المنبر الحر | من الإيديولوجية إلى الربانية

بقلم: الحسن العبد
لعل السؤال العميق والمثير في نفس الوقت الذي يطرح نفسه بحدة على كل باحث عن كنه أو جوهر الأشياء، هو كيف يمكن للمرء أن يتخلى عن فكر إنساني ناقص وعاجز ليتحلى بقلب يمتلك القدرة على السمو والارتقاء إلى مراتب ومقامات إيمانية؟ مصداقا لقوله تعالى: ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)): جنة القرب من ربه بفضله في الدنيا، وجنة الخلد عند ربه برحمته، فينعم بزيادة من المنعم ربنا الله العزيز وهي غاية المحبين من المؤمنين “العارفين”: ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)) (الآية 53 من سورة النحل).
إنه لمن دواعي الاعتزاز أن تجد الباحث متقلبا بين الصواب والخطأ، وأن يعيش لحظات حيرة عقلانية تجعله يطمئن لإدراكه الذاتي التحديثي (حديث النفس) بأنانية، ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) (الآية 53 من سورة يوسف).. وهكذا يرفض كل ما سوى ذلك بكبرياء المنازعين المتعجرفين الظلاميين الجهل، وهو عبد كرها بعقله المؤتي، فينتج عن ذلك تيه وضلال بأنسنة تصوراته وآرائه تجاه الوجود والموجود، إنسيا ناسيا متغافلا بأن الإيجاد من الله، والإمداد والرشاد منه، وبأنه لا يمكن لنا أن نسعد بهم إلا بالعبودية.
وتبقى الإيديولوجية في حد ذاتها غطاء حاجبا لكل خير مولوي يحول دون التزين بالزخرفة من لدنه.. إنها شلوخات ذهنية قطعا قسما لزما غير قادرة البثة على إسعاد صاحبها، وهو بذلك يتخبط كأنه مغشيا عليه فاقدا بوصلته، ولكنه متمسك بلاأدريته المنعطبة، فيضل ويضل. طبعا وبكل تأكيد ينتج عن ذلك القول بمستقبلية الحداثة الغربية.
ألا يحق لنا أن نستمد بالله من ملك الأعضاء الذي ينبض فينا به سبحانه، القوة والتبصر ببصيرة قصد الرشد والرشاد بعد العتق من ظلامية الحداثة والتحديث لنهتدي بالأحاديث النبوية الشريفة الطاهرة الأديبة الكريمة الواعظة الصامدة، فتدلنا على الطريقة المحمدية حالا ومقالا بمؤتى لدني من العليم الحكيم الرشيد: ((قد تبين الرشد من الغي)) (الآية 256 من سورة البقرة).
بالمؤتى الخيري نتجه إليه في تنظيم الشأن الدنيوي لنسعد بنوره بإسلام إنساني قوامه حياة مفعمة بالعبادة والمعاملة، فالعبادة بين العبد وربه، والمعاملة بين العبد وأخيه في الله: ((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)) (الآية 6 من سورة الانفطار)، فالإنسان العاقل يتعامل بعبودية، وقد تفضي به العقلانية القلبية إلى مقام العبد الرباني بلا إله إلا الله.



