ملف الأسبوع | حسابات جديدة بين خط أكادير-دكار والمبادرة الأطلسية
وقعت في الأسبوع الماضي عدة أحداث مترافقة ومتزامنة، غير أنها تبدو مترابطة، حيث كان مركزها الأساسي وقطب رحاها هو الجارة الجنوبية موريتانيا.. أولها زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الجمهورية الموريتانية كأول ساكن بقصر المرادية يقوم بهذه الخطوة منذ عهد الرئيس الأسبق الراحل الشاذلي بنجديد، الذي قام بزيارة إلى نواكشوط عام 1987، وقد حظيت زيارة تبون بزخم إعلامي كبير، رغم أنه وصل إلى نواكشوط مخفورا بسرب من الطائرات المقاتلة، كما أن مناسبة الزيارة لم تكن ذات أهمية كبيرة، بل كانت بمناسبة المشاركة في المؤتمر القاري حول “التعليم ومستقبل الشباب والقابلية للتوظيف”، المنظم برعاية الاتحاد الإفريقي الذي يترأسه الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، مع العلم أن الرئيس الجزائري كان الرئيس المغاربي الوحيد الذي حضر هذا المؤتمر الإفريقي إلى جانب مضيفه الموريتاني.
أعد الملف: سعد الحمري
لم يطل مقام الرئيس الجزائري في زيارته إلى موريتانيا سوى يوما واحدا، ألقى خلاله خطابا أبرز من خلاله دور الجزائر في المساهمة في تأهيل الطاقات الإفريقية بجامعاتها ومعاهدها.. ففي نفس يوم وصول الرئيس الجزائري إلى موريتانيا، وصل رئيس مجلس الشورى الموريتاني محمد بمب مكت، إلى العاصمة الرباط، حيث استقبله رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، هذا الأخير أكد خلال اللقاء على قوة ومتانة العلاقات الثنائية الضاربة جذورها في عمق التاريخ والمبنية على وشائج الأخوة والدين واللغة والتاريخ والجوار المشترك، معبرا عن ارتياحه لما تشهده من زخم قوي خلال السنوات الأخيرة بفضل ما تحظى به من رعاية واهتمام بالغ من طرف قائدي البلدين، ومن جانبه، صرح رئيس الجمعية الوطنية الموريتانية، بأن بلاده تولي أهمية كبرى لتطوير علاقتها مع المغرب في مختلف المجالات.
وبالموازاة مع الحدثين، جرى بأكادير التوقيع على مذكرة تفاهم مع شركة بريطانية للنقل البحري، وذلك من أجل إطلاق خط بحري يربط ما بين أكادير وميناء دكار بالسنغال، ومن هذا الميناء ستتحرك الشاحنات المغربية المحملة بالخضر والفواكه والسلع والبضائع نحو دول الساحل وباقي دول الغرب الإفريقي. وحسب المعلومات المتوفرة لحد الآن، فإن الخط البحري الجديد سيغني كثيرا عن متاعب الطريق التي كانت الشاحنات تعبرها برا نحو السنغال وباقي دول الساحل والغرب الإفريقي، إضافة إلى أن هذا الخط سيكون أكثر أمانا مقارنة مع التنقل عبر الطرقات الموريتانية.
وذكرت وسائل إعلام وطنية، أن هذا الخط البحري جاء من أجل تفادي المرور عبر التراب الموريتاني، حيث كانت الجارة الجنوبية تفرض في بعض الأحيان أداء رسوم باهظة على شاحنات الخضر والسلع المغربية العابرة للتراب الموريتاني، الأمر الذي كانت له تداعيات وخيمة على قطاعات اقتصادية متعددة.
ورابع الأحداث المترابطة وآخرها، يجب علينا أن نضيف أنه في خضم هذه الأحداث، انعقدت في المغرب نهاية الأسبوع الماضي، النسخة الثالثة عشر من مؤتمر “الحوارات الأطلسية” برحاب جامعة محمد السادس، والذي استضاف مسؤولين مغاربة رفيعي المستوى، على رأسهم يوسف العمراني، سفير المملكة المغربية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الذي افتتح مداخلته بالقول: ((إن المملكة نجحت اليوم في تحويل المبادرة الملكية إلى طموح عالمي، ملتزمة بالاستقرار الإقليمي وخلق الثروة في إفريقيا))، موضحا أنه ((مشروع صممه الأفارقة من أجل إفريقيا، مع بناء روابط استراتيجية مع أوروبا والمناطق المجاورة، ودون إغفالها))، وأكد العمراني أن ((مبادرة جلالة الملك محمد السادس تعطي الأولوية لإنشاء روابط وخلقها من خلال شبكات النقل وسلاسل القيمة الزراعية والممرات التجارية-الاقتصادية اللوجستية))، يقول الدبلوماسي المغربي في واشنطن، ضاربا المثال على ذلك بميناء الداخلة الأطلسي.
وحسب يوسف العمراني خلال مداخلته فإن ((هذه المبادرة تسعى عبر دمج البلدان الإفريقية غير الساحلية في أنظمة التجارة العالمية، إلى إطلاق وتحرير الإمكانات الاقتصادية والازدهار المشترك))، مشيرا إلى أنه ((تقرر أن تكون الداخلة مركزا رئيسيا لتحقيق الاندماج الإقليمي القاري))، وختم المتحدث بنبرة متفائلة: ((يتعين أن ندرك التحديات، لكن مع وجود الرؤية والأدوات المناسبة سيمضي هذا المشروع قدما)).
كما شهدت الدورة مشاركة أمينة بنخضراء، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، التي صرحت خلال مداخلتها بأن ((المشاريع الرئيسية التي تشكل هيكل وعماد المبادرة الأطلسية المغربية، هي النهوض بالزراعة لضمان الأمن الغذائي، ثم إنشاء خطوط أنابيب الغاز لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، علاوة على تعزيز البنية التحتية لتحفيز النمو الإقليمي))، ومضت المتحدثة قائلة: ((المبادرة تؤكد على التعاون بين الشمال والجنوب، مثل الشراكة بين السنغال وموريتانيا والمغرب، لتعزيز العلاقات بين إفريقيا وأوروبا وتنويع مصادر الطاقة في أوروبا))، لافتة إلى أن ((هذا النموذج التعاوني صمم لإفادة المنطقتين)).
تزامن بخلفيات متعددة..
إن ترابط هذه الأحداث وتزامنها في حيز زمني متداخل ومتقارب، وجعل بلاد شنقيط قطب رحاها، لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها مجرد صدفة، بل هو أكبر من ذلك بكثير، حيث أن موريتانيا، التي سخر منها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الرئاسية الأخيرة، بعد مقتل مواطن أمريكي على يد شاب موريتاني دخل بلاد العم سام بطريقة غير قانونية، ذلك أنه وصفها بالبلد الصغير وتساءل إن كان أحد قد سمع بها من قبل أم لا.. هذه البلاد تشكل على التوازي مجالا حيويا وأمنا قوميا لكل من المغرب والجزائر، كما أنها دولة مهتمة ومراقبة في قضية الصحراء، إذ علينا ألا ننسى أن غالبية مكونات البوليساريو هم موريتانيون بالدرجة الأولى، وقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن عبر عن ذلك في أكثر من مناسبة، ومن ذلك تصريحه ((إننا نعلم أن البوليساريو يتكون من الموريتانيين… فإذا ما هوجمت موريتانيا فسوف ندافع عنها ما عدا ضد البوليساريو، لأن كل ما يتعلق بهذا الأخير يعتبر مسألة عائلية))، ثم أضاف في محطة أخرى موضحا الأمر بالقول: ((عندما تحادثت مع الوزير الأول هيد الله قلت له ونحن في جمع مفتوح – وكنا نمزح بالطبع – هل تفضلون البوليساريو علينا سيدي الوزير؟ وعندما بقينا على انفراد أجاب قائلا: صاحب الجلالة، إننا نفضلكم على البوليساريو رغم أنهم منا ونحن منهم)).
وإضافة لذلك، فموريتانيا تشكل ممرا رئيسيا بالنسبة للبلدين إلى إفريقيا وأسواقها الواعدة، وفي الأخير، فهي تشكل محور صراع كبير بين المغرب والجزائر من أجل الاصطفاف إلى جانب كل واحد منهما، غير أن هذه البلاد تلعب منذ فترة طويلة لعبة الحياد بين البلدين وعدم وضع كل البيض في سلة واحدة، رغم الضغوط التي تواجهها من الجانبين.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن تفسير الأحداث الأربعة الأخيرة بأنها مصادفة، حيث تخفي وراءها صراعا خفيا وظاهريا بين المغرب والجزائر من أجل نفوذ أكبر في موريتانيا، وقد ظهرت حدته منذ أن أعلن الملك محمد السادس عن إطلاق المبادرة الأطلسية، التي وافقت موريتانيا على أن تكون منخرطة فيها، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الضغط الجزائري على الجارة الجنوبية من أجل عدم الانخراط في المبادرة الأطلسية وتعويضها باتحاد مغاربي دون المغرب، الذي تقترحه الجزائر. وقد بدأت المناورات الجزائرية منذ السنة الماضية، حيث حاولت افتعال مشاكل بين موريتانيا وإحدى الدول المنخرطة في المشروع المغربي، ويتعلق الأمر بمالي، حيث كاد نزاع مسلح أن يندلع بين موريتانيا ومالي بسبب اتهام سلطات باماكو، بإيعاز من الجزائر، حكومة نواكشوط، بالتواطؤ مع المتمردين المناوئين لها، في حين اتهمت موريتانيا الجيش المالي وقوات “فاغنر” الروسية الموالية له، بمداهمة القرى الحدودية الموريتانية واستهداف سكانها، وبعد عدة اتصالات مباشرة، تم احتواء الأزمة مؤقتا وإن كانت خلفياتها وأسبابها لا تزال قائمة بما ينذر بتجددها لاحقا، أما عن الدور المغربي في هذه الأزمة، فقد حاولت المملكة التوسط لاحتوائها، وقد ترددت معلومات عن أن المغرب قام بوساطة مباشرة من أجل وقف التصعيد، وهو ما يدل عليه لقاء وزير الخارجية ناصر بوريطة بوزيري خارجية البلدين خلال قمة بانجول الإسلامية، بداية شهر ماي 2024.

هل كانت حسابات الرباط مدروسة ؟
نصل الآن إلى النقطة التي جعلت الأحداث التي وقعت الأسبوع الماضي متزامنة، فقد بدأت منذ مدة، على الأقل ليست بالقصيرة، بعض الأحداث تمهد لما وقع خلال الأسبوع الماضي، حيث بدأ ذلك بالتزامن مع زيارة قائد الجيش الجزائري السعيد شنقريحة إلى موريتانيا في 15 أكتوبر الماضي، وعقد جلسات متعددة مع نظيره الموريتاني، الفريق مختار بله شعبان، وفي ختام زيارته، أصدر الجيش الموريتاني بيانا مشتركا قال فيه: ((إن البلدين يشتركان في مكافحة العنف والتطرف، والجريمة المنظمة في منطقة الساحل))، في حين قالت وسائل إعلام مغربية أن ((زيارة قائد الجيش الجزائري جاءت في وقت يشير فيه متتبعون للشأن الأمني والعسكري في المنطقة، إلى أن سياق وتوقيت الزيارة يعكسان تراجع النفوذ الجزائري في المنطقة، كما تنطوي الزيارة على مناقشة مجموعة من الملفات الساخنة، على رأسها ملف استباحة وكيل الجزائر في المنطقة (البوليساريو) للأراضي الموريتانية في حربها مع المغرب، إضافة إلى ملف تنامي الإرهاب وعصابات الجريمة المنظمة التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومي المغاربي)) (المصدر: هسبريس/ 16 أكتوبر 2024).
ثم جاءت زيارة الرئيس الجزائري إلى موريتانيا الأسبوع الماضي، من أجل تجديد مطالب قائد الجيش الجزائري، وتحدثت وسائل إعلام عن أن الزيارة حملت معها ملفا آخر، ويتعلق الأمر بفرض اتفاق تجاري على موريتانيا يضمن رفع الرسوم الجمركية على السلع القادمة من المغرب، ومنح الجزائر منفذا إلى المحيط الأطلسي لتصدير خام الحديد، ولم تتسرب معلومات تفيد قبول موريتانيا بالضغوط الجزائرية من عدمها، بل إن كل ما هو متوفر من معلومات، هو أن نواكشوط لم تخفض التسعيرة الجمركية المرفوعة في وجه المنتجات المغربية العابرة لترابها.
ويعطي قيام المغرب بإطلاق خط بحري مباشر بين ميناء أكادير وميناء دكار السنغالي، الانطباع بأن هذه الخطوة كرد فعل على شيء ما قامت به موريتانيا، لأن من شأن هذا الخط البحري والخطوط البحرية المستقبلية أن تحرم موريتانيا من مداخيل جمركية مهمة كانت تجنيها من الشاحنات المارة عبر ترابها انطلاقا من معبر “الكركرات”، كما سيحرمها من حركية اقتصادية مهمة جراء هجرة الشاحنات التجارية لها.
فهل هي خطة مدروسة من الرباط، أم أن هذه الخطوة قد تباعد بين الرباط ونواكشوط وتفتح المجال أمام الجزائر للتغلغل أكثر داخل موريتانيا، مع العلم أن موريتانيا تعتبر فاعلا رئيسيا لنجاح المبادرة الأطلسية، حيث أنها الممر الوحيد الممكن لدول الساحل في اتجاه المغرب، وفي حال انسحابها وقبول العرض الجزائري، فإن المبادرة سيحكم عليها بالفشل، أم أن هناك أوراقا يلعبها المغرب من أجل إبقاء موريتانيا إلى صفه، وأن الرباط مستعدة للنفس الطويل مع موريتانيا كما فعلت مع فرنسا وإسبانيا ؟
على كل حال، في القادم من الأيام سيتوضح كل شيء.




