الحقيقة الضائعة | ثمن الحماية.. محاولة اغتيال الشيخ ماء العينين لضرب المقاومة المغربية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 76"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تعتبر محاولات فرنسا لاعتقال الشيخ ماء العينين أو اغتياله، معلمة من معالم تاريخ الجهاد المغربي ضد الاستعمار في تلك الفترة الحاسمة من سنة 1910.
وهي معلمة منصوبة على طريق الأمجاد المغربية مهيمنة عليها في واجهتين:
– أولا: واجهة الكفاح الصحراوي الذي كان يخوضه سكان وادي الذهب وشنقيط والساقية الحمراء بقيادة ماء العينين، والتي طالت منذ موت السلطان الحسن الأول إلى سنة 1910، أي سنتين قبل إمضاء عقد الحماية، فكانت مرحلة جهاد داخلة في الإطار العام لحركة الرفض المغربي للاحتلال، سواء في أقاليم الساورة أو أقاليم السمارة.
ويجلل هذه الواجهة توسيع الشيخ ماء العينين لمعركته من الصحراء إلى الأطلس المتوسط.
– وثانيا: واجهة الكفاح الوطني في كل أنحاء المملكة الداخلية. إن هذه الواجهة تبلور الإطار الذي نظم فيه الجيش الفرنسي محاولة اغتيال الشيخ ماء العينين، ذلك أن المغرب كله من مليلية إلى بوجدور، كان ملتهب الجنبات، وكان عشرات المئات من الشهداء يسقطون في معارك تعد بالمئات ضد الغزو العسكري الفرنسي تمارسه بجيوشها ومدافعها وبوارجها الحربية، لترغم المغرب على الركوع، ولتستنزف كل طاقاته وقوته وإمكانياته وأمنه قبل أن توجه إليه الضربة القاضية.
وهذه المرحلة تعادل في أهميتها وعظمتها وجلالها ما قدمته مسبقا عن مراحل احتلال الأطراف الصحراوية المغربية، ذلك أن الفرنسيين بذلوا الجهد الجهيد في سبيل إقبار هذه المرحلة ومحو أثارها حتى لا تقع بين أيدي جيلنا..
واتجهت عناية المخابرات الفرنسية إلى تلخيص هذه المرحلة من تاريخ المغرب في: ((إن السلطان مولاي حفيظ ضاقت به الأمور ونفذت ميزانيته، وكثرت عليه فتن القبائل، فطالب فرنسا بـ”حماية المغرب”)).
وستكذب السطور التالية هذه الأساطير بمجرد إلقاء نظرة على الظروف التي أحاطت بمحاولة اغتيال زعيم الجهاد الصحراوي، الشيخ ماء العينين، وهي محاولة جرت في نواحي قصبة تادلة، بينما ما كان يجري في جهات أخرى يعادل ما جرى في هذه المنطقة أو يتعداه.
إنه يتبادر إلى الذهن كيف خاضت جيوش فرنسية بقيادة جنرالات كبار، أمثال الجنرال موانيي، معارك في قصبة تادلة سنة 1910 قبل إمضاء الحماية؟ هذا التساؤل المفروض يكفي الجواب عنه لتفسير الظروف التي تم فيها إمضاء عقد الحماية، ذلك العقد الذي لم يمض حتى كانت الجيوش الفرنسية واقفة متواجدة بأسلحتها في كل بقاع المغرب على أجسام وجماجم الآلاف من أبنائه الذين استشهدوا في معارك تعدت في أهميتها وفي بعض المناطق معارك “ديان بيان فو” التي خاضها الفرنسيون في الفيتنام.
الشنقيطيون يحتمون بالسمارة
لم تستسغ الحكومة الفرنسية إطلاقا أن يبقى الجهاد المعلن في شنقيط وفي الساقية الحمراء، عنصرا من عناصر نفوذ السلطان، ولا أن يبقى المغرب بهذا الحجم من الاتساع والعظمة..
وكانت الفترة من سنة 1909 حاسمة في تاريخ الاحتلال الاستعماري الفرنسي، لذلك قررت أمام ضعف الحكومة الإسبانية في القضاء على ثورة ماء العينين في الساقية الحمراء، أن تتولى الجيوش الفرنسية القضاء على أتباعه وثورته في شنقيط وفي الواحات المتجهة من شنقيط إلى أدرار الشرقية.
واتجهت من الجنوب فيالق من جنود السنغال المجندين في الجيش الفرنسي بقيادة الكولونيل ﯕورو، وكانت مهمتها القضاء على كل ثورة موجودة في منطقة تاكانت وأدرار وقطع الصلة بين هذه المناطق وبين باقي المغرب، وفعلا، توسعت عملية الكولونيل ﯕورو، الذي وصل إلى كل المراكز الآهلة بالسكان في شنقيط.
وأمام عنف القصف وهول المفاجأة، طوت القبائل المغربية رحالها وامتطت جمالها واتجهت لتحتمي بالأمن والدفاع عند حامي المنطقة، الشيخ ماء العينين.
وكان الشيخ ماء العينين في السمارة عندما أخذت أفواج القوافل تتقاطر على قصره وحواليه، فجاءت قبائل شنقيط والخنت، وعريب والركيبات، وتاجكانت وأولاد دليم، وحلت كلها بالسمارة، وكانت كل هذه القبائل ترتدي قمصانها الزرقاء، مما جعل الجواسيس الفرنسيين يبلغون الكولونيل ﯕورو بأن الذين وصلوا إلى السمارة كلهم “رجال زرق”، إذ كان لباسهم رمزا لوحدتهم، ولم يكن من السهل التفريق بينهم.
واستعظم الشيخ ماء العينين مهمته في الدفاع وحده وبأسلحة قليلة عن الوحدة الترابية المغربية إذا لم يتدارس الموقف مع السلطان في فاس، وأمر اللاجئين جميعا بشد الرحال إلى فاس، وتحضير الأسلحة للقضاء على كل عائق فرنسي في طريقهم.
وعندما وصلت أفواج الصحراويين والشنقيطيين إلى وادي درعة، ضربوا خيامهم على ضفتي واد نون للراحة والتفكير، بينما توجه الشيخ ماء العينين إلى تزنيت للنزول ببيته والاتصال بخليفة السلطان وتوجيه الرسائل.
وصادف وصوله إلى تزنيت دخول سنة 1910، وعلم الفرنسيون بموقعه وصدرت الأوامر من فرنسا للجنرال موانيي، بتنظيم عملية إبادة الأفواج الصحراوية والشنقيطية ورئيسها الشيخ ماء العينين، الذي وصل بعد ذلك بأيام إلى مراكش.
وكان المفروض أن يمر موكب الشيخ ماء العينين من مراكش إلى فاس عبر طريق القوافل الذي يمر في إقليم الشاوية.
وبعد تفكير طويل أمام خريطة المنطقة، وضع الجنرال أصبعه على ممر ضيق عند قبيلة بني موسى يقع بين مدينتي ابن أحمد وسطات، وقال: هنا يجب نصب الفخ لماء العينين ورجاله.



