الحقيقة الضائعة | أسرار “سوء الفهم” بين السلطان والزعيم الكتاني
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 112"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

انبرى المؤلف محمد الباقر الكتاني، ابن الزعيم الكتاني، إلى شرح فلسفة الزعيم المناهض للمولى عبد الحفيظ في كتاب أسماه “الشهيد”، صدر سنة 1962، يوجز في أحد فصوله سر ثورة الزعيم الكتاني فيقول في الصفحة (194): ((.. وبما أن الشعب المغربي كان يقف على الهامش في مختلف الأحداث لا يسمع له صوت ولا يطلب منه رأي، وإنما تشرح له الأحداث على حسب ما يريده وزير الخارجية، ولا يراد من ممثليه أن يقتنعوا بحسن تصرفات الوزير فحسب، بل يطلب منهم أن يباركوها ويبشروا بها في مختلف أوساط الشعب ليشاركوا الوزير في خيانته الكبرى.. وبما أن المغرب كان متوقفا منذ قرون عديدة على تغيير جذري أساسي يمكنه من إقامة نظام خلافة إسلامية صحيحة تجعل المغرب يعيش عيشة دستورية سليمة تضمن الحريات العامة وتحدد المسؤوليات وتوزع الاختصاصات وتقضي على الرذائل والانحلال والإفلاس والرشوة والإقطاعية والانتفاعية)).
ربما كانت التعبيرات الواردة في كتاب المؤلف محمد الباقر الكتاني غريبة عن منطق العصر أيام السلطان المولى عبد الحفيظ، إلا أن المؤلف يعترف من خلال كتابه ومستدلا بالوثائق الموروثة، بأن الزعيم الكتاني هو الذي أملى شروط البيعة على محرر الرسالة المبعوثة إلى المولى عبد الحفيظ، وإنه حقا أن كاتب الرسالة هو العالم أحمد بن المواز، الذي حاول أن يؤدب من أسلوب الرسالة، لكن الكتاني اعترض، بينما تؤكد كل القرائن أن الزعيم الكتاني أسهم بنصيب وافر في إبعاد السلطان المولى عبد العزيز.
لكن ثورة الكتاني التي كان لها وقع الصاعقة على الرأي العام في فاس، حيث استطاع أن يضع الرأي العام هذا في كف يده، لم يكن آنذاك يظهر منها إلا جانبها الانتهازي، وربما كان أحسن تصوير لها ما كتبه بعد عشرين عاما من حدوثها القاضي عبد الحفيظ الفاسي، في كتابه “المدهش المطرب”، حينما أوجز الوضع كما يلي: ((لما عزموا على عقد البيعة، أملى الشريف الكتاني شروطا كان في بعضها مصيبا، كتقييد السلطان بالشورى، فوقع عليها الكافة، بعضهم موافقة واستحسانا، وبعضهم خوفا(…) من العامة، ونفاقا.. إلا أنه لما رفعت البيعة إلى السلطان، لم ترق تلك الشروط في عينيه، ورآها تحجيرا عليه وحطا من قدره، فكانت هي الحلقة الأولى من سلسلة سوء التفاهم بينهما)).
هكذا كان المؤلف المؤرخ في تلك الأثناء يرى الأحداث المتشابكة بين سلطان يواجه المشاكل وزعيم معارض يتزعم حركة دينية ضد ذلك السلطان.
فلننظر إلى هذه الأحداث كما أصبحت تتجلى من بعد، بعد أن أصبحت الحركة الوطنية المعارضة تسعى إلى طرد الاستعمار.
ولنقرأ ما كتبه زعيمان من زعماء الحركة الوطنية، هما الأستاذان المرحومان محمد علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، تعليقا على هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، مرحلة أول مواجهة سياسية بين السلطان المولى عبد الحفيظ والزعيم الديني محمد الكتاني:
قال الأستاذ علال الفاسي، رئيس حزب الاستقلال في المحاضرة التي ألقاها بمكتب المغرب العربي بالقاهرة، بمناسبة مرور 36 سنة على فرض الحماية على مراكش تحت عنوان: “الحماية في مراكش من الوجهة التاريخية والقانونية” ما لفظه: ((لقد وضعت هذه البيعة دستورا جديدا لسياسة البلاد.. ففيما يخص الماضي، الإلغاء المطلق لكل ما وقع من التزامات أو تعهدات أو إجراءات تتنافى مع سيادة الدولة ومصالح البلاد، وفيما يخص المستقبل، وضع أساس الدبلوماسية العلنية وتقييد الملك بضرورة التصريح للأمة بمشروع المعاهدات والاتفاقات حتى تعلن قبول ما تريد منها أو رفضه، فلم يعد بمقتضى هذه البيعة من حق الملك أن يوقع معاهدة ما دون أن يرجع إلى الشعب ويتأكد من قبوله أو رفضه، وكل معاهدة يمضيها السلطان دون أن يكون رجع فيها إلى الشعب تعتبر ملغاة ولا قيمة لها.. وهكذا نرى أن هذه الثورة الوطنية كانت ترمي إلى تحقيق غاية عليا هي إشراف الشعب بنفسه على مصالحه السياسية القومية والمالية)).
وقال الأستاذ المرحوم محمد بن الحسن الوزاني، الأمين العام لحزب الدستور الديمقراطي، في مقالة افتتاحية كتبها في العدد الأول من جريدة “الدفاع” بتاريخ 23 جمادى الثانية الموافق لـ 31 غشت 1937 تحت عنوان: “المغرب بين الماضي والحاضر” ما لفظه: ((ولما بايعت الأمة السلطان عبد الحفيظ، كانت هذه البيعة قائمة على شروط تتلخص في تحرير الأمة مما لم تسلمه من مضمون المعاهدات، وفي صيانة حدود المغرب باسترجاع ما أخذ من الثغور بالاحتلال، والعمل في سبيل إبطال الامتيازات الأجنبية التي تخرج الرعايا المغاربة من حوزة السلطة القومية وقوانين الدولة العامة.
وقد قيدت تلك البيعة السلطان الجديد في سياسته الخارجية قائلة: إذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية، فلا أمر منها إلا بعد الصدح به للأمة حتى يقع الرضى منها بما لا يقدح في دينها ولا في استقلال سلطانها، وقد كانت هذه البيعة بيعة أمة شاعرة بحقوقها عارفة بواجباتها راغبة في صيانة سيادتها ساعية إلى صيانة أحوالها)).
هذا كان حكم زعيمين من زعماء الوطنية على أول معارض للسلطان، وربما طامع في الملك، وربما أن الزعيمين المرحومين إنما أخذا الجانب الذي يتطابق مع أفكارهما الوطنية لا الجانب الشخصي للرجل الذي كان يعيش كسلطان وانتقل في رحلات عدة كان يستقبل فيها كسلطان، والذي كان ينظر إلى الوطنية نظرة خاصة، وهي أن الوطنية جزء من الدين. ويقول: ((وأعني بالوطنية هنا الوطنية الربانية، لا الوطنيات الضيقة الموروثة عن الأجانب)).
ولا جدال في أن الحركة الوطنية المغربية التي حررت المغرب، تختلف في جوهرها عن الوطنية كما كان يراها معارض السلطان المولى عبد الحفيظ.
بينما يوجز الأستاذ عبد الهادي بوطالب في كتابه عن “النظم السياسية العالمية المعاصرة”، أسس التعاقد السياسي بين المولى عبد الحفيظ والطبقة المتنورة المتمثلة آنذاك في العلماء، فيقول: ((وحتى لا يجد الفرنسيون مجالا للضغط على شخص السلطان الجديد للتسليم بواقع احتلالهم، وحتى يظل مقيدا بالرجوع إلى الأمة قبل أن يبرم باسمها أي تعهد أو التزام، جاءت بيعته من ممثلي الأمة (فاتح ذي الحجة عام 1325هـ الموافق لرابع يناير 1908) في شكل وثيقة تعاقدية بين الملك والشعب، وتضمنت الشروط الأساسية التالية:
• في ميدان السياسة الخارجية: يعمل السلطان عبد الحفيظ على إلغاء معاهدة الجزيرة، التي وافق عليها أخوه، ويسترجع الأراضي المحتلة من الفرنسيين، ويلغي الامتيازات الأجنبية، ويقطع المفاوضات مع الأجانب، ويضع حدا نهائيا لاستشارتهم، ولا يبرم مع الأجانب أي التزام إلا بعد الرجوع إلى الأمة وموافقتها.
• في الميدان الداخلي: نصت البيعة على الفصل بين السلطة الإدارية، المتمثلة في العمال والولاة، والسلطة القضائية.
وتعتبر هذه البيعة بالشروط التي تضمنتها، نواة لنظام ملكية دستورية، وقد جاءت في وقت كانت فيه نخبة من متنوري الأمة، لم تكشف عن هويتها، تدعو إلى حركة دستورية امتدت جذورها عبر البلاد.
إن مما لا شك فيه، أن هذه الحركة الدستورية تأثرت بفلسفة الحركة الدستورية العالمية، وخاصة ما جد منها في مناطق النفوذ العثماني، وبصفة أخص بحركة “الاتحاد والترقي” التي امتدت إلى تونس، ومشروع الدستور يعكس ذلك في اختياراته وبعض مصطلحاته)).
بينما نشر الأستاذ بوطالب نص مشروع الدستور بجميع فصوله، التي تظهر من خلالها الدرجة العالية لمستوى التحرير والتفكير العميق عند واضعي دستور حادي عشر أكتوبر 1908.



