الحقيقة الضائعة | أخطر تمرد ضد السلطان.. صراع حتى الموت
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 113"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كما ابتعد بنا الحديث عن معارضة الكتاني للسلطان المولى عبد الحفيظ، عن الحديث عن المناورات الاستعمارية والاحتلال الفرنسي المتوغل في جنبات المغرب.. ابتعد المولى عبد الحفيظ نفسه عن التفرغ للمشاكل الحقيقية وتفرغ لمعارضة الكتاني.
وهو اختيار مشروع.. فالسلطان أو الرئيس عندما يشعر بأن هناك حركة داخلية تستهدف شخصه، مضطر لأن يضع المشاكل الخارجية في الرفوف، ويتجه بكل عنايته وجيشه ومخابراته لمواجهة ما يعرف في المنطق المعاصر بالخطر الداخلي والمس بالأمن العام.
ونحن شهود في عصرنا الحاضر على أن مئات الآلاف من الجنود العربية، وآلاف الطائرات وآلاف الدبابات والصواريخ التي تتوفر عليها الأمة العربية، قادرة على القضاء على إسرائيل في ساعات لو تجمعت وتنسقت، ولكن مأساة الأمة العربية أمام التحدي الإسرائيلي كامنة في أن الطاقات العسكرية العربية موجهة نحو الجبهات الداخلية لحماية الأنظمة ممن برع الكتاب والمستشارون في وصفهم بالمخربين والعملاء والخونة، بينما بقيت إسرائيل تمسح بمشط نعلها أنفة العرب وأمجادهم وشهامتهم.. فهم مشغولون بالجبهات الداخلية.
كذلك كان الوضع أيام المواجهة بين سلطان الجهاد المولى عبد الحفيظ والزعيم الديني محمد الكتاني.
وإذا كانت كل الأحداث المسرودة في هذه الحلقات تبلور ذكاء ودهاء المولى عبد الحفيظ، فإنه برع في تخصيص كل وقته لمواجهة المعارضة وأبدع في ترك ما دون ذلك للأيام، وكان ذلك قرارا خطيرا في تاريخ المغرب وهو يواجه الاحتلال الأجنبي.. فقد نزل المولى عبد الحفيظ ليقارع العالم الكتاني في علمه، ويسابقه في عقد الندوات الدينية، ويدخل معه في دوامة من الجدال والنقاش والمساجلة الكلامية، والمقارعة الفلسفية، مما جعل سكان فاس يطأطئون رؤوسهم إجلالا لسلطان الجهاد الذي أصبح سلطان الجدال الديني.
وكان المولى عبد الحفيظ يبذل الجهد الكبير في تبيض صفحته أمام الرأي العام الفاسي، ونزع مبادرة الغيرة على الإسلام من يد الزعيم الكتاني، حتى إذا ما جاء الوقت للتخلص منه لم يذرف عليه أي فاسي دمعة أسى.
ودعا المولى عبد الحفيظ علماء وأشراف المدينة لمجالس دينية أشبه بتلك التي كانت تعقد أيام العباسيين والأمويين، واحتدم الخلاف بين السلطان العالم والعالم المعارض.
ويقول المؤلف محمد الباقر الكتاني في كتابه “الشهيد”: ((إن الجناب الحفيظي صار يعقد دروسا حديثية بالقصر الملكي بفاس في شهور رجب وشعبان ورمضان، على عادة ملوك الدولة العلوية الشريفة، وكان يحضرها كبار علماء فاس في طليعتهم الشريف، فكان السلطان الجديد يغتنم هذه الفرصة فيقرر أفكارا وآراء في الدين لا يقرها كتاب الله وسنة رسوله وجمهور المسلمين، فكان الكتاني يناقشه مناقشة حادة في كل ذلك ويبين له الصواب.
وهذه بعض المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الرجلين.. فمن ذلك مسألة الزيادة على الأربع في التزوج، ومذهب الظاهرية، وغيرهم فيها معروف، وقد أعلن الجناب الحفيظي عن تمذهبه في هذه المسألة مستدلا بكلام الشوكاني في بعض كتبه، وحمل حملة شعواء على المخالفين، فما كان من المترجم إلا أن قام قومة هاشمية وقال: “إن الإجماع، على خلاف ما ذهبتم إليه”، وانطلق كالسيل الجارف يعدد ما ورد في الموضوع من الكتاب والسنة وكلام المذاهب، ويؤكد نصوص العلماء القائلين بالإجماع وينتقد أقوال الظاهرية في هاته المسألة، ويكشف القناع عن وجوه خطاهم العديدة ويعلن رجوع الشوكاني عن رأيه الأول كما يفيده “نيل الأوطار” ورجوع غيره من الأكابر أيضا.
وبعد مناظرة طويلة في الموضوع بين الرجلين، انفض المجلس بدون أن يرجع السلطان عن رأيه، وقد انضم إلى الأخير بعض القضاة المغاربة وألف من نصرته ونصرة الظاهرية، تقييدا اشتمل على كراسين والحق يعلو ولا يعلى عليه.
ومن ذلك مسألة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كان السلطان ينكرها في دروسه المذكورة وكان الشريف يبدئ ويعيد في الانتصار لحياتهم – عليهم الصلاة والسلام – ويدحض حججه الواهية، وقد ألف في الرد عليه تأليفا عظيما سماه “حياة الأنبياء”، في عشرين كراسة، يعد برهانا قاطعا على جلالة مؤلفه واطلاعه الواسع وعلمه الغزير ومعرفته الواسعة بأساليب المناظرة، وهو آخر مؤلفاته، ومن ذلك الطعن في التصوف والصوفية، وإنكار الذكر والرقص عند كل الطرق، فقال له الشيخ الإمام يوما في جملة ما قاله له: “لا يجب أن تنكر الرقص وحده، بل الواجب أن نقوم الآن فنبدأ بمجانات (ساعات) الذهب وظروف النشوى المذهبة ومجادل الحرير، فنزيلها (وكان بيد السلطان حك نشوى من الذهب وعليه مجانة ذهبية وحمالة حرير)، ثم نخرج فلا نمر بطريقنا على محل من محال البغي ولا مخمرة إلا سددناه، ثم لا نمر بطريقنا على صاحب دكان لا يعرف كيف يبيع ويشتري إلا أقمناه، فإذا وصلنا للزوايا بحثنا في بدعهم ومناكرهم كذلك، وأما إغضاء الطرف وإحداث التوجيهات لكل محرم ومكروه إلا التصوف والصوفية، فتفرقة من غير مفرق وتخصيص بدون مخصص، فقام السلطان غاضبا ونزل الشيخ الإمام ساخطا)).
لكن مؤلف كتاب “الشهيد” يعترف مثلي بأن هذه المواجهة التافهة إنما كانت جزء من مخطط الاستعمار، كانت تشغل الرأي العام الوطني عن مشاكله الحقيقية، وكانت تشغل سلطان الجهاد عن مزاولة الجهاد الذي جاء من أجله إلى فاس.
ففي الصفحة 215 من كتاب “الشهيد”، يقول المؤلف محمد الباقر الكتاني: ((هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان خدمة الاستعمار بفاس(…) يسعون للتفرقة بينهما (السلطان والكتاني) بكل ما أوتوا من حول وطول، وكان للحملة المنظمة التي شنتها الصحافة الاستعمارية على الكتاني وطريقته، أثر فعال في نجاح الخونة المارقين.
وبما أن السلطان الجديد عجز عن القيام بأعباء الملك، وأبدى معارضة شديدة للبرنامج الإصلاحي الذي عرضه عليه نواب الأمة، وأهمل فرصة الجهاد التي هي الشرط الأساسي لشرعية بيعته، ربما أن الجو اكفهر بين الرجلين اكفهرارا شديدا ولم يبق أمل في تسوية الخلاف القائم بينهما، نظرا لاختلاف وجهات النظر اختلافا بينا، فإن الشريف الكتاني أكد رغبته في هجرة فاس والسكنى بدار متواضعة بقبيلة أيت يوسي)).
وعندما يقرر زعيم معارض مغادرة العاصمة والتوجه إلى أيت يوسي، فإنما يعني هذا القرار صعود زعيم المعارضة للجبل على الطريقة التي عرفناها مع الكثير من “الزعماء” بعد الاستقلال، ولم يكن للسلطان المولى عبد الحفيظ من اختيار.
الحرب المسلحة بعد الحرب الكلامية
لقد اتخذ الأمر آنذاك طابع الجدية والمواجهة السرية، وتناقل القناصلة الأجانب في فاس خبر الاحتمال المؤكد لبوادر حدوث انقلاب في المغرب، وإذا كانت بوادر في ذلك الوقت، فإنها تظهر الآن جلية واضحة، يقول مؤلف كتاب “الشهيد” محمد الباقر الكتاني عن هذه الفقرة في حياة والده: ((الناس في ذلك على قسمين: قسم يرى أن المترجم لما يئس من إصلاح الحالة بالمغرب، قرر الانعزال عن الخلق بالبادية والاشتغال بعبادة الله بعيدا عن جو المدن، وقسم يرى أن الغاية الحقيقية هي عزم المترجم على القيام بانقلاب جديد يحقق للمغرب مطامعه ويطرد الأجانب منه، وكانت الصحف الأجنبية تؤكد هذا الرأي، وأخبرني الشاعر أبو محمد عبد الله القباج، الكاتب بالقصر الملكي آنذاك، أن قنصل فرنسا بفاس، كايار، كان يؤمن بهذا الرأي، وكان له جواسيس يراقبون الشاذة والفاذة من أحوال المترجم، وأنه صعد في نفس الصباح الذي بارح فيه المترجم فاس، للقصر الملكي مطالبا بمقابلة مستعجلة للجناب الحفيظي، وبعد أن تمت، أخبره بسفر المترجم وحذره من العواقب السيئة التي تنتج عنه لا على فرنسا التي تريد رفع مستوى الحياة بالمغرب في نظره، بل وعلى الملك نفسه، ثم طالب بتوجيه فرقة من الجيش لإلقاء القبض عليه، فنفذ طلبه)).
وبذلك دخل الشيخ الكتاني في تمرد تحت طائلة ما أصبح اليوم يعرف بالمس بالأمن العام، وأصبح اليوم وبعد أن ساد نظام القانون، محددا في فصول القانون الجنائي، والتي تتراوح عقوباتها بين الإعدام والسجن المؤبد.
وليس من حق القارئ أن يبقى بعيدا عن جوهر الأحداث، منساقا وراء ما كتبه ابن الشريف الكتاني في الفقرات السابقة عن حيرة الناس وعن احتمال ذهاب الشريف الكتاني لعبادة الله والاعتزال، ذلك أن الحقيقة المجردة لا تدع مجالا للشك.. لقد هرب الشريف الكتاني إلى أيت يوسي ونظم جيوشه وترأس حركة التمرد، فانضمت إليه فصائل من قبائل زمور وكروان، وكاد أن يصبح على رأس حركة انفصالية جديدة بينما لم تكن حركة بوحمارة قد تم القضاء عليها.
وفكر المولى عبد الحفيظ مليا، وكان ذكاؤه ودهاؤه مضرب الأمثال، ورسم خطة متكاملة وسريعة، وأصدر الأوامر بتنفيذها سرا.
فلما أصبحت القبائل تعلن ولاءها الواحدة تلو الأخرى للشريف الكتاني، جاء رؤساء قبائل بني مطير عند الشريف بسلاحهم ورجالهم، وخاضوا المعارك بجانبه ضد جيش السلطان.. إلى أن جاء الوقت المناسب فانقضوا عليه وأمسكوا بتلابيبه وساقوه مقيدا إلى القصر الملكي حيث سلموه لمولاي حفيظ، وبذلك انتهت مهمتهم السرية التي كانت من تخطيط المولى عبد الحفيظ.
إلا أن المولى عبد الحفيظ أصدر أوامره بمعاقبة المعتقل بعقاب كان جاريا في ذلك الوقت، وهو الجلد، إلا أن الزعيم الكتاني بعد جلده لم يتحمل العذاب، وقضى شهرا ونصف يعاني من آلام الجلد ومات في زنزانته.
مات الزعيم الكتاني بعد أن كانت فترة معارضته عنصر تحول كبير في تاريخ المغرب.. فقد ساقت الأقدار إلى القصر السلطاني بفاس أزمة كبرى انكب عليها السلطان بكل جوارحه وعواطفه، وتفرغ لها دون غيرها.
وعندما مات الزعيم المعارض، وعاد السلطان لمشاكله الحقيقية، وجد أنها كبرت وتردت، وأصبحت أكبر وأعمق من أن يستطيع مواجهتها.
لقد اكتشف السلطان أنه فقد معارضا ربما كان ينافسه في الحكم والنفوذ، مات متأثرا بجراحه، بينما الجنرال ليوطي والجنرال مواني والجنرال مونجان، ومعهم بوحمارة وجيوشه، لازالوا غلاظا شدادا أقوياء يحتلون المغرب ويتوسعون في احتلاله.
وبذلك يكون الأكثر حظا والأسعد مصيرا، هو الشريف الكتاني الذي مات واستراح.



