الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | جنرالات فرنسا الذين أقسموا على احتلال المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 80"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    احتفل الشعب الفرنسي في أواخر سنة 1980 في كثير من الحفاوة والإجلال، بالذكرى العاشرة لوفاة الجنرال دوغول، وصدرت الكتب بهذه المناسبة عن هذه الشخصية الفذة في تاريخ فرنسا، ونظمت الندوات، وتبارى الخطباء، وكان الرأي العام الفرنسي يتشبث بأهداب ذكرى هذا الرجل العظيم، بينما لازال حزبه الذي يضم الأغلبية الفرنسية يستلهم التعقل من فلسفة دوغول، ولازال الرأي العام الفرنسي ينظر للديغوليين على أنهم قدوة الحاضر ورجال المستقبل.

تتمة المقال تحت الإعلان

والسر في حظوة الجنرال دوغول بهذه المكانة في التاريخ الفرنسي المعاصر لا يكمن فقط في أنه صاحب نداء التحرير إبان الحرب العالمية الثانية، أو أنه محرر فرنسا، أو أنه السياسي والعسكري والكاتب والفيلسوف، بل إن السر أعظم من ذلك.

إن الجنرال دوغول هو الذي حطم السلسلة الصلبة للجبروت العسكري الفرنسي وللطغيان العسكري الفرنسي، وللتوارث الأزلي للروح العسكرية الفرنسية، وللعقلية الاستعمارية التي كانت معششة على مدى عشرات السنين تحت قبعات العسكر الفرنسيين.

لقد كان للعسكر الفرنسي دور أساسي في تاريخ الأمة العربية، والأمة المغربية في المغرب العربي خصوصا.

وكما لا يداوي السم إلا السم، فإن مسلسل جبروت الجنرالات الفرنسيين لم يضع له حدا إلا الجنرال دوغول، وكان بذلك الجنرال الذي أنقذ فرنسا من الجنرالات.

أما جنرالات فرنسا، فهم مرتبطون بتاريخ المغرب منذ سنة 1880، منذ أن كانوا يقفون على أبراج الكولية جنوب الجزائر آنذاك، يتفحصون عظمة الإمبراطورية المغربية في توات والساورة وتيدكلت وحتى إلى تمبكتو، ويقفون على أبراج تلمسان ليشهدوا وجدة، هذه الجنة الفيحاء الجبارة الصامدة على الضفة الأخرى من وادي إيسلي، وكانوا يقفون على أبراج الضفة الجنوبية لنهر السنغال ليغرقوا في التفكير بحثا عن أنجح الوسائل لغزو هذه الدولة العظيمة.. لقد توارثوا الرسالة الاستعمارية مثل توارث رسالة نبوية، وأخلصوا لها وتعاهدوا عليها دون أن يرى أحدهم الآخر.

واختاروا جميعا منطقة المغرب العربي للوفاء بقسمهم، وكانوا يتقاسمون المسؤولية عن كل ما حققه الفرنسيون قاطبة من كسب في احتلالهم للمغرب العربي، وما عانوه مقابل ذلك من الألم وخسائر وتخديش لتاريخ فرنسا، ولأمجاد فرنسا.

ولنتصفح هذه اللوحة السوداء لجنرالات فرنسا في تاريخ المغرب العربي.

جنرالات 1844

    عند حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، كانت ترتفع فوق ربوة محج السلطان قرب مدينة وجدة، ناصية من حجر كتب عليها: “الجيش الفرنسي المارشال بوجو. 11 غشت 1844″، وهي اللوحة التذكارية التي تخلد استبسال الجنرال بوجو، مروض الجزائر ومحتلها، وهو يخرق أوامر حكومته وتعليماتها، ويتوجه لاحتلال المغرب بحكم ما كان يسميه “حق المتابعة لقوات الأمير عبد القادر الجزائري” الذي كان يحمي ظهره وقواته في المغرب، وكان الجنرال بوجو وهو يتعقب الأمير عبد القادر الجزائري إنما يريد أن يبعد إلى أقصى ما يكون البعد هذا الأمير الذي كان يزاول في تلمسان منصب خليفة للسلطان مولاي عبد الرحمان، وبقي يزاول مهمته هاته إلى أن دخلت جيوش الجنرال بوجو مدينة تلمسان ذات صباح من أيام شهر يناير 1886.

وقد خاض الأمير عبد القادر معارك من أجل تلمسان استمرت من سنة 1836 إلى سنة 1842 حيث اضطر للجلاء عنها.

وللذين يعرفون والذين لا يعرفون، يجب التذكير بأن رمز الجهاد الجزائري الأمير عبد القادر الجزائري، هو من أصل مغربي وبالتحديد من الريف، حسب ما ذكرته “أنسيكلوبيدية الإسلام”، ليفي بروفنصال، الجزء الأول طبعة سنة 1954.

ولكن الجنرال بوجو، وكان جبارا عنيدا، عصبيا، متمردا، لم يقبل أن يبقى هذا الوطن المجاور غربا خارجا عن حكمه، محرما على وطأة قدميه.

وبدون استشارة للحكومة الفرنسية، هجم غدرا على مدينة وجدة في يوم 19 جوان 1844، وكان رد الفعل المغربي سريعا، وطرد الجنرال الجبار أسرع، مما دعا هذا الجنرال إلى التخطيط لمعركة “وادي إيسلي”.

وعندما هجمت مجموعة من جنود السلطان مولاي عبد الرحمان على ثكنة الجنرال بوجو يوم عاشر غشت 1844، ثارت ثائرة جنرالات 1844 ودعوا إلى اجتماع عام ضم المجموعة التي كانت تتخذ من الجزائر موقع قوة تتحدى به إرادة المغرب وحتى إرادة الحكومة الفرنسية، ومجموعة الجنرال بوجو تتكون من: الجنرال دو لاموريسيير، وكان جنرالا سنه 38 سنة؛ الجنرال بيضو؛ الكولونيل كافينياك؛ الكولونيل بيليسيي؛ الكولونبيل موريس، وكان معهم خبير جاسوس في شؤون الحدود وهو جزائري الأصل يسمى الكولونيل يوسف.

وفي ذلك الاجتماع، صب الجنرالات جام غضبهم في مخطط رسموه لمهاجمة المغرب ودخلوا في حرب إيسلي.

وعندما رجع الجنرالات والكولونيلات في أعقاب معركة إيسلي، بعد أن حققوا الكثير من أهدافهم وفرضوا على المغرب إمضاء تحديد للحدود الشمالية الشرقية بين المغرب والجزائر وعادوا إلى مغنية يحملون قتلاهم وجرحاهم، بقيت في صدورهم غصة، لم يبتلعوها وأقسموا فيما بينهم أنهم لابد وأن يحتلوا المغرب. وهو قسم كان يردده الجنرال مارتنبري وهو يقاتل جنود السلطان محمد بن عبد الله، وكان يردده الجنرال إيستر هازي، وكان يردده الجنرال الجزائري يوسف وهم يقاتلون جيوش السلطان محمد بن عبد الله في جنبات أحفير وعلى ضفاف ملوية، في معارك دامت إلى سنة 1859، لم يوقفها إلا إنهاك الجنرالات الفرنسيين، واتفاقهم فيما بينهم على أن هذا المغرب صعب المنال، وأنه لا بد وأن يأتي يوم يدخلونه فيه، لكن بطرق أخرى غير الحرب.

جنرالات 1900

    بعدما تشبع الكولونيل ليوطي بروح العسكرية الاستعمارية وتخرج من مدرسة الاحتلال الفرنسي للفيتنام في الطونكان، وفي مدغشقر، عين حاكما عسكريا لعين الصفرا في الجزائر في شتنبر 1903، وهناك تسلم رسالة جنرالات 1844 واقتنع بفكرتها، وقرر أن لا عظمة لفرنسا إلا في احتلال المغرب.

وكان يتصفح محاضر المعارك الكبرى في الصحراء الشرقية، في توات والساورة وتيدكلت، ويجتر الانتقام عند قراءة كل فصولها.

بينما كانت النخبة المتفوقة من جنرالات فرنسا الآخرين: أليكس، موانيي، ومونجان، وغيرهم، قد سبقوه إلى داخل الميدان المغربي، ومهدوا الطريق للاحتلال، ونفذوا الأفكار التي كان يكتبها قبل أن يصبح جنرالا، وأخذ يحضر ببرودة متناهية لتنفيذ مخططه ويشكل مجموعة جنرالاته وكبار ضباطه الذين سيكونوا محط ثقته حتى ولو اقتضى الأمر الخروج عن إرادة الحكومة الفرنسية في باريس.

ولنقرأ ما كتبه عن هذه الفترة المؤلف الفرنسي أندري لوريفيران، الذي نشر مذكرات ليوطي في كتابه “ليوطي المجهول” (نشر بيران سنة 1980)، يقول المؤلف عن فترة تواجد ليوطي في الجزائر رئيسا لمنطقة عين الصفرا: ((في الواقع، فإن الحدود التي يراقبها ليوطي غير مرسومة بإتقان منذ سنة 1845، لأنها تترك المناطق الجزائرية مكشوفة وغير مصونة.

وهدف ليوطي هو الاستقلال عند نهر ملوية، الحصن الوحيد الذي توقف عنده الجنرال بوجو سنة 1844.

ومنافسو ومناهضو ليوطي عديدون ومتنوعون.

– البرلمانيون المجتمعون حول جان جوريس، الذين ينتقدون كل تدخل فرنسي ضد الثوار المغاربة و”قطاع الطرق” الذين يأتون من إقليم تافيلالت بدون عقاب وبدون زجر.

– الدبلوماسيون القابعون في الكي دورسي أو في سفارة فرنسا بطنجة، وهم متشبثون بالحلول الدبلوماسية والمفاوضات مع السلطان الشاب مولاي عبد العزيز.

– الحكومتان الإسبانية والألمانية، الذين يلتزمون بمقتضى “عقد الجزيرة” بعدم إقامة أي منشأة أجنبية عسكرية على التراب المغربي.

– وأخيرا، الحكومة الفرنسية نفسها، وهي المترددة، والغير مطلعة، والمتقلبة الأحوال.

ويحضن ليوطي سرا – يقول المؤلف – شهوته للتحرك نحو الأراضي المغربية انطلاقا من الجزائر والدخول إلى التراب المغربي ببطء، لكن بثبات، ومحاولة الاتفاق مع بعض القبائل المغربية، وغزو الأسواق، وبناء بعض المنشآت، ودخول فرنسا لهذا البلد الجميل الغني، هذا المغرب)).

وهكذا تروي مذكرات ليوطي فلسفة هذا الجنرال في غزو المغرب، وقراءة هذه الفلسفة بتأني وتفكير تغني عن كل تفسير.

أما جنرالات الجنرال فهم كثر: الجنرال موانيي؛ الجنرال كورو؛ الجنرال درود؛ والجنرال داماد..

إن اللائحة طويلة، وجيل ما قبل الاستقلال يعرفها.. فقد أطلقت أسماء جنرالات وضباط 1900 على كل شوارع المغرب ومدارسه، بل على بعض مدنه: كان بولو، بوشرون، بوتي جان… إلخ.

لكن ليوطي وجنرالاته هو أيضا مثل بوجو وجنرالاته، لم يجدوا الباب مفتوحا، ولجأ ليوطي إلى الحيلة والسير ببطء كما قال كاتب مذكراته.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى