تحليل إخباري | الوزير المرفوض.. ومحاولة تأسيس دولة جديدة لا تعترف بحقوق الدفاع
إنكار حقوق المواطنين والمحامين يشل القضاء

رغم أنه محامي، والمغاربة يقولون “خوك في الحرفة عدوك”.. لم يكن أضخم اجتماع لمحاميي المغرب، احتضنه مسرح محمد الخامس بالرباط يوم السبت 21 شتنبر 2024، ليحرك أي شعرة في وزير العدل “المحامي” عبد اللطيف وهبي، رغم أن هذا الاجتماع كانت نقطته الفريدة هي الإجماع على “انتقاد سياسة وهبي” في مجال التشريع، وذلك على خلفية وقوفه وراء محاولة تمرير مشروع قانون للمسطرة المدنية.. وبقيت الاحتجاجات تكبر مثل كرة الثلج.. حتى تحول المغرب على مدى الأسبوعين الأخيرين إلى دولة “لا يملك فيها المواطن حق الدفاع”، ومعلوم أن القضاء لا يمكن أن يسير برجل واحدة، فكل من القاضي والمحامي هما ساقي العدالة اللذين لا يمكن أن تمشي بدونها.. أي وزير للعدل هذا؟ وأي محام هذا الذي لا يحركه تضامن 17 هيئة للمحامين فيما بينها، إلى درجة التوقف عن العمل؟ أي وزير هذا لا يحركه مئات المحتجين في الشوارع، وعشرات الهيئات المتضامنة فيما بينها داخل وخارج المؤسسات؟.. إنه نموذج للوزير الذي لا ينبع من شوارع النضال، ووجوده في المنصب هو تتويج لخطط خفية، تماما كما هو الحال عليه عند بقائه في الحكومة.. رغم زلاته وعثراته(..).
إعداد: سعيد الريحاني
اليوم أسدل الستار مبدئيا عن المواجهة التي تميزت بسابقة تاريخية أدت إلى شلل المحاكم، بعد تدخل البرلمان، حيث لم يحتج “المحامون” إلى انتخابات من أجل الدخول إلى البرلمان كبرلمانيين، بل إن خطورة الموقف عند أصحاب الحال(..)، هي التي جعلت كلا من رئيس لجنة العدل والتشريع ورئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلسي النواب والمستشارين، يتدخلان لـ”استدعاء” الطرفين، للنقاش داخل المؤسسات بدل الاستمرار في “إنكار حقوق الدفاع”، وهو الاجتماع الذي انعقد في يوم عطلة “الويكاند”، وصدر بعده بلاغ عام يوحي بأن المسألة تم طي الخلاف بشأنها، وقد تكون هذه أولى مؤشرات إقبار مشروع قانون المسطرة المدنية كما جاء به الوزير عبد اللطيف وهبي(..)، وقد جاء في البلاغ أنه ((تم الاتفاق على مأسسة الحوار بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، عبر تشكيل لجان موضوعاتية بين الطرفين، لتدارس مشاريع القوانين المطروحة وفق جدول أعمال متفق عليه، وتوثيق أشغال هذه اللجن بمحاضر يرجع إليها عند الاقتضاء))، وأضاف البلاغ ذاته بأنه ((سيتم فتح حوار حول باقي القضايا التي تعهد الوزير بمواكبتها مع الجهات المعنية، والشروع في عقد أولى اجتماعات اللجن الموضوعاتية ابتداء من يوم الإثنين 11 نونبر 2024)).
نفس الاتفاق، الذي يؤرخ عمليا لهزيمة وهبي أمام زملائه في المهنة، جاء فيه أنه ((بعد نقاش صريح وبناء دام عدة ساعات، أحاط بجميع القضايا التي تهم مشاريع القوانين المرتبطة بالعدالة ومهنة المحاماة وقضاياها، أكد خلالها وزير العدل على أهمية ومكانة مهنة المحاماة ووضعها المحوري داخل منظومة العدالة، وكذا على أهمية المقاربة التشاركية في تنزيل البرامج الإصلاحية، بما فيها المرتبطة بالمجال التشريعي، كما أكد رئيس الجمعية على انخراط هذه الأخيرة بالمساهمة الفعالة والتعاون مع وزارة العدل)).
لماذا لم يعتمد وزير العدل على المقاربة التشاركية منذ البداية؟ لماذا تجاهل المحامين وفئات أخرى يمكنها أن تساعد في وضع مشروع قانون المسطرة المدنية في سكته الصحيحة؟
إن ما حصل عمليا هو “تجاهل” وزير العدل لكل الفئات، بسبب اعتقاده بأن تمرير أفكاره في البرلمان حيث توجد الأغلبية، التي تصطف بشكل أعمى وراء رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يمكن أن يجنبه كل المتاهات، فكان غياب الحس السياسي لدى الوزير، رغم أنه محامي، سببا في “كارثة قضائية” كانت مرشحة لتصير أكبر.. لولا تدخل البرلمان.

قد يقول قائل إن المحامين ربما يحاولون لي ذراع زميلهم بحكم التنافس المهني، ولكن الأمر ليس كذلك عندما تسمع دفوعاتهم، وواحد منهم، المحامي النشيط ونقيب هيئة المحامين في الرباط، عبد العزيز الرويبح، قال إن “المعركة” كانت بشكل متدرج، وكانت عبر مراحل، ابتدأت باجتماع 6000 محامي في مسرح محمد الخامس بالرباط، و”لكن كنا كمن يصب الماء في الرمل قبل أن ننتقل إلى المستوى الآخر، وهو التوقف عن الصناديق، دون أن يحصل أي جديد، بل العكس، كلما أرسلنا رسائل وفق دولة المؤسسات تتم مواجهتنا بخطاب لا يعطي للمؤسسات ولمهنة المحاماة القيمة التي تستحق”.
الرويبح، الذي حل ضيفا على اتحاد الصحفيين المغاربة، يوما واحدا قبل الاجتماع بوزير العدل، في ندوة ترأسها الزميل مصطفى البحر، أوضح أن موقف المحامين الذي أدى إلى شلل في المحاكم “ليس إضرابا”.. فـ((هذا ليس إضرابا، نحن لسنا مأجورين، نحن بصدد تجميد لمهام الدفاع))، وقال أيضا: ((نحن ليست لدينا مطالب، بل لدينا مشكلات كبيرة، لأن الأمر لا يعنينا في العمق بمفردنا، هذا مشكل المواطنين والمتقاضين.. و10 في المائة منه (يقصد مشروع المسطرة المدنية) تشكل خطورة على المتقاضين في 8 أو 10 فصول، فلماذا نضحي بتراث قضائي؟ نتمنى أن نجد حلا ونحن مرابطون، ونحن نستحضر ما يتعلق بالمواطن والمواطنة.. وفي جوابه على بعض الإشارات التي قالت بأن توقف المحامين انعكس على حقوق المواطنين، قال الرويبح إن توقفنا لمدة أسبوع أو أسبوعين، ليس شيئا، مقارنة مع هذا المشروع الذي سيرهن البلاد عشرات السنين وسيرهن الأولاد والأسر .. نحن نختار بين الرنداء والنار واختيارنا هو الدفاع عن المتقاضي)).. هكذا تحدث الرويبح في ضيافة اتحاد الصحفيين المغاربة.
مشكلة وزير العدل، الذي تأججت الاحتجاجات بعد بقائه في الحكومة، وقد كانت بعض الفئات تراهن على “إعفائه” للانتقال إلى الحوار مع وزير آخر، لا تكمن فقط في تجاهله للمطالب على أرض الواقع، بل تكمن في تجاهله للدفوعات القانونية التي كان يقدمها زملاؤه في المهنة، ومنها عشرات المقالات التي كانت تجيب عن سؤال لماذا إضراب المحامين، وقد فسرها واحد منهم – وكما يقولون أهل مكة أدرى بشعابها – ويتعلق الأمر بالقاضي سابقا والمحامي الحقوقي حاليا، محمد الهيني، الذي شرح كيف أن مشروع وهبي يتعارض مع الاختيار الديمقراطي في الدستور، بل ويتعارض مع المواثيق الدولية.
ويقول الهيني، في مقال رأي خاص به، بأنه يمكن إجمال المقتضيات غير الدستورية في هذا المشروع، التي تشكل فضائح تشريعية وحقوقية بكل المقاييس، والتي تمس بحق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، وتحدث تمييزا بينهم بحسب الظروف المالية أو الشخصية، أو حسب المركز الاجتماعي أو المالي، ناهيك عن مخالفة قواعد المساواة وعدم التمييز بين المواطنين والإدارة باستحداث قواعد تمييزية للإدارة تجاه المواطنين دون ضابط موضوعي، مما سيشكل انتكاسة دستورية تحرم المواطنين من اللجوء لقاضيهم الطبيعي، (يمكن إجمالها) في:

1) فرض غرامات ثقيلة على ما سمي بالتقاضي بسوء النية، مع أن الأصل هو حسن النية، مما يبين أن هناك نظرة متخلفة تجاه حق التقاضي كحق دستوري مضمون وحق حضاري يمنع من اقتضاء الحقوق بالنفس أو العنف، وبالتالي، فإن واضعي التشريع يعتبرون لجوء المواطنين للقضاء ترفا أو تعسفا يتعين مقاومته عوض حمايته، وهو اتجاه غريب عن كل النظم القانونية الوطنية أو الدولية، لأنه نتاج الأنظمة الشمولية التي لا تحبذ حق التقاضي وتفضل إغلاق المحاكم وتتعامل مع المواطنين كطفيليين على العدالة وليس مواطنين أصحاب حق وجب احترام كرامتهم وصون حقوقهم في اللجوء الطبيعي للعدالة دون أي عائق يذكر؛
2) فرض غرامات ثقيلة على إثارة أي دفع بعدم القبول يعتبره القاضي أو المحكمة غير وجيه؛
3) تصوير المحكمة أو القاضي كعدو للمتقاضي وليس حكما، إذ نصب كخصم لكل متقاض بإمكانية إثارته تلقائيا للتعسف في رفع الدعوى، في حين أن المطلوب، افتراض حياد القاضي وحماية الحياد، وليس خلق الصراعات والشبهات والتشنجات بين المتقاضين والقضاء؛
4) فرض غرامات على ممارسة طعون خاصة، كإعادة النظر والتعرض الخارج عن الخصومة، وتجريح القضاة ومخاصمتهم، مما يفسر الرغبة في مواصلة التضييق على اللجوء إلى القضاء ودفع المواطنين إلى عدم التفكير في ممارسة المساطر القضائية وكأنها جريمة وليس حقا واجب الحماية؛
5) إحداث حصانة غير دستورية لبعض الأحكام والقرارات من الاستئناف والنقض، ومنع الطعن فيها بحسب مبالغ معينة، وهو تمييز للمتقاضين فيما بينهم حسب مركزهم المالي أو الاجتماعي والاقتصادي، وهذا أمر مخالف للدستور وللاتفاقيات الدولية؛
6) إحداث حصانة غير دستورية للقرارات القضائية الاستئنافية الباتة في شرعية قرارات الإدانة بالمنع من نقضها ضدا على مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 118 من الدستور الذي يمنع تحصين أي قرار إداري من الطعن؛
7) إحداث حصانة غير دستورية للطعن في قرار القاضي بتغريم المتقاضي عن الإخلال بواجب احترام المحكمة، حيث يعتبر القرار نهائيا وغير قابل للطعن بصرف النظر عن عدم مشروعيته؛
8) إحداث استثناءات غير دستورية لقاعدة أن النقض يوقف التنفيذ، بحيث إن الدولة وإداراتها العمومية والجماعات المحلية وشركات الدولة.. لا يمكنها تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عليها لفائدة المواطنين إلا بعد صدور قرار محكمة النقض، في حين أن القرارات الصادرة ضدها لفائدة المواطنين تنفذ بمجرد صدور القرارات الاستئنافية أو الأحكام الابتدائية غير المطعون فيها، وهذا مس بقاعدة المساواة بين الإدارة والمواطنين وفقا للفصل السادس من الدستور، وإحداث تمييز غير مقبول؛
9) إلزام المتقاضين بتنصيب المحامي في المساطر الكتابية في الوقت الذي تعتبر الإدارة في حل من الاستعانة بمحامي، وهذا خرق لحقوق الدفاع المضمونة دستوريا ولمبدأ المساواة بين المواطنين والإدارة؛
10) منح النيابة العامة سلطة إلغاء الأحكام خارج القواعد الدستورية ودون التقيد بقاعدتي الأجل أو الحضور في الخصومة، في خرق سافر لدولة الحق والقانون والمشروعية، وفي انتهاك للفصل 126 من الدستور، القاضي بإلزامية تنفيذ الأحكام، رغم أن النيابة العامة تملك ممارسة طعون مماثلة لا شائبة حولها، وهي الطعن لفائدة القانون، والطعن بإلغاء الأحكام لتجاوز سلطاتهم، وهي طعون كافية لحماية النظام العام؛
11) منح الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صلاحية طلب إلغاء الأحكام خارج القواعد الدستورية، لأن مبدأ استقلال القضاء وفقا للفصل 107 من الدستور، يحظر على الرئيس التدخل في عمل القضاة وممارسة أي طعن قضائي كيفما كان نوعه، لأن رئاسته للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تفترض توفير الضمانات الدستورية للقضاة والمتقاضين وليس الانتصاب كطرف في الدعاوى والطعون، والجمع بين صفة الطرف والحكم، أي خصما وحكما في الوقت نفسه، في أول سابقة من نوعها.
كل الملاحظات السابقة، هي ملاحظات أدرجها الأستاذ محمد الهيني، باعتبارها خروقات دستورية، وربما يتفق معه الجميع في ذلك، حتى عندما يقول عن مشروع قانون المسطرة المدنية: “الخلاصة أننا أمام تشريع الأمية والجهل، تشريع لا يفقه قواعد قانونية ولا دستورية ولا أبجديات التشريع، ويمتح من التعسف والعداء للمواطن، وهو بذلك يهين كرامة المواطنين ويهدر حرياتهم وينتهك أسس دولة الحق والقانون التي أساسها الشرعية وسيادة القانون، وليس تبخيس حقوق المواطنين واعتبارهم متطفلين على العدالة بتشريعات غير حضارية وبليدة ولا علاقة لها بالمكتسبات الحقوقية التي راكمها المغرب عبر التاريخ” (المصدر: مقال محمد الهيني تحت عنوان: لماذا إضراب المحامين؟).
هل يخدم الوزير عبد اللطيف وهبي أجندة معينة؟ هل هو مجرد خطأ؟ هل سيلتقط الإشارة، أم أنه يبحث عن شيء آخر(..)؟ مهما كان الجواب، فإن التشريع بهذه الطريقة الانفرادية يشكل خطرا كبيرا على المؤسسات، لأنه مستفز لبعض الفئات الخطيرة في أساليبها النضالية(..)، وها هو محامي مقتدر وعلى دراية يحذر “من محاولات إعادة صياغة مهنة المحاماة وفقا لأجندات معينة”، مؤكدا أن “المحامين المغاربة سيظلون قوة مؤثرة في حماية حقوق المواطنين وحماية المكتسبات القانونية والدستورية في البلاد”، كما يقول: “لا يمكن لأي كان، وتحت أي شعار كان، ولأي غاية تكون، ولأي مستقبل يريد، أن تبنى المحاماة وفق ما يريد.. أقول لهم من الآن بأنهم واهمون، وكفى”.. هكذا تحدث المحامي والخبير السياسي، والزعيم الاستقلالي امحمد الخليفة، الذي أكد أن المحامين لعبوا دورا رئيسيا بعد الاستقلال في بناء الدولة، حيث كانوا من أبرز المؤطرين للأحزاب السياسية والمساهمين في تشكيل الحكومة الأولى (المصدر: تصريحات امحمد الخليفة لموقع “العمق”).



