تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | ماذا وراء زيارة ياسين المنصوري وناصر بوريطة إلى رواندا وأنغولا ؟

بدون قرع طبول أو سابق إنذار، أو هرطقة إعلامية.. كشف وزير الشؤون المدنية الفلسطينية، حسين الشيخ، عن حل أزمة الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل بعد تدخل شخصي من الملك محمد السادس، ومن جهتها قالت حركة “فتح” أن ((وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، أعلن عن صرف رواتب الموظفين كاملة مع كامل المستحقات المترتبة على الحكومة تجاه موظفي دولة فلسطين، بعد تدخل الملك محمد السادس شخصيا لإعادة الأموال المحتجزة لدى الاحتلال))، مما يعني أن المغرب يقوم بوساطات مهمة على الصعيد الدولي والإقليمي، وفي هذه الأيام يبدو أن المغرب على موعد مع القيام بجهود للوساطة في مكان آخر، ويتعلق الأمر بالأزمة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا بعد سيطرة حركة “إم 23” على إقليم شابا الغني بالموارد الطبيعية الثمينة.

أعد الملف: سعد الحمري

زيارة من أجل بعث الوساطة في ملف الكونغو الديمقراطية

تتمة المقال تحت الإعلان

     هناك تحركات غير عادية وزيارات مكوكية يقوم بها مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات ياسين المنصوري، ووزير الخارجية ناصر بوريطة، هذه الأيام، في منطقة الأخدود العظيم شرق إفريقيا، حيث استقبل الرئيس الرواندي بول كاغامي، يوم السادس من شهر فبراير 2025، كلا من ياسين المنصوري وناصر بوريطة، الذي حمل إليه رسالة من الملك محمد السادس، وبعد ذلك بيوم واحد، انتقل الرجلان إلى البلد المجاور أنغولا، حيث استقبلهما رئيس الجمهورية جواو لورينسو.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن هذه الزيارات التي قام بها الرجلان، تأتي وبدون شك، نتيجة تصاعد الصراع في شرق الكونغو، الذي تعد حركة “إم 23” المتمردة، محركه الرئيسي، بعد سيطرتها على مناطق استراتيجية قبل دخولها إلى غوما عاصمة إقليم شمال كيفو، وهو ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين وتصاعد الأزمة الإنسانية، وفي تداخل بين الملفات الداخلية والخارجية في المنطقة، تتهم الكونغو وأطراف أخرى رواندا بتقديم الدعم للحركة المتمردة، وهو ما تنفيه كيغالي، ما يثير المخاوف من انزلاق البلدين إلى حرب مباشرة لن تنجو دول الجوار من تداعياتها، وهو ما جعل الأمم المتحدة تحذر من أن خطر انتشار أعمال العنف التي تجتاح الكونغو الديمقراطية “أعلى من أي وقت مضى”، وأوضح المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمام جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان، أنه ((إذا لم يتم فعل شيء، قد يكون الأسوأ لم يأت بعد بالنسبة إلى سكان شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وخارج حدود البلاد كذلك)).

ومن هنا يمكن فهم طبيعة التحركات المغربية إلى دول الجوار، وهو ما يوحي بأن المغرب يتحرك وفقا لطلب أممي من أجل الوساطة في هذا الملف.. فقد قام كل من ناصر بوريطة وياسين المنصوري بالزيارتين إلى كل من رواندا وأنغولا، على اعتبار أن الأولى تتهم بكونها الحاضن لحركة “إم 23″، أما أنغولا فتقود جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، غير أن مجهوداتها انهارت منذ منتصف دجنبر 2024، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع من جديد..

الحسن الثاني // موبوتو

فشل جزائري في تحويل هذا الملف إلى ساحة صراع مع المغرب

    قبل سنة رسمت “الأسبوع” سيناريو حول إمكانية تدخل المغرب في هذه الأزمة، خصوصا بعد تحركات جزائرية في المنطقة، وبالضبط عندما زار رئيس الأركان الجزائري سعيد شنقريحة، يوم 19 فبراير 2024، جمهورية رواندا، في زيارة رسمية دامت لأيام، وهي الزيارة التي قالت وزارة الدفاع الجزائرية أنها جاءت بناء على دعوة من الجنرال مبارك موقانقا، رئيس الأركان الرواندي، والغريب في الأمر أن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع التصعيد العسكري على الحدود بين رواندا والكونغو الديمقراطية، وذلك في ظل اشتداد المعارك بين حركة “إم 23” المدعومة بوحدات من الجيش الرواندي من جهة، والجيش الكونغولي في ساكي (بلدة تقع على بعد 20 كيلومترا عن غوما، عاصمة الإقليم) من جهة أخرى. وجدير بالذكر، أن الجنرال شنقريحة اختتم زيارته بتوقيع اتفاقيات عسكرية ومباحثات تشمل تعزيز التعاون العسكري بين جيشي البلدين، وقال في كلمة له بالعاصمة الرواندية، أن ((الزيارة تعد مؤشرا جليا على طموح السلطات العليا للبلدين من أجل بعث ديناميكية جديدة لآلية التعاون العسكري بين الجيشين، وبما يسمح بمواجهة التحديات الأمنية التي تعرفها القارة الإفريقية)).

وبعد ذلك بيوم واحد، استدعت وزارة خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية، سفير الجزائر، الذي استقبله نائب الوزير الأول المكلف بالشؤون الخارجية كريستوف لوتوندولا، وأبلغه أن كينشاسا تعتبر زيارة شنقريحة لرواندا وتوقيع اتفاقيات عسكرية معها، دعما لسياستها التوسعية، وطلب من السفير تقديم توضيحات حول هذه الزيارة، بينما اعتبر مراقبون أن إقدام الكونغو الديمقراطية على هذه الخطوة، جاء نتيجة عرض شنقريحة على رواندا دعم حركة “إم 23”  ضدا في الكونغو الديمقراطية، التي تعترف بسيادة المغرب على صحرائه، ولها قنصلية بمدينة الداخلة، وطبعا المقابل هو اصطفاف رواندا إلى جانب الجزائر في مسألة الصحراء المغربية.

وهو نفس التحليل الذي تبناه موقع “الصحراء ويكيلكس” الذي قال: ((يبدو أن الحليف الجزائر قد اتخذ قرارا بتغيير استراتيجية التعامل مع الدول التي تدعم الرباط في مواقفها، والتي قررت فتح تمثيليات دبلوماسية لها في مدن الصحراء الغربية المحتلة، حيث كشفت زيارة قائد الجيش الجزائري سعيد شنقريحة، إلى دولة رواندا، عن خطة جديدة لتركيع الدول التي تُعادي القضية الصحراوية، عبر البحث عن نقاط ضُعفها والاستثمار فيها، وقد عمد قائد الجيش الجزائري إلى القيام بزيارة إلى دولة رواندا، وهناك عبر عن دعمه المطلق لحركة “23 مارس” الكونغولية، المعروفة بـ “M 23″، التي تدعمها رواندا ضد نظام دولة الكونغو، ووعدها شنقريحة بتقديم المساعدات العسكرية إلى وحداتها المقاتلة)).

وبعد ذلك، ظهر أن صراعا بين الجزائر والكونغو الديمقراطية بدأت ملامحه تلوح في الأفق، كما يحصل الآن مع جمهورية مالي.. ففي يوم واحد، أي 5 مارس 2024، زار الرئيس الكونغولي وقائد الجيش الجزائري سعيد شنقريحة دولة قطر، والغريب في الأمر أن الرئيس الكونغولي استقبل من طرف أمير قطر، بينما استقبل شنقريحة من طرف الممثل الشخصي لأمير قطر، ما يعني بطريقة أو بأخرى، رفض قطر والمنتظم الدولي دعم الجزائر لحركة “إم 23”.

يومها علقنا على شكل تدخل المغرب وكيف سيكون، بالتالي: ((لحد الآن لا نرى تحركا من جانب المغرب بخصوص هذا المستجد، خاصة إذا كان استهداف الجزائر للدول الحليفة للمغرب في القارة الإفريقية هدفه الضغط عليها لتغيير موقفها من قضية الصحراء المغربية.. هناك من يرى بأن الجزائر تحاول نقل الصراع مع المغرب من دول الساحل إلى دول البحيرات العظمى، وهو احتمال كبير، فهل سيتدخل المغرب مستقبلا في مثل هذا الصراع وكيف سيكون تدخله؟ هل عن طريق المشاركة في قوات أممية أو إفريقية، أم ستتدخل القوات المسلحة الملكية مباشرة لصالح الكونغو الديمقراطية في حال تمادت الجزائر في دعمها لحركة “إم 23″؟)).

شنقريحة خلال زيارته إلى رواندا

هل نضجت فكرة الوساطة المغربية في هذا الملف ؟

    فيما سبق، تدخل المغرب عسكريا في هذه المنطقة.. فقد قاد المغرب جبهة الدفاع عن دولة الزايير (الكونغو الديمقراطية حاليا)، خلال نفس مرحلة حرب “الأوجادين”، حيث دافع الملك الحسن الثاني علنا وبشراسة عن حكومة الجنرال موبوتو سيسي سيكو، عندما حاولت حركة مسلحة الإطاحة به في بداية سنة 1977، وكانت مدعومة من طرف أنغولا الشيوعية، وقد تدخل المغرب يومها وأرسل 1200 جندي إلى الكونغو الديمقراطية، إلى جانب مصر التي أرسلت خبراء عسكريين، فيما ساهمت فرنسا بعمليات نقل عسكرية نفذتها القوات الفرنسية، وبذلك تم سحق التمرد.. يومها حل الرئيس الكونغولي بالمغرب وصرح بالقول: ((إن تدخل المغرب الفعال للمحافظة على وحدتنا الترابية يستحق تنويها خاصا، وإن الزايير تعرف اليوم أن المغرب يعتبر حليفا أكيدا، ويمكن أن يعتمد عليه في الأوقات الحرجة، كما أن تدخل المغرب في الزايير قد نسج بالدم روابط الصداقة التي تجمع بين الشعبين المغربي والزاييري، وبالنسبة لإفريقيا، فإن هذا التيار الجديد من التضامن يشكل نموذجا للتعاون الفعال داخل قارتنا من أجل أمن واستقرار دولنا، ولقد جسد المغرب بهذا تعلقه بالمبادئ التي كانت أساس إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية، كما أبرز إرادته في الدفاع بكل قوة عن استقلال وأصالة إفريقيا، وإن تاريخ إفريقيا لن يتردد في تسجيل هذا العمل الشجاع من جانب جلالتكم بحروف ذهبية)).

ويبدو أن ما حاولت الجزائر جر المغرب إليه فشل، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، قام خلال شهر دجنبر الماضي بزيارة إلى كل من أوغندا وأنغولا، على اعتبار أن الأولى دولة طرفا في هذا الصراع إلى جانب رواندا، أما الثانية، فهي وسيط كما أشرنا إلى ذلك، غير أن طريقة استقباله من طرف الدولتين أثارت عدة تساؤلات.. فقد استقبله الرئيس الأوغندي وهو يرتدي كمامة، اعتبرها ملاحظون ((عدم الاحترام وإرسال رسالة سياسية قوية إلى قصر المرادية بأن زيارة شنقريحة إلى رواندا في فبراير الماضي وتوقيع اتفاق دعم عسكري يشكل إعلان عداء لأوغندا))، أما أنغولا الوسيطة بين أطراف النزاع، فخلال زيارة أحمد عطاف لها خلال شهر دجنبر الماضي، استقبل بطريقة مهينة في المطار، حيث كانت في استقباله موظفة عادية ترتدي زي العاملين في المطار، في خرق صارخ للبروتوكولات الدبلوماسية المتعارف عليها.. فهل معنى هذا أن الجزائر أرادت التراجع عن إشعال المنطقة وجر المغرب إليها مقابل أن تقوم بدور الوساطة، وهو ما جعل أنغولا تستقبل وزير خارجيتها بتلك الطريقة المهينة ؟

وفي المقابل، يبدو أن المغرب في موقع قوة ليلعب دور الوسيط من جديد، حيث استقبل كل من ناصر بوريطة وياسين المنصوري من طرف رئيسي رواندا وأنغولا، كما أن المملكة تراهن على جودة العلاقات مع رواندا، حيث تجمع البلدين علاقات خاصة وتعاون دبلوماسي منذ عقود، ومن ذلك، أنه في العام 2016، زار الملك محمد السادس رواندا بعد ثلاثة أشهر من قيام الرئيس بول كاغامي بزيارة دولة إلى المغرب استغرقت يومين بدعوة من الملك، وبحلول عام 2019، وقعت الدولتان اتفاقيات في مجالات التجارة والبيئة والتعدين والجيولوجيا والهيدروكربونات وتنمية الرأسمال البشري، ليصل إجمالي عدد الاتفاقيات بين البلدين إلى ست وثلاثين اتفاقية، كما صادقت رواندا على اتفاقية مع المملكة المغربية لتعزيز التعاون القضائي.

وفي ذات الموضوع، كتبت صحيفة “العرب” ما يلي: ((رجحت أوساط سياسية مغربية تحرك الرباط للوساطة بين رواندا والكونغو الديمقراطية لتفادي توسع دائرة الحرب، مستفيدة مما تملكه من علاقات متميزة مع البلدين ومصداقية داخل المؤسسات الإفريقية، وكذا انطلاقا من حيادها وسعيها إلى دعم المصالحات الوطنية بين الدول.

واعتمدت الأوساط السياسية المغربية في ترجيحها لوجود وساطة مغربية، على زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، وياسين المنصوري مدير المخابرات الخارجية (لادجيد)، إلى رواندا، واستقبالهما من قبل الرئيس بول كاغامي، حيث سلماه رسالة من الملك محمد السادس، ويرى مراقبون أن ما يهم المغرب ليست الوساطة في حد ذاتها، أو استثمارها للبحث عن الأضواء، بل المساعدة على الحل ولو بدور محدود يدعم أدوار دول وهيئات أخرى تتحرك في مسارات مختلفة لوقف الحرب ومنع اتساعها)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى