الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اتفاق “شروط الخزيرات”

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 87"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

ميثاق الجزيرة

تتمة المقال تحت الإعلان

    أكدت مقدمة ميثاق الجزيرة سيادة السلطان وتمامية بلاده، والحرية الاقتصادية لجميع الدول دون تمييز، ويتألف الميثاق من 123 مادة ويشمل:

1) تصريح يتعلق بتنظيم البوليس من المادة 1 إلى 12: ينص على تنظيم بوليس لا يزيد عن 2500 ولا يقل عن 2000 في الموانئ المفتوحة للتجارة، ويكون البوليس تحت سلطة السلطان يساعده عدد من الضباط الفرنسيين والإسبان يتراوح عدد كل منهم بين 17 و20 ضابطا، ومن ضباط فرنسيين وإسبان يتراوح عدد كل منهم 30 و40 ضابط صف، ويخضع تعيينهم لموافقة السلطان ويكون لمدة خمس سنوات، ويقدم بنك الدولة الأموال اللازمة لنفقات البوليس كسلفة، ويخضع تنظيم البوليس لتفتيش عام من قبل ضابط كبير سويسري يقدم تقاريره للمخزن، ويقدم نسخة أخرى للسلك الدبلوماسي، ويكون البوليس مختلطا في طنجة والدار البيضاء، وإسبانيا في تطوان والعرائش، وفرنسا في باقي الموانئ.

2) نظام يتعلق بمراقبة ومنع تهريب الأسلحة، مؤلف من 18 مادة، من المادة 13 إلى 30: يقضي بمنع إدخال وتجارة الأسلحة الحربية والذخائر والمواد المستخدمة لهذه الأغراض، وبتقييد إدخال أسلحة الصيد والزينة (لوكس) ولوازمهما، ومصادرة الأسلحة والمواد الحربية الممنوعة، وفرض الغرامات والعقوبات على الفاعلين وشركائهم، وتشترك السلطات الجمركية المغربية مع السلطات القنصلية في تفتيش السفن المشتبه بها وحجزها، ويحتفظ المخزن بالأسلحة المصدرة إما لاستعماله الخاص أو بيعها لحسابه، وتقوم فرنسا وإسبانيا بمنع التهريب على حدود ممتلكاتها.

3) ميثاق يتعلق بإنشاء بنك دولة، من 17 مادة (31-58): يقضي بإنشاء بنك دولة بإذن من السلطان لمدة 40 سنة، يمارس كل العمليات التي هي من اختصاص البنوك، وله امتياز خاص بإصدار السندات لحاملها تدفع لدى إبرازها ولها قوة إبرائية في الخزائن العامة للسلطنة المغربية، ولهذا البنك الحق وحده من دون أي مؤسسة مالية أخرى في أن يقوم بدور الخازن الصراف للسلطنة، وهو المعتمد المالي للحكومة داخل المغرب وخارجه مع احتفاظ الحكومة المغربية بحق الالتجاء إلى مؤسسات مالية أخرى للحصول على قروض عامة، على أن يتمتع هذا البنك بحق الأفضلية في حالة تساوي الشروط، ويقدم البنك اعتمادات للإنفاق على البوليس وعلى الأشغال ذات النفع العام بفائدة لا تتجاوز 7 %، ويتخذ البنك الوسائل اللازمة لتحسين الوضع النقدي، وتمارس الحكومة المغربية رقابتها على البنك بواسطة مندوب سام تعينه بعد اتفاق مسبق مع مجلس إدارة البنك، ويدار البنك بحسب القانون الفرنسي، ويرفع البنك الدعاوى إما أمام محكمة قنصلية أو أمام القضاء المغربي، أما الدعاوى المقامة على البنك، فتنظر أمام محكمة خاصة مكونة من ثلاثة قضاة قنصليين ومعاونين، ويطبق التشريع الفرنسي ويجري الاستئناف في لوزان، ويبت في الخلاف بين البنك والمخزن أو بين المساهمين والبنك أمام محكمة لوزان.

ويدير البنك مجلس إدارة مؤلف من أعضاء بحسب نسبة الحصص في الرأسمال الأصلي، ولكل من البنك الإمبراطوري الألماني وبنك إنجلترا وبنك إسبانيا وبنك فرنسا أن يسمي بموافقة حكومته رقيبا لدى بنك الدولة لمدة 4 سنوات، ويشرف هؤلاء الرقباء على حسن سير البنك ويتحققون من دقة مراقباته لشروط الامتياز والأنظمة، ويسهرون على دقة تنفيذ الأوامر المتعلقة بإصدار السندات وتحسين الوضع النقدي، ولكن ليس بإمكانهم أن يتدخلوا في سير الأعمال، وتتألف لجنة خاصة لوضع أنظمة البنك وتحديد مقدار الرأسمال الذي لا يقل عن 15 مليون فرنك ولا يزيد عن 20 مليونا، ويمكن فيما بعد زيادة هذا الرأسمال مرة أو عدة مرات بقرار من الجمعية العامة للمساهمين.

4) تنظيم الضرائب وإيجاد عائدات جديدة، من 18 مادة (59-76): ينص على دفع الأجانب ضريبة الترتيب مقابل حصولهم على ملكيات في كل المغرب بعد موافقة السلطان – ما عدا الموانئ المفتوحة للتجارة والمناطق الواقعة على بعد 10 كلم منها – وكذلك القصر الكبير وأصيلا وأزمور والمناطق الواقعة على بعد 2 كلم منها، إذ يحصل على ملكية دون الحاجة إلى إذن من السلطان، ووافق المؤتمر على إمكانية فرض رسم على المنشآت في المدن على الأهالي والأجانب دون تمييز على أن ينفق جزء من هذه الرسوم على تحسين المدن، ويسجل المؤتمر اقتراحات الوفد المغربي بخصوص إيجاد رسوم على بعض التجارات والصناعات والحرف، وإذا رأى السلك الدبلوماسي – بعد تطبيق هذه الرسوم على المغاربة – أن هناك مجالا لتشمل الرعايا الأجانب، فإنه ينص منذ الآن على أن هذه الرسوم ستكون رسوما بلدية محضة.

ووافق المؤتمر على وضع رسوم الطوابع على العقود والصكوك، وعلى نقل الملكية، ورسوم الإحصاء والأوزان على البضائع المنقولة بواسطة الملاحة الساحلية، وعلى جوازات السفر بالنسبة للمغاربة، ووافق على إمكان فرض رسوم على الأرصفة والمنارات تخصص لتحسين الموانئ، وأقر مؤقتا وضع رسم خاص على البضائع التي من أصل أجنبي عند دخولها المغرب يصل إلى 2.5 من قيمة البضاعة الأصلية على أن يخصص للإنفاق على الأشغال العامة المخصصة لتطوير الملاحة والتجارة عامة، وأبدى المؤتمر رغبته في إنقاص رسوم التصدير بالنسبة للحمص والذرة والشعير والحنطة وزيادة عدد الأبقار المصدرة.

ووافق المؤتمر على احتكار الكيف والأفيون على أن يسمح باستيراد الأفيون لأغراض طبية بإذن من المخزن وبناء على طلب المفوضية التي ينتمي إليها الصيدلي أو الطبيب المستورد، وسجل المؤتمر رغبة المخزن في احتكار التبغ على أن يعوض الأجانب عن الأضرار اللاحقة بهم، ويمكن تعديل هذه الشروط باتفاق بين المخزن والسلك الدبلوماسي.

5) نظام الجمارك ومنع تهريب البضائع، من 28 مادة (77-104): يقضي بأنه على كل سفينة أن تكون مزودة ببيانات يطلع عليها رجال الجمرك، ويفرض غرامات على تأخير تقديم البيانات أو على البيانات غير الصحيحة، وتصادر البضائع لصالح المخزن إذا كانت البيانات مغشوشة.

وفرضت عقوبات على محاولة تهريب البضائع، وأوجدت لجنة تقييم جمركية مؤلفة من ثلاثة أعضاء يعينهم المخزن وثلاثة أعضاء يعينهم السلك الدبلوماسي ومندوب من بنك الدولة وموظف عن مفوضية القرض المغربي 1904، وتستعين هذه اللجنة بأعضاء فخريين من المقيمين في المغرب، كما أوجدت لجنة أخرى دائما باسم لجنة الجمارك، مؤلفة من مفوض خاص عن السلطان ومن عضو عن السلك الدبلوماسي ومندوب عن بنك الدولة، وتضم واحدا أو أكثر من مصلحة الجمارك، وتباع البضائع المصادرة لمصلحة الدولة، أما الغرامات والمصالحات فتوزع بين الخزينة المغربية وبين الذين اشتركوا في منع التهريب، وقد ترك تطبيق هذا النظام لفرنسا والمغرب في منطقة الحدود الجزائرية، ولإسبانيا والمغرب في منطقة حدود الممتلكات الإسبانية.

ويمكن إعادة النظر في شروط هذا النظام ما عدا المواد الخاصة بالعقوبات بواسطة السلك الدبلوماسي في طنجة بإجماع الأصوات، والاتفاق مع حكومة المغرب بعد انقضاء عامين على تطبيقه.

6) تصريح خاص بالأشغال العامة والمصالح العامة، من المادة 105 إلى 120: ينص على عدم التنازل عن أي مصلحة عامة في المغرب لمصلحة منافع خاصة، وذلك بغية تطبيق مبدأ الحرية الاقتصادية دون أي تمييز.

وتبقى سلطة الدولة المغربية على المشاريع الكبرى ذات المنفعة العامة (موانئ، سكك حديد، طرق… إلخ) كاملة، وتساعد الدول في هذا الخصوص، ويقوم إعطاء امتيازات الأشغال العامة في المغرب على أساس المناقصة العلنية دون أي تمييز، على أن تطلع الحكومة المغربية عند إجراء مناقصة، السلك الدبلوماسي على دفاتر الشروط والمخططات وكل الوثائق المتعلقة بالمناقصة، ليتاح لجميع الأجانب الاطلاع عليها وعلى ألا يحتوي دفتر الشروط على ما يمس المنافسة الحرة أو يميز المتنافسين.

ويحدد قرار سلطاني شروط امتياز واستغلال المناجم على أن تستوحي الحكومة المغربية التشريعات الأجنبية القائمة بهذا الخصوص، وحددت المواد 113 إلى 119 شروط انتزاع ملكية العقارات اللازمة للأشغال العامة أو المناجم.

7) ترتيبات عامة، من المادة 120 إلى 123: تتعلق بتصديق الميثاق الذي يتم وفق القوانين الدستورية لكل دولة على أن تودع التصديقات في مدريد في حد أقصاه 31 دجنبر 1906، حيث يصبح الميثاق نافذا اعتبارا من هذا اليوم، وتبقى المعاهدات والاتفاقات السابقة بين المغرب والدول الأجنبية نافذة، ولكن إذا ظهر خلاف بين شروط هذه الاتفاقات وشروط الميثاق، فإن شروط الميثاق هي النافذة.

كانت هذه مقررات المؤتمر، وقد حاول السلطان عبد العزيز بجميع الوسائل التدخل لدى الدول الموقعة للتراجع عنها، ولكن هيهات.. لقد صدر حكم الدول العظمى على المغرب الضعيف. وأي حكم ؟

لقد علق أحد أعضاء الوفد المغربي، وهو السيد بنسليمان، على أعمال المؤتمر وأثرها على المغرب فقال: ((لقد كان المخزن قبل المؤتمر مريضا جدا، أما بعد المؤتمر فقد انتهى المخزن)).

كان هناك إذن، مغرب ومخزن ونظام، وكان هناك استعمار، وكانا وجها لوجه، وكان هدف الاستعمار استنزاف طاقات الجسم الضعيف وفتح ثغرات في الأجزاء السليمة، وضرب المواجع بكل عنف، فلم يكن هناك عطف ولا تعاطف ولا رأفة ولا إشفاق، ولم تسجل محاضر مؤتمر الجزيرة على مدى ثلاثة أشهر أي جملة مفيدة توجز حسن نية المندوبين أو تعبر عن رغبتهم في وضع أي مسؤول في المغرب موضع المحاور أو المتفاوض، ولا كانت بيدهم وكالة من سلطان، ولا اتفاق مع قبيلة، ولا توسل من عالم، وإنما كان الأمر مجرد قرار باحتلال المغرب، وتنفيذا للمخطط المرسوم من طرف ليوطي قبل عقد الجزيرة بسنتين والمختصر في جملته المشهورة: ((التنسيق المتكامل بين العمل السياسي والعمل العسكري)).

ولقد كان مؤتمر الجزيرة أوج العمل السياسي، وكانت هناك أعمال سياسية أخرى تجري داخل المغرب وفي كل جانب من جوانبه، والكل يمهد للعمل العسكري.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى