تحليل إخباري | زعيم “20 فبراير” بين “المخزن” وتخاذل الحقوقيين ومؤامرات الأحزاب
وداعا أسامة الخليفي
((سيأتي يوم يحتضنني قبري، ويصمت قلبي، ويختفي صوتي، وتزول ابتسامتي، وربما رحيلي قريب، فسامحوني، وادعوا لي بقلب صادق. أحبكم)).. هكذا تحدث مؤسس وزعيم “حركة 20 فبراير”، أسامة الخليفي، في آخر تدوينة له على “الفايسبوك” قبل انتشار خبر وفاته يوم الجمعة الماضي، بعد صراع صعب مع المرض(..)، وقد كان أصدقاء الراحل، ممن بقوا على تواصل معه، يحاولون طيلة المدة الأخيرة التخفيف من حجم معاناته، ولكن النهاية كانت قد كتبت، إنا لله وإنا إليه راجعون.
إعداد: سعيد الريحاني
الموت لا يرحم، وكذلك تعليقات بعض النشطاء السابقين في حركة “20 فبراير”، حيث كان البعض يتحدث عن خلاف في وجهات النظر(..) والاتفاق وعدم الاتفاق مع الراحل، رغم أن الأمر يتعلق بتعزية، والحقيقة أن “20 فبراير” مرتبطة من حيث ميلادها الأول بالشاب أسامة الخليفي، وكل المستفيدين وغير المستفيدين والمغرر بهم الذين يتحدثون باسم الحركة، لم يكن لهم وجود قبل نداء “20 فبراير” سنة 2011، الذي أطلقه أسامة الخليفي(..).
للراحل مواقف لا تنسى، وشهادته الخاصة بما وقع داخل حركة “20 فبراير”، ومن غرائب الزمان، أن يكون من بين خصوم أسامة الخليفي صف طويل من المحسوبين على دائرة النضال.. صدق أو لا تصدق أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لم تساند الخليفي في محنته مع الاعتقال والسجن، وقد كان الراحل يقول: ((اللي بقا فيا هو بعض الناس يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان، والدفاع عن حرية التعبير والحق في المحاكمة العادلة.. مقدروش يساندوني، ومقدروش حتى يطالبوا بتوفير شروط المحاكمة العادلة، أنا كنت مقتنعا ببراءتي، ولم أطلب من أحد مساندتي، وكنت أعرف منذ اليوم الذي خرجت فيه ضمن حركة “20 فبراير”، أننا أمام احتمالين واردين: الموت أو الحبس.. رغم أننا في حركة “20 فبراير” لم نكن ضد أي كان، كنا نطالب ببناء دولة الحق والقانون، ودولة المؤسسات، ناضلنا من أجل الحياة والحرية..)).
“الأسبوع” سبق أن سألت الراحل الخليفي عن المقصود بـ”عتابه” للحقوقيين، فأجاب بشكل واضح: ((أنا أتساءل: لو كان أسامة الخليفي عضوا في حزب النهج الديمقراطي، ماذا سيكون موقف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان؟ لو كان أسامة الخليفي ناشطا ضمن صفوف انفصاليي الداخل، ماذا سيكون موقف نفس الجمعية؟ الإشكال بالنسبة للخليفي هو الاستقلالية، وقد كانت لدي الجرأة لمواجهة هؤلاء الناس داخل حركة “20 فبراير”، وكنت أقول “اللهم إن هذا منكر”، وقلت لهم إنكم تريدون دفعنا إلى الحائط…)).
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خذلت موعدها مع التاريخ، حسب الراحل، الذي عرضت عليه في وقت من الأوقات عدة فرص ليبيع الحركة(..)، ولكنه كان متشبثا بمعركته، رغم أن الحركة الغير مهيكلة لم تكن وحدة متجانسة من الداخل، ((حيث كان بعض الأشخاص يخدمون أجنداتهم الخاصة، والمقصود الأطراف السياسية التي كانت داخل الحركة، بما فيها حركة “العدل والإحسان” والنهج الديمقراطي، والاتحاد الاشتراكي، وحزب العدالة والتنمية، وحزب الطليعة.. هؤلاء الناس دخلوا إلى حركة “20 فبراير” لممارسة السياسة وليس النضال، لتوظيف الحراك من أجل تحقيق بعض المكاسب، وهو ما سيظهر فيما بعد..))، حسب ما حكاه الراحل.
خصوم حركة “20 فبراير” لم يكونوا خارجها فقط، بل كانوا داخلها أيضا.. ((فإذا رجعنا فقط إلى لجنة المشاورات حول الدستور، والتي ترأسها المستشار الملكي عبد اللطيف المنوني، سنجد أنها طلبت لقاء مع حركة “20 فبراير” لتقديم مقترحات حول الدستور، لكننا فوجئنا بصدور بيان باسم الحركة، دون اجتماع، يقول “إن حركة 20 فبراير، تقاطع لجنة المنوني”)).. هكذا تحدث أسامة الخليفي وهو يكشف أحد كواليس حركة “20 فبراير”، حيث كانت البلاغات تصدر باسم الحركة دون علم أعضائها، والتهمة موجهة بشكل أكيد لحزب الطليعة الاشتراكي، والنهج الديمقراطي.. فـ((هؤلاء يعتبرون أنفسهم أوصياء على النضال في المغرب، ولا يمكن أن تكون هناك حركة نضالية دون أن يكونوا هم المحاورين الأساسيين)).
لم يكن أسامة يلوم حزب النهج والطليعة فقط، بل كان يلوم حتى حزب العدالة والتنمية، وكان يقول: ((نحن نعرف كيف يشتغل الإسلاميون، العدالة والتنمية دخلت بخبث إلى حركة “20 فبراير”، رجل هنا ورجل هناك، وعندما كان مصطفى الرميد مع الحركة، كان عبد الإله بن كيران يفاوض الدولة، وبعدها اقتسموا الكعكة.. هؤلاء أناس استرزقوا باسم الحركة، وهذا عشناه سنة 2011)).
رحل أسامة الخليفي، وكما جرت العادة، في مجتمع يأكل أبناءه(..)، الشاب الذي قاد آلاف المواطنين في رحلة نضالية سنة 2011 من أجل الديمقراطية، لم يحضر تشييع جنازته سوى عدد قليل من الأصدقاء، بينما اكتفى عدد كبير من المتابعين، بمن فيهم المحسوبين على قيادة بعض الأحزاب السياسية، بالتغريد من وراء شاشات حواسيبهم، ومع ذلك، فقصة الشاب أسامة تستحق أن تروى، وهي قصة معروفة، ومتداولة.
((لم يكن أسامة الخليفي أقدر شباب حركة “20 فبراير” على الحِجاج ولا أكثرهم موهبة في صياغة الأوراق التأطيرية وإبداع أشكال التظاهر المميزة التي ظهرت مع ظهور حراك الشباب في المغرب، بمناسبة ما عرف بالربيع العربي، غير أن أسامة الخليفي كان نجما ساطعا في سماء التظاهرات والجموع العامة الموجِهة لحركة “20 فبراير”، كما كان وجهة مفضلة للإعلام الوطني والدولي وكأن ابن مدينة سلا يحمل سرا أو جاذبية غير موجودة في بقية رفيقاته ورفاقه.. سنة 2011 كانت بالنسبة لهذا الشاب، الذي يبلغ من العمر آنذاك 23 سنة، فارقة، حيث تحلى بالجرأة في الوقوف أمام كاميرا حاسوبه المنزلي وقراءة بيان حركة كانت مجهولة بالنسبة للسواد الأعظم من المغاربة، تعرف عليه الجمهور الواسع عبر الأنترنيت ورسخت في ذاكرتهم ملامح أسامة البريئة بلحية وشعر أشعثين وصوت مبحوح خارج من بيته البسيط في أحد أحياء سلا الفقيرة، والذي يقطنه صحبة أب يشتغل في سلك الشرطة ووالدة “البوليسي” الذي أفرز جسده هرمون التمرد مباشرة بعد صعود ابنه فوق “بوديوم” الاحتجاج.. نادى أسامة المغاربة، في العالم الافتراضي، لإسقاط الفساد والاستبداد، فشكل بندائه هوية ووجها لحركة لم تخرج بعد إلى العلن، مما حوله إلى عنوان مفضل طرق بابه الصحفيون والثوريون والمخبرون والمفاوضون)) (المصدر: بورتريه بقلم الناشط رشيد البلغيتي/ هسبريس).
لو تم احتضان أسامة الخليفي بالشكل اللائق من طرف المجتمع أو الأحزاب، لكان له شأن آخر، بغض النظر عن تلك الأفكار المخزنية(..)، وقد كان الراحل يعرف المخزن قائلا: ((المخزن عبارة عن ثقافة، المخزن هو أن تقول أنا ومن بعدي الطوفان، كيف يمكن لأحدهم أن يدعي الديمقراطية وهو لا يمارسها، سواء تعلق الأمر بالأحزاب الحاكمة أو الأحزاب التي توجد خارج المؤسسات)).. رحم الله أسامة الخليفي وألهم عائلته الكبيرة والصغيرة الصبر والسلوان.
حركة “20 فبراير” لم يكن لها مشكل مع النظام.. المشكل كان مع النهج الديمقراطي و”العدل والإحسان”
أسامة الخليفي يكشف أسرار حركة “20 فبراير” في حوار سابق مع “الأسبوع”
• لماذا لم تتحول حركة “20 فبراير” إلى حزب سياسي ؟
» لم يكن ذلك ممكنا، لأن المشكل عندنا كان هو التنظيمات التي انخرطت في حركة “20 فبراير”، لو بقيت الحركة مستقلة في قرارها لكان بإمكانها بلورة قرار سياسي معين، لكن أن يتم خلق “مجلس لدعم حركة 20 فبراير”، وتجتمع فيه الهيئات السياسية، ويصبح هو الذي يقرر باسم الحركة ويصدر البيانات باسمها، فهذا يعني أن الأمر لم يعد ممكنا..
• هل سرق مجلس الدعم حركة “20 فبراير” ؟
» صحيح، ما زلت أتذكر العديد من الخطوات التي كانت تتخذها حركة “20 فبراير” وتم توقيفها من طرف مجلس الدعم، وقد كان أعضاء مجلس الدعم يعتقدون أنهم بمثابة “مجلس وطني انتقالي” (يضحك)، وكانوا يطرحون أنفسهم كبديل، بعدما شاهدوا ما وقع في تونس وليبيا ومصر..
• هل تقصد أن أكبر ضربة تلقيتموها كشباب، كانت من الداخل ؟
» نعم، كانت من الداخل، ومن طرف الأحزاب المشكلة لمجلس الدعم، الذين كانوا يقومون بدور الوصاية على الحركة.. نحن نحترم تاريخهم، ولكنهم أشخاص فشلوا في تجاربهم، وكان عليهم أن يتركوا الفرصة للشباب بدل تكرار نفس التجربة.
• لماذا لم يقع اصطدام بين الحركة ومجلس الدعم ؟
» وقع اصطدام في أول اجتماع مع مجلس الدعم، بمقر الاتحاد المغربي للشغل، وتم منعنا من دخول القاعة أثناء هيكلة المجلس، حيث صدرت مجموعة من القرارات باسم الحركة، وأصبح حزب النهج الديمقراطي وجماعة “العدل الإحسان” هم الذين يقررون باسم الحركة.
• هذا بالضبط ما كان يقوله خصوم الحركة، الذين كانوا يقولون إن جماعة “العدل والإحسان” وحزب النهج هما حركة “20 فبراير” ؟
» الدولة التقطت الإشارة، وروجت لهذه المسألة، ووجود النهج الديمقراطي، و”العدل والإحسان” داخل الحركة خدم مصالحها، لأنهما كانا يدفعان نحو التطرف، وقد كان المشكل وقتها هو أن تكون إصلاحيا، بمعنى أنه ليس هناك مشكل مع النظام.
• تريد أن تقول بأن حركة “20 فبراير” لم يكن لديها مشكل مع النظام ؟
» لا أبدا، نعرف أن هناك ملكيات في العالم متقدمة على مستوى الممارسة الديمقراطية، كما أن هناك جمهوريات متأخرة، نحن لم يكن لدينا إشكال في طبيعة النظام، وصراعنا الحقيقي هو الديمقراطية، وبناء مؤسسات حقيقية.
(مقتطف من “الأسبوع” عدد 31 دجنبر 2015).




