تحليل إخباري | “أمراء” الحرب يرسمون خط التماس بين الإرهاب والقضية الوطنية والتطبيع مع إسرائيل
المؤسسة الأمنية: "اللهم اجعل هذا البلد آمنا"

يواصل المكتب المركزي للتحقيقات القضائية، وهو ذراع المملكة لمواجهة التحديات الإرهابية، حربا لا هوادة فيها مع الخلايا الإرهابية التي باتت منتشرة في عدة مدن مغربية، ولا يحد من نشاطها إلا الضربات الاستباقية، وكلها خلايا أعلنت ولاءها لأمراء الحرب، خارج البلاد، غير أن الجديد هذه المرة هو انتقال مراكز تصدير الإرهاب إلى منطقة الساحل الإفريقي، حيث التضاريس الصعبة والحدود المبهمة بين عدة دول(..).
ولا سبيل للكشف عن الأهداف المحددة للإرهاب، لأن مجرد تقديم الأهداف سيسبب حالة من الرعب في صفوف المواطنين، وسيحقق أحد أهداف الأجندة الإرهابية، لكن مع ذلك يكتفي المسؤولون بالحديث عن استهداف مؤسسات أمنية خاصة، ومسؤولين كبار في الدولة، وقد قال حبوب الشرقاوي، مدير مكتب التحقيقات القضائية، أمام الصحفيين خلال بداية الأسبوع: “اللهم اجعل هذا البلد آمنا”، بينما أشهر زميله في الأمن الوطني، بوبكر سابيك، الناطق الرسمي باسم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، في مواجهة التهديدات، الآية الكريمة التي تقول: ((الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون))، وكانت تلك طريقته للرد عما يمكن أن يتلقاه المسؤول الأمني من تهديدات خلال أدائه للواجب الوطني(..).
إعداد سعيد الريحاني
هل تعتقد أن العمليات الإرهابية بعيدة عن المغرب؟ هل تعتقد أن الأمن والأمان تحصيل حاصل؟ قد يكون الجواب بـ”نعم” صحيحا خلال السنوات الماضية، لكن الظرفية الحالية تفرض “الحذر” أكثر من أي وقت مضى، وتفرض التقائية غير مسبوقة في نشاط الأجهزة الأمنية المغربية، وأجهزة المخابرات بجميع أنواعها، فضلا عن الجيش الملكي والدرك الملكي والأمن الوطني، الذي تحول بفضل استراتيجية مديره العام عبد اللطيف الحموشي، إلى ما يشبه “المنسق الكبير” لعمليات مكافحة الإرهاب، والقوات الخاصة المشتركة، المخصصة للتدخل، بمثابة أحد العناوين الكبرى لهذا التنسيق(..).
الأجهزة تقوم بدورها، لكن الإرهابيين يواصلون تهديداتهم للمغرب، وإذا أردت أن تعرف ما يقولون، عليك فقط أن تقرأ الرسالة التالية، وهي رسالة بعثها “إرهابي” ينحدر من ليبيا، وهو قيادي في تنظيم “داعش” بمنطقة الساحل، ويسمى عبد الرحمان الصحراوي، لأتباعه في المغرب ممن يسمون أنفسهم “أسود الخلافة في المغرب الأقصى”، وهي رسالة مصورة يقول فيها حرفيا ما يلي: ((نحيي جنودنا في المغرب الأقصى بتحية الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيا جنود الخلافة القابضين على الجمر الثابتين الصابرين على العهد، نبارك تلك الوجوه النيرة.. احملوا على الكفار والمرتدين وجباتهم شدة الرجل الواحد، والحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك والمرتدين بالقاطع، ومستدرج الكافرين بمكره، وجاعل العاقبة للمتقين بفضله والصلاة والسلام على من سيل الدماء بالحق، محمد صلى الله عليه وسلم. يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين.. نبارك من معاقلنا في قيادة الساحل لجندنا في المغرب الأقصى ما هم مقبلون عليه من عمل مبارك في ضرب أعداء الله في عقر ديارهم، بما أظهروه من كفر بواح عندنا فيه من الله برهان: ولاؤهم للصهاينة ومناصرتهم والتطبيع معهم.. نسأل الله أن يمكنكم من رقابهم ومن دمائهم المستحلة بحق الإسلام، وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)).
الخطاب الإرهابي التهديدي سالف الذكر، كان عبارة عن رسالة مصورة تم الكشف عنها من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية، خلال بداية الأسبوع، في إطار تقديم معطيات جديدة عن الخليتين الإرهابيتين اللتين جرى تفكيكهما الأسبوع الفائت بمدينة تامسنا ونواحي مدينة بوذنيب في الجنوب الشرقي، وقد كان ذلك ضمن مخطط إرهابي خطير موالي لتنظيم “داعش” في منطقة الساحل انطلاقا من المغرب، ويطلق أصحابه على أنفسهم: “أسود الخلافة بالمغرب الأقصى”.
بلغ عدد الموقوفين حتى بداية الأسبوع 12 مشتبها فيهم، تتراوح أعمارهم بين 18 و40 سنة، يشتركون في معطى أساسي هو تدني المستوى الدراسي، إذ لا يتجاوز 8 منهم المستوى الثانوي، ثم مستوى التعليم الأساسي لثلاثة آخرين، بينما لم يتجاوز أحد هؤلاء المشتبه فيهم السنة الأولى من السلك الجامعي.. والحصيلة الحالية تؤكد أن الموقوفين جزء من حملة شملت تفكيك أزيد من 40 خلية لها ارتباطات مباشرة بتنظيمات إرهابية بمنطقة الساحل جنوب الصحراء.. هذا ما أكده حبوب الشرقاوي، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي عقد ندوة صحفية في الموضوع، وقد كان إلى جانبه الناطق الرسمي باسم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، بوبكر سابيك.
الشرقاوي، الذي أكد أن المغرب أصبح مستهدفا من طرف المخططات الإرهابية بعد مشاركته في الحملات الدولية القوية لمكافحة الإرهاب، أكد أيضا احتمال وجود سيناريوهات خطيرة في المستقبل، حيث نبه إلى وجود قياديين مغاربة في مختلف التنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي، سواء في “داعش” أو “القاعدة”، كما أكد نجاح أزيد من 130 مقاتلا مغربيا في الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في الساحل وغرب إفريقيا والقرن الإفريقي..
وبخلاف المرات السابقة، فإن هذه العملية التي استمرت أكثر من سنة وشملت عدة مدن توزع فيها الإرهابيون، منها جرسيف، تاونات، فاس، العيون، طنجة، تامسنا، الدار البيضاء، أزمور، وأولاد تايمة.. تتميز بحجز أسلحة نارية خطيرة، والأخطر هو ما قاله حبوب الشرقاوي، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، مؤكدا أن الخبرة الباليستيكية التي باشرها خبراء الأسلحة التابعون لمعهد العلوم والأدلة الجنائية بالمديرية العامة للأمن الوطني، أظهرت أن الأسلحة المحجوزة توجد في وضعية اشتغال جيدة، كما خضعت لمحو عمدي لأرقامها التسلسلية بغرض طمس مصدرها، كما تم قطع ماسورة بعضها لتسهيل عملية إخفائها وحملها.. كما أكد الشرقاوي أن ((خطورة الخلية التي تطلق على نفسها “أسود الخلافة بالمغرب الأقصى”، لا تكمن فقط في تعدد الأهداف التي حددتها، بل أيضا في كونها كانت مشروعا استراتيجيا لولاية “داعش” بالساحل لإقامة فرع لها بالمملكة)).

إن اكتشاف مخابئ للأسلحة، لا يمكن الوصول إليها إلا باستخدام تقنيات تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية، في مخبأ قريب من الراشيدية، يعيد إلى الأذهان خلية “أمغالا” المرتبطة بتنظيم “القاعدة” في بلاد المغرب الإسلامي، والتي تم تفكيكها في يناير 2011، حيث كانت هذه الخلية تتوفر على مخبأ للأسلحة الحربية على بعد 220 كلم من مدينة العيون..
ولمن نسي خلية “أمغالا”، فهي أول خلية تم تفكيكها في المغرب وكانت تابعة بشكل مباشر لتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وقال وزير الداخلية المغربي آنذاك، الطيب الشرقاوي، أن ((الخلية كانت تعد لتنفيذ عمليات وصفت بالإرهابية والسطو على وكالات مصرفية لتمويل نشاطاتها بالمملكة.. وحسب وزير الداخلية آنذاك (الشرقاوي)، فقد أظهرت التحقيقات الأمنية الأولية أن خلية “طارق ابن زياد” (كانت تسمى كذلك) كانت تعمل على إعادة تجميع أعضاء بعض التنظيمات الإرهابية التي سبق تفكيكها، حيث أوكلت قيادة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” هذه المهمة إلى أحد عناصرها الذي كان يقيم بشمال مالي، وقد تم حجز مجموعة من الأسلحة كانت بحوزة الخلية.. وتتكون ترسانة الأسلحة التي عرضت أمام الصحافة، من 33 بندقية من نوع كلاشينكوف وقذيفتين مضادتين للدبابات، ومدفع هاون، إضافة إلى قرابة ألفي رصاصة خاصة ببنادق الكلاشينكوف الرشاشة.. وقال الكولونيل مكوار عبد اللطيف، نائب قائد الدرك الحربي في المنطقة الجنوبية: إن منطقة أمغالا خضعت لعملية تمشيط واسعة أفضت إلى العثور على مخابئ الأسلحة.. وقالت وزارة الداخلية المغربية إن “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” خططت لإرسال مغاربة إلى معسكرات التنظيم بالجزائر وشمال مالي، للخضوع لتدريبات عسكرية والعودة إلى المغرب لتنفيذ عمليات وصفت بالإرهابية)) (المصدر: وكالات/ قصاصات سنة 2011).
سواء تعلق الأمر بـ”القاعدة” أو “داعش”، أو المتدخلون الخارجيون من خصوم المغرب في البوليساريو والجزائر.. فإن التهديدات الإرهابية تتنامى، والخطير هذه المرة، سواء من خلال كلمة التهديد المبعوث من خلية المغرب الأقصى، والتي تضمنت الإشارة أيضا إلى التطبيع، يظهر أن الإرهاب أصبح يصنع خط تماس بين الإرهاب وقضية الصحراء المغربية وقضية التطبيع مع إسرائيل، فضلا عن تهديدات بالتصفية لمسؤولين مغاربة كبار..
يذكر أن حجز أسلحة وعبوات ناسفة خلال تفكيك الخلية الأخيرة، كان جوابا كبيرا للمشككين، قبل أن يشرح المراقب العام للشرطة بوبكر سابيك، بلباقته التواصلية، أن التشكيك في العمليات الأمنية جزء من عقيدة التنظيمات الإرهابية، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المواطن المغربي يعد قطب الرحى لأي عملية أمنية تنفذ في البلاد، لأنه يساهم في التبليغ عن الجرائم، كما أوضح الناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أن التشكيك في العمليات التي تخطط لها الخلايا الإرهابية، يعتبر من “جهاد الكلمة” أو “اللسان” لدى عناصر هذه الخلايا، وأعطى مثالا عن ذلك بتصريحات واحد من المعتقلين، الذي أكد أن ما يكتبه في مواقع التواصل الاجتماعي جزء من عمله وعقيدته القائمة على التشكيك(..).






