الحقيقة الضائعة | معارك 1909.. من توات إلى السمارة
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 75"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

كان السلطان مولاي عبد الحفيظ قد استقر في فاس بعد أن تجاوزت الأحداث أخاه السلطان عبد العزيز.
وكان السلطان عبد الحفيظ في فاس يتلقى تقارير الاشتباكات مع الجيوش الفرنسية في كل أقاليم المغرب، إذ دخل عليه أحد أبناء الشيخ ماء العينين جاءه مع موفد من السمارة حاملا رسالة من أبيه إلى مولاي حفيظ.
محتوى هذه الرسالة أنه إذا كان السلطان عبد الحفيظ أصبح يشعر بالوهن، فإن أميرا آخر مثله قد أعلن الجهاد في الجنوب هو الأمير مولاي إدريس، الذي يضرب الفرنسيين بمنتهى العنف في أقاليم توات، وفي أدرار وفي تكانت، وأن القوات الفرنسية تتقاطر من الجزائر ومن المغرب ومن فرنسا لضرب الحصار عليه، وأن الشيخ يطلب الدعم للمشاركة في حرب المولى إدريس.
وكان المولى عبد الحفيظ يعاني حصارا آخر ضربه عليه الفرنسيون وهو الحصار الاقتصادي وبداية الضغط عليه، وضرب الخناق على قراراته استعدادا لإرغامه على إمضاء عقد الحماية.
لهذا كانت رسالة ماء العينين تنزل كلماتها على آذانه كما ينزل الماء في حنجرة العطشان.
لقد لاح له أفق انكشاف الأزمة بإعلان الحرب على الفرنسيين في الأقاليم الصحراوية كلها من توات إلى شنقيط، وقال لابن الشيخ ماء العينين: إني متفق معكم، وعلينا توسيع رقعة الحرب من توات إلى السمارة.
وكان كافيا أن ينطق المولى عبد الحفيظ بهذه الأماني لكي تصبح حقيقة واقعية، إن الشعب لم يكن ينتظر في الشمال وفي الجنوب غير إصرار السلطان على مبدأ الجهاد.
عابدين الخنتي على ثلاث واجهات:
التوارك وتافيلالت وشنقيط
إنه لا يحق لنا أن ننسى أن مولاي السبع بقي معتصما بتوات مجاهدا حيث انضم إليه أحد أقطاب البربر، المجاهد علي مهاوش، بجيوش جرارة، وفي خضم المعارك التحق بهم قادة الجهاد التواتيين والكوراريين الذين كانوا يمارسون الجهاد منذ سنة 1889 بقيادة الزعيم العسكري المرابط السيد عابدين الخنتي.
وفي يوليوز 1909، وصل إلى تافيلالت الزعيم التواتي عابدين الخنتي بنفسه لتنظيم صفوف جيش التحرير.
ويقول المؤلف الفرنسي مارتان: ((إن عابدين الخنتي استطاع في فترة وجيزة – بعد وصوله لتافيلالت في يوليوز 1909 – تأسيس ثلاثة جيوش: الأول توجه إلى توات وكورارة، والثاني توجه إلى الساحل الغربي وبوجدور، والثالث توجه إلى الجنوب الشرقي لنصرة ثورة التوارك ضد الاحتلال)).
وقد سمحت هذه التطورات في الجنوب، بشغل الفرنسيين والاتجاه بكل جوارحهم إلى ما يجري في المناطق الصحراوية من أحداث خطيرة، وهذا ما سمح للمولى عبد الحفيظ بالاهتمام بثورة بوحمارة واعتقاله.
لهذا كانت اهتمامات المولى عبد الحفيظ بما يجري في الجنوب بالغة الأهمية إلى أن كان شهر رمضان 1327، حيث أقبل عليه مرسول يحمل رسالة من السيد أحمد الهيبة، ابن الشيخ ماء العينين، مؤرخة بـ 22 رمضان 1327 الموافق لـ 7 أكتوبر 1909، يطلعه فيها على أحوال الجهاد في الجنوب.
