي، خصوصا بعد الصفعة التي تلقاها الجيش الجزائري في حرب “الرمال” عام 1963 من قبل القوات المسلحة الملكية، لذلك، فتأسيس جبهة البوليساريو من قبل الجزائر ما هي إلا استراتيجية حاولت من خلالها عرقلة أي تنمية أو نهضة قد تتحقق داخل المغرب، مستفيدة من الطفرة النفطية التي تحققت في سبعينات القرن الماضي.

فقد كان المغرب الشغل الشاغل للطغمة العسكرية في قصر المرادية، غير أن السلطات المغربية حاولت التعاطي مع النظام الجزائري بنوع من الدبلوماسية الحذرة وعدم الرد على استفزازاته الإعلامية، حفاظا على الاستقرار الإقليمي وعدم جر المنطقة المغاربية إلى عواقب يكون من الصعب الخروج منها، فكون النظام الجزائري يفتقر للشرعية السياسية والتاريخية، يخشى أن يكون الورقة التالية بعد النظام الدموي السوري السابق كما صرح بذلك الرئيس عبد المجيد تبون نفسه في إحدى لقاءاته مع الإعلام المحلي.

ولهذا هناك بعض القراءات التي تجزم بأن الجزائر في القائمة التي ستعرف تمزقا وتشرذما وانقسامات جغرافية كما حدث للسودان والعراق وسوريا، لأن النظام يدرك جيدا أن الجزائر مجرد كيان جسدته فرنسا على الخريطة الدولية انتقاما من الدول التي دعمت استقلالها وكان ذلك على حساب أقاليم تلك الدول (المغرب، تونس، ليبيا ومالي)، والعسكر في الجزائر يدركون ذلك، وحاولوا توحيد الدولة بالحديد والنار بالاستعانة بالثروة النفطية التي تعتبر المصدر الوحيد للثروة لبلادهم، فهي لا تصدر أي منتوج، لهذا فالشعب لا يملك وسيلة ضغط إلا الثورة أو التمرد مادام العسكر يملك أموال البترول ويستطيع سحق أي تحرك أو حراك، وهذا ما شهدته العشرية السوداء، حيث ارتكب العسكر مجازر في حق المدنيين توفي فيها ما يقارب 250000 نسمة تحت يافطة محاربة الإرهاب، مع أن الصواب هو محاربة التغيير وعودة الحكم إلى المدنيين، والوضع في الجزائر لم يتغير منذ الستينات لأن الآلة الزمنية توقفت مع وفاة هواري بومدين سنة 1978. ولازال الإعلام الجزائري ينشر تفاهات باستضافة التافهين إلى بلاطوهات القنوات محاولين إقناع الشعب بأن “الجزائر بخير” رغم الطوابير على المواد الغذائية، وأن “الجزائر قوة اقتصادية عظمى وهي النموذج المثالي في القارة الإفريقية وحامية للشعوب المستضعفة ظالمة أو مظلومة، فهي بلد الثوار والممانعة، إسرائيل تخشاها وقرارها السياسي ملكها ولهذا صوتها مسموع دوليا”، واسمحوا لي أن أؤكد على قاعدة يتبناها النظام الجزائري، وهي من إبداع الدعاية النازية، تقول “أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس”.. هكذا يشتغل ساسة قصر المرادية في الجزائر.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالنظام السياسي للجزائر منذ سنة 1962، التاريخ التأسيسي لهذا القطر، وهي تعيش الإخفاقات تلو الإخفاقات على كافة المستويات منذ إعلانهم النهضة الصناعية، وأنهم سيكونون في مصاف الدول العظمى مثل فرنسا واليابان خلال عشرين سنة، مستفيدين من القفزة النفطية في سبعينات القرن الماضين، والنتيجة كانت كارثية على الدولة، والمخطط الصناعي لم يتحقق، والفلاحة دُمرت والمواطن الجزائري يفتقر إلى الكفاءة، وقادة الجزائر لم يكونوا ساسة واقتصاديين، بل افتقروا للبراغماتية وأسسوا ثكنة عسكرية كبيرة بدل وطن يضم جميع الجزائريين.

تتمة المقال تحت الإعلان

وانهار التيار الشرقي الحليف الاشتراكي للعسكر وأفل المعسكر الاشتراكي، وانتصرت الديمقراطية وتوسعت هذه الموجة في العالم واكتسحت إفريقيا، وكانت الجزائر أول المنفتحين على التعددية الديمقراطية بدل الحزب الواحد، وكان يعتقد أن الجزائر ستقود قافلة الديمقراطية في المنطقة، إلا أن الذي حدث هو انتكاسة كبيرة وعودة إلى الخلف، لأن المؤسسة العسكرية رفضت التغيير خوفا على مصالح الطبقة الأوليغارشية العسكرية.

ورغم ذلك، فإن الجزائر لم تنس أن للمغرب أفضالا عليها، لأنها طيلة حقبة الحرب الأهلية، لم يكن للمغرب أي تدخل أو استغل الوضع للإجهاز على الدولة، وردا للجميل، قامت العصابة العسكرية بدعم أكبر للبوليساريو ماليا ودبلوماسيا.

والغريب في الأمر أن هذه العقيدة التي تدعي الجزائر تبنيها والمتعلقة بالدفاع عن حقوق الأقلية، وهذا موضوع شائك ومعقد في العلاقات الدولية، لأنه قد يرتد على الأنظمة السياسية التي تدعي حمايته، والجزائر من الدول المرشحة مستقبلا لمشروع دويلات، لأن وحدة الدولة الجزائرية هشة تفتقد للشرعية التاريخية، وهذا ما أكده أكثر من مرة القادة الفرنسيون كالجنرال دوغول، عندما صرح عام 1959 أن الجزائر لم تكن أبدا أمة لأن فرنسا عندما دخلت الجزائر كان حكامها من العثمانيين عام 1830، ولم تكن بهذه المساحة، بل حتى الرئيس إيمانويل ماكرون صرح بها في إحدى خرجاته الإعلامية. إذن، قد يأتي عهد ونسمع عن جيران جدد للمغرب من ناحية الشرق، وتصبح الجزائر بعيدة عنا جغرافيا، وآخرها مجلس الأمن باعتبار الجزائر عضوا غير دائم لمدة سنتين، والتي يمثلها المندوب عمار بن جامع، فهو دائما يطلق العنان كما العادة لكراهية بلده للمغرب، وهوسه المرضي بالصحراء المغربية، لأنه لا يفوت الفرصة إلا ويذكر المغرب لتشويه صورته، والمس بأحقية المغرب في صحرائه، فلابأس هنا بالتذكير بمحاولة وبدون جدوى إدخال تعديلين على مشروع القرار 2756 حول الصحراء: الأول يهم توسيع مهمة بعثة “المينورسو” لتشمل قضايا حقوق الإنسان في المنطقة، والثاني يتعلق بحذف الدعوة الموجهة إليه للعودة إلى المفاوضات من خلال الموائد المستديرة، وهذا ما سماه السفير المغربي عمر هلال بـ”عرض سيء الإخراج”، لأن التعديلين تم رفضهما من قبل باقي أعضاء مجلس الأمن وخرجت الجزائر مهزومة كعاداتها أمام الديبلوماسية المغربية الواقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى