ملف الأسبوع | دروس الحسن الثاني في قضية لبنان
الملك الذي كان يعرف خبايا الشرق الأوسط

شكلت الحروب التي وقعت في الشرق الأوسط دائما محط اهتمام المغرب، ولا شك أن ما يقع اليوم في غزة ولبنان يحظى بنفس الاهتمام، وقد كان الحال كذلك منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث سجل المغرب مواقف خلال كل الحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان خلال القرن الماضي، ويهدف هذا الملف إلى العودة للاجتياح الإسرائيلي للبنان خلال سنة 1978 وهي التي تعرف بعملية “الليطاني”، ثم اجتياح 1982 التي تعرف باسم “سلام الجليل”، ومواقف المغرب منهما..
أعد الملف: سعد الحمري
الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978.. يوم حمل الملك الحسن الثاني المسؤولية للجيش السوري واللاجئين الفلسطينيين
كان أول اجتياح إسرائيلي للبنان خلال شهر مارس من سنة 1978، كرد فعل على عملية “كمال عدوان” التي شنتها المقاومة الفلسطينية انطلاقا من لبنان.. يومها وضعت إسرائيل كهدف لها القضاء على المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان وإقامة منطقة عازلة، وقد عرفت العملية العسكرية التي أطلقتها إسرائيل بعملية “الليطاني”، أسفرت عن مقتل 18 جنديا إسرائيليا وجرح 113، واستشهاد حوالي 300 مقاتل فلسطيني، كما استشهد نحو 1100 مدني لبناني وأصيب أكثر من 2000 آخرين، ونزح ما بين 100 ألف و250 ألف شخص من منازلهم، مع العلم أن لبنان كان يرابط فيها الجيش السوري منذ سنة 1976 ولم يحرك ساكنا خلال العملية.
وكان المغرب بالموازاة مع هذه العملية العسكرية، يخوض حروبا عسكرية ودبلوماسية متعددة الجبهات.. فقد كانت الحرب في الصحراء في قمة أوجها، إلى جانب دعم المغرب الصريح والبلد العربي الوحيد لزيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل وإلقائه خطابا أمام الكنيست، كما دعم المغرب إقامة علاقات دبلوماسية بين مصر وإسرائيل كجزء من مبادرة السلام في الشرق الأوسط، وإلى جانب كل هذا، أرسل الملك الحسن الثاني تجريدة من القوات المسلحة الملكية إلى الكونغو الديمقراطية من أجل القتال إلى جانب نظام الحكم هناك وإنقاذه من المد الشيوعي الذي كان يجتاح إفريقيا.
انتظر الملك الحسن الثاني حتى شهر يونيو من عام 1978، عندما بدأت القوات الإسرائيلية في الانسحاب من لبنان، واستقبل مدير جريدة “السياسة الكويتية” يوم 16 يونيو 1978، عندها طرح عليه المحاور سؤالا حول الوضع في لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، وكان السؤال كالتالي: “يا جلالة الملك، كيف ترى الوضع الآن بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان؟” فأجاب الملك بالآتي: ((أراه كما تراه وكما تصوره الصحف، مأساة حقيقية، فكلما انفرجت مصيبة في جهة إلا وحلت مصيبة أخرى في جهة أخرى، فحين وقع الانفراج في الجنوب اللبناني بدأت المشاكل في الشمال، وعندما تصفى المشاكل في الشمال ستنتقل إلى الوسط.. وهكذا، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى عنصرين هما وجود الفلسطينيين بالكيفية التي هم عليها، ووجود الجيش السوري، فما دام الجيش السوري لم يخرج من لبنان فلا أعتقد أن لبنان سيعرف الراحة، فخروج الجيش السوري من لبنان عنصر أولي وأساسي، وما دام أنه يرابط في لبنان فسيبقى موضع المنافسة، منافسة العراقيين، منافسة الليبيين، منافسة عدة عناصر، فوجوده هناك مدعاة للمصاعب والمشاكل التي تصيب لبنان، وعلى هذا، فإن انسحاب الجيش السوري يشكل عنصرا من العناصر المهمة جدا لرجوع الأمن إلى نصابه في لبنان)).
وفي تلك المرحلة، كان هناك سؤال مطروح حول عدم دعم العرب للبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي، خصوصا وأن كلا من سوريا والأردن شهدت مظاهرات قوية منددة بعدم دعم أنظمتها وخاصة للجيش السوري، الذي كان مرابطا في لبنان، ولم يكن المغرب بعيدا عن هذه الانتقادات، حيث وجهت للمملكة انتقادات حول كيف يسمح المغرب لنفسه بإرسال قوات عسكرية للدفاع عن الكونغو الديمقراطية وعدم الاهتمام بلبنان، وكان هذا موضوع سؤال طرحه المحاور على الملك، كان كالتالي: “هناك في العالم العربي من يرى أن وجودكم العسكري في إقلیم شابا هو مساهمة مجانية من المغرب لفائدة القوى الكبرى، وأنه ليست له أي فائدة بالنسبة للقضايا العربية أو القضايا الإقليمية؟”، فأجاب الحسن الثاني على هذه الإشكالية بالقول: ((المهم أن يعرف المشارقة، سواء كنا عمالقة أو كنا أقزاما، أن عملنا في الزايير يستهدف حماية المشارقة والدفاع عنهم كما دافعنا أيام السعديين في موقعة وادي المخازن، ومخازن القرن العشرين هي الزايير، لأن للزايير حدودا مشتركة مع السودان، وللسودان حدود مشتركة مع مصر ويمكن أن نقول أن للسودان حدودا مشتركة مع المملكة العربية السعودية بواسطة ثلاثين كيلومتر من البحر، وبذهابنا إلى الزايير، سواء كنا عمالقة أو أقزاما، ذهبنا لحماية الشرق)).
وبعد ثلاثة أشهر من هذا اللقاء، عقد الملك لقاء مع مجلة “الوطن العربي”، يوم 19 شتنبر 1978، يومها طرح سؤال استمرار تدهور الأوضاع في لبنان رغم انسحاب الجيش الإسرائيلي، وفي ختام اللقاء الصحفي خصص المحاور السؤال الأخير للوضع في لبنان، حيث سأل الملك: “من في اعتقادكم يتحمل مسؤولية استمرار تدهور الأوضاع في هذا البلد العربي الجريح؟”، فكان جواب الحسن الثاني بـ: ((أولا، أعتقد شخصيا أن المسؤولين الأساسيين في هذا هم اللبنانيون أنفسهم. لنفرض أنهم لم يخلقوا الظروف للحالة التي هم فيها، ولكن حينما فرضت عليهم تلك الظروف فكأنهم وجدوا ما كانوا يتمنونه.. إنهم لم يقوموا بأي عمل أو أي محاولة وطنية لوضع حد للظروف والأحداث التي يعيشها لبنان، بل أصبحوا يصرحون بأنهم هم أصحاب المؤامرة التي كانت تحاك ضدهم لتقسيم لبنان، وليس أصحابها الأجانب الذين يريدون تقسيم لبنان، فالمسؤولون الرئيسيون على ما أعتقد، هم اللبنانيون اللبنانيون.. إن الشعب اللبناني ككل شعب إذا أراد شيئا لا بد أن يصل إليه، ولكني أعتقد أن اللبنانيين لم يريدوا وضع حد إلى الآن للحالة التي يعيشونها))، وتابع الملك حديثه قائلا: ((ثانيا، مما لا شك فيه أن العنصر الفلسطيني العسكري والعنصر السوري العسكري، ليس من شأنهما أن يسهلا وجود الحل، أو تبريد الجو، أو تسكين الخواطر.. فهذا كله يجعل من لبنان ولو أصبح السلم بين العرب وإسرائيل مخيما على المنطقة، سيجعل منه ذلك الطابور الخامس الذي هو خصم لجميع الدول في المنطقة، لأنه سيصبح دائما مدعاة للقلق، وسنعتبره كأنه قنبلة معلقة دائما في جسد تلك المنطقة.. ونصيحتي إلى اللبنانيين أن يتداركوا الوضع، لأنهم هم الذين كانوا يضرب بهم المثل في الاستقرار وفي الروح الديمقراطية وفي التعايش، فقد كانت قلوب العرب تهوى إليهم دائما، وكانوا قبلة الأنظار وقبلة الزوار، فإذا لم يتداركوا الوضع ويحلوا مشاكلهم بأنفسهم، فسيصبحون عدوا لجميع دول المنطقة التي تريد السلم ولا تريد قنبلة بجانبها.. هذه نصيحتي)).

اجتياح 1982.. حين عقد العرب مؤتمر القمة العربية الاستثنائي بفاس
لم يهدأ الوضع إلا أربع سنوات حتى بدأ الحديث، مع مطلع سنة 1982، عن إمكانية مهاجمة إسرائيل للبنان، كما كان الحديث يدور حول إمكانية إيفاد تجريدات عربية للبنان، وكان من المنتظر أن يناقش مؤتمر القمة العربية لسنة 1982، الذي كان مقررا له أن يكون في مدينة فاس، هذا الأمر، ويوم 29 يناير 1982 عقد الملك الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا بمدينة باريس، يومها طرح عليه مندوب إذاعة “فرانس أنتير” سؤالا جاء بالصيغة التالية: “لقد لمحتم إلى أن مشكلة لبنان من الموضوعات التي ستطرح خلال مؤتمر قمة فاس، هل تشاطرون الرأي القائل أن المشكل اللبناني ينحدر خاصة من وجود القوات الثلاث غير اللبنانية فوق التراب اللبناني؟ وهل سيقتصر مؤتمر فاس على دراسة وجود إحدى هذه القوات وأعني بها القوات الإسرائيلية؟”، فأجاب الملك: ((في هذه الحالة إذن، سبق لساني عندما قلت إن مشكلة لبنان ستدرس خلال مؤتمر القمة، كلا، إن هذه القضية قد حلت، لكنني أود الإجابة عن سؤالكم: إنه بإمكان الجامعة العربية، قبل القمة أو خلال القمة، أن تقرر ما إذا كان يتعين إرسال تجريدات من قبل بعض الدول غير التي توجد حاليا بعين المكان، لكي يتنوع الوجود العربي، وأكثر أننا لم نبلغ رسميا بذلك، لكن وقع إشعارنا بهدف حملنا على الإدلاء بموقفنا، وقد قررنا الرد بالإيجاب فيما يتعلق بالمغرب، وإن اقتضت الضرورة إيفاد تجريدات عربية للبنان فإن المغرب سيوفد كل ما يلزم إيفاده)).
غير أنه بحلول شهر يونيو من سنة 1982، استعرت نار حرب جديدة، وهي التي أطلقت عليها إسرائيل اسم عملية “سلام الجليل”.. فقد استغل الكيان الصهيوني تعرض سفيره في لندن، شلومو أرغوف، لمحاولة اغتيال يوم 3 يونيو 1982 على يد مجموعة تابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، فاستخدمت إسرائيل هذه المحاولة ذريعة لاجتياح لبنان، ووضعت كهدف لها القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وبنيتها في لبنان، وإعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة لصالح إسرائيل، واستمرت الحرب إلى شتنبر من السنة نفسها، حيث انعقدت القمة العربية الاستثنائية بفاس يوم 6 شتنبر، وكان من أهم ما جاء في البيان الختامي: ((إقرار مشروع السلام العربي مع إسرائيل، وأهم ما تضمنه: انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وإزالة المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي التي احتلت بعد عام 1967 وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتعويض من لا يرغب بالعودة، ثم الإدانة الشديدة للعدوان الإسرائيلي على الشعبين اللبناني والفلسطيني)).
ويوم 10 شتنبر من نفس السنة، عقد الملك الحسن الثاني ندوة صحفية بعد نهاية أشغال مؤتمر القمة العربية الاستثنائية، وكانت الأسئلة كثيرة حول لبنان، ومن الأسئلة التي طرحت عليه: “صاحب الجلالة، ما هي الحظوظ التي يتوفر عليها العالم العربي حاليا والتي من شأنها أن تمكنه من ممارسة ضغوط في حالة ما إذا استمرت إسرائيل في نهج سياسة تحدي القرارات العربية والدولية؟”، فأجاب الملك بأن ((الحظوظ التي يتوفر عليها العرب متعددة: أولا: أعمال الإبادة التي قامت بها إسرائيل، إن ما جرى في لبنان كان كافيا للتحرر من كل أنواع القيود التي كانت تتحكم في مسار أجهزة الإعلام، وخاصة في التلفزة والصحافة الأمريكية، ولم يسبق للصحافة والتلفزة أن تحررت من قيود الرقابة الصهيونية مثلما وقع بالنسبة لقضية لبنان. والحظ الثاني هو أن إسرائيل خسرت حربها أولا: فقد خسرتها عسكريا، ذلك أن أي حرب لا تمكن من السيطرة على الأرض واحتلالها لا تعتبر حربا رابحة من الوجهة العسكرية، كما أن إسرائيل خسرت الحرب سياسيا أيضا، لأن القصف الأعمى للمدنيين والنساء والأطفال والكهول أمر لا يقبله الرأي العام الدولي. ثالثا: إن الأمر لم يعد يتعلق بالحروب الخاطفة التي كانت تقوم بها إسرائيل لمدة ست ساعات أو ستة أيام.. فقد استغرقت هذه الحرب شهرين ونصفا، هذا فيما يخص إسرائيل، وفيما يخص العرب، فإنهم يطالبون بانسحاب إسرائيل من التراب اللبناني وهذا أمر طبيعي، غير أن العرب لم يقفوا عند هذا الحد، فقد صادقوا على برنامج في ثمان نقط ينص على أن مجلس الأمن يضمن سلامة وبقاء جميع دول المنطقة.. إنها خطوة عظيمة، إذ أنه لأول مرة تقبل الدول العربية بصفة جماعية أن تسهر أعلى هيأة دولية على ضمان التعايش الدائم بين جميع دول المنطقة.. إن حظ الدول العربية هو أن إسرائيل مستمرة في تعنتها لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وإقامة المستوطنات، إذن، فإن عمل إسرائيل المنفرد هو عمل سلبي تماما، وإن مبادرة العرب الإيجابية المتمثلة في برنامجهم وإرادتهم في السير نحو البحث عن تسوية تجمع حتى متناقضات الطرفين المعنيين، تظهر أن هناك وسائل لممارسة ضغوط سياسة لا يستهان بها وستعطي أكلها. طبعا ليست هناك حلول معجزة، إن هذا يشبه إلى حد ما ملصقة الإشهار حيث هناك مطرقة وسندان، ولهذا يجب التحلي بالصبر للوصول إلى الإقناع)).
وبعد انتهاء قمة فاس، قام الملك الحسن الثاني بخطوة عملية من أجل إخراج الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، حيث زار واشنطن على رأس وفد يمثل جامعة الدول العربية، من أجل بحث مبادرة السلام العربية، ويوم 23 أكتوبر 1982، عقد مؤتمرا صحفيا بواشنطن، يومها طرح عليه أحد الصحفيين السؤال التالي: “جلالة الملك، هل ترك الرئيس ريغن لدى جلالتكم ووفد الجامعة العربية المرافق لكم الانطباع بالنسبة للحدود التي يريدكم أن تعتبروها في التفاوض مع إسرائيل؟ هل هي حدود تلك الدولة التوسعية التي أخذت لبنان، وأخذت الضفة الغربية وقطاع غزة، أم هل ترك لديكم الانطباع بأن إسرائيل نفسها تريد أن تعيش مع الدول العربية والفلسطينيين بسلام؟”، فأجاب الملك بالتالي: ((قبل كل شيء، حينما قررنا المجيء إلى واشنطن، حملنا معنا وثيقتين اثنتين: مشروع الرئيس رونالد ریغن، ومقررات مؤتمر قمة فاس، وليس في أي من الوثيقتين ما يقول بأنه ينبغي أن تحتفظ إسرائيل بالحدود التي تحتلها حاليا، بل وعكس ذلك، فإن وثيقة الرئيس ريغن أكثر وضوحا في الباب، فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية يتعلق الأمر بإعادة السيادة إلى الأراضي التي احتلت بالقوة، إذن، فالمسألة المتعلقة بالحدود الصغرى، والحدود الكبرى، والمتعلقة بقابلية التمدد الجغرافي، غير موجودة، ومن جهة ثانية، إذا كنا قد خرجنا بأي انطباع من الرئيس ريغن وإدارته وحكومته، فهي الرغبة الصادقة في بدء عملية السلام بأسرع ما يمكن، ويكمن موقفنا – أمريكيين من جهة وعربا من جهة أخرى – في التقريب قدر الإمكان ووضع أكثر ما يمكن من الجسور بين موقف إعلان الرئيس ریغن والموقف العربي المنبثق عن مقررات مؤتمر قمة فاس، وكيفما كان الوضع، فقد أعلنت يوم وصولي باسمي وباسم الفريق – إنني لا أفضل تسمية البعثة، إنه فريق، فريق سينتصر مع الجميع وليس ضد أحد – أننا لم نحضر خلال هذه المرحلة الأولى للتوقيع أو للتفاوض، حضرنا لتقديم شروح وطلب أخرى، ونتمنى أن نكون قد أرحنا في شرحنا واسترحنا فيما استمعنا إليه من شروح، وأظن أنه كان ولا بد من خلاصة عن نشاط يوم الجمعة الذي قضيناه جميعا مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ومع كاتب الدولة في الخارجية، وبعد ذلك مع نائب الرئيس الأمريكي، يمكننا القول: إن التواصل قد حصل، وأن التفاهم قد تم بين الجانبين، وإننا عائدون بأمل كبير)).