سجلت الوثائق الفرنسية نص هذه الرسالة في نشرتها الدورية الباقية أثارها إلى اليوم وهي محررة باللغة الدارجة.
وملخص هذه الرسالة: ((إن السيد الهيبة يهنئ السلطان عبد الحفيظ على اعتقال بوحمارة، ويطلب إذنه في تجنيد المجاهدين من إقليم تزنيت، كما يؤكد له أن أباه الشيخ ماء العينين يسيطر على الموقف في الساقية الحمراء، وأنه توصل برسالة المولى عبد الحفيظ المؤرخة بشعبان 1327 (18 غشت 1909))).
وفي طرة رسالة الهيبة سطور يقول له فيها: ((نشكركم على اختيار مرسولكم السيد الطاهر الأودي، فقد قام بالواجب)).
وفي مؤخرة الرسالة هذه الجمل: ((لقد أبلغنا سكان تزنيت غضبكم على تصرفاتهم، وإنهم خجلون، وإنهم لم يأخذوا شيئا من صندوق المخزن وأنهم مستعدون لتعويض ما تؤاخذونهم عليه)).
لقد سمحت رغبة المولى عبد الحفيظ للسكان الصحراويين في الساقية الحمراء، وفي تكانت وجنوب شنقيط، وفي توات وأدرار، وفي قبائل التوارك، ببعث روح الحماس وتكريس الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي.
وباعتراف الفرنسيين أنفسهم، فإن احتلالهم لتوات وكورارة وتيدكلت سنة 1901 إنما كان شعلة لاندلاع الثورة ووصول لهيبها حتى إلى شنقيط.
وقد سمح نفوذ الشيخ ماء العينين في المناطق الخاضعة للإسبان في الصحراء المغربية، إلى اطلاع السلطان عبد الحفيظ على أن بوحمارة الذي كان يلعب ورقة الاستعمار الفرنسي في شمال المغرب، كان له أخ يعمل في نفس المخطط مع الإسبانيين، وعندما تم اعتقال بوحمارة لجأ أخوه عند السلطات الإسبانية التي أحاطته بعنايتها.
وتنص الوثائق المغربية على وثيقة احتجاج السلطان عبد الحفيظ لدى الحكومة الإسبانية، على إعطاء اللجوء السياسي لأخ بوحمارة.. ألم نقل إن الإسبانيين إنما كانوا يقلدون الفرنسيين في كل شيء؟ فللفرنسيين بوحمارة، وللإسبانيين أخاه.
وعند تطور الأحداث إلى حد هذا الجهد من طرف ماء العينين، وما أصبح يشكله من خطر على الاستعمار ككل، تقرر في علم الغيب أن تتم مصادفة بين حدثين:
– أولا: أن يقرر الفرنسيون القضاء على الشيخ ماء العينين جسديا.
– ثانيا: أن يقرر ماء العينين التوجه إلى جبال الأطلس لتصفية الاحتلال الفرنسي للمغرب.
ففي شهر مارس 1910، جمع الجنرال موانيي قيادته العليا لإصدار قرار في قضية هذا العنصر الأساسي في المقاومة المغربية، الشيخ ماء العينين.
وسارع أحد ضباط الجنرال موانيي ليؤكد لرئيسه أن أخبارا جاءته من الجنوب تفيد بأن الشيخ ماء العينين قد غادر السمارة على رأس جيوش جرارة في اتجاه مراكش.
وفهم الجنرال موانيي أن ماء العينين إنما هو متجه من مراكش إلى فاس لمقابلة الملك، وفي تلك الجلسة، تم تشكيل الفرقة التي ستتولى نصب كمين للشيخ ماء العينين، وتقرر أن يكون عدد رجالها ألفي رجل (2000).



