تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل تفرض القضية الوطنية إبعاد الفرنسيين عن صفقات القطار المغربي ؟

النفاق الدولي يحتم مواقف حازمة

الرباط – الأسبوع

    اشترت الحكومة المغربية في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، قطارا حديثا من أوروبا، لكن النكتة كانت هي أنهم انتبهوا عند تسلم القطار في ميناء العرائش، أن المغرب لا يتوفر أصلا على سكة حديدية لكي يسير فوقها هذا القطار الباهظ الثمن، فاضطروا لاستعمال 60 بغلا لنقله إلى مدينة فاس، حيث تم بناء كيلومترين فقط من السكة الحديدية، فوق أرض متنازع عليها، خصصت للنزهة.. وسبق للسلطان مولاي الحسن الأول أن استفتى الفقهاء سنة 1888، حول موضوع القطار، لكنهم حرموه تحريما شبه جماعي، باعتباره وسيلة من وسائل الاختراق الأوروبي(..)، هذا هو ملخص العلاقة التاريخية للمغاربة مع القطار، لولا أنهم ركبوا قطار التقدم فيما بعد.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد تغيرت الظروف، ولكن بعض الفرنسيين – على سبيل المثال – مازالوا ينظرون إلى المغرب نظرة تهكمية، وقد كتب واحد منهم معلقا على صفقة شراء البراق قائلا: ((“التي. جي. في” يمر تحت أشجار النخل في بلد الجمال، منظر لم يسبق أن رآه أي أحد، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل إن الخطوط سيتم تمديدها نحو الجنوب.. أمر لا يصدق، عندما نعرف أن أكثر من نسبة 15 في المائة من سكان المملكة يعيشون تحت عتبة الفقر)).

تتمة المقال تحت الإعلان

الفقرة أعلاه مقتطف من كتاب “الإفلاس بسرعة فائقة” لصاحبه مارك فريسوز، صدر سنة 2011 عن مجموعة “Cherche Midi”، وفيه يكشف الكاتب الذي سخر من المغرب والمغاربة، أسرار العلاقة بين شركة “ألستوم” الفرنسية، التي باعت “التي. جي. في” للمغرب، وبين الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.. بل إنه لمح إلى “المصلحة” التي جمعت بين بعض المسؤولين، في إطار حديثه عن دفاتر الشيكات، غير أنه لم يوضح المقصود بذلك(..).

بين الأمس واليوم.. كتبت بعض الأقلام الأوروبية عن “تودد” الشركة الفرنسية “ألستوم” للمغاربة، والتودد كلمة شبيهة بكلمة أخرى اسمها “التملق” استعملها الكاتب المشار إليه عندما قال ((إن صفقة “التي جي في” كلفت سنة كاملة من التملق للمغرب على حساب أعصاب الفرنسيين)).

ما المقصود بـ”التودد”؟ الجواب يكمن في المقال التالي، الصادر تحت عنوان: “صحيفة فرنسية: ألستوم تتودد للمسؤولين المغاربة للظفر بصفقة تصنيع 168 قطارا”، وقد كشف موقع “Africa Intelligence”، أن ((العملاق الفرنسي Alstom المتخصص في مجال صناعة السكك الحديدية، يعتزم إنشاء وحدة صناعية في ميناء طنجة المتوسط، مثل مصنع فاس الذي تم بناؤه عام 2020، في خطوة تهدف إلى “التودد” للمسؤولين المغاربة للحصول على الصفقة المطروحة من قبل المكتب الوطني للسكك الحديدية المتعلقة باقتناء 168 قطارا..)).

وحسب ما أوضحته صحيفة “لارازون” الإسبانية، في مقال لها نقلا عن الجريدة الفرنسية، فإن ((المعلومات المتوفرة تؤكد دخول شركة “ألستوم” في منافسة شرسة مع الشركات المصنعة الإسبانية لتجديد 168 قطارا للمكتب الوطني للسكك الحديدية، ما جعل الشركة الفرنسية تحاول “التودد” للحصول على الاتفاق، ​​الذي يبدو صعبا نظرا لقوة العرض الإسباني.. ووفقا للمصدر ذاته، فإن “ألستوم” ترى بأن الاستثمار المغربي مشروع مربح بالنظر إلى المشاريع المستقبلية المتعلقة بالسكك الحديدية والقطارات الكهربائية، حيث تريد الرباط توسيع خطوط السكك الحديدية عالية السرعة من الدار البيضاء إلى مراكش ثم إلى أكادير، ومن الرباط إلى فاس ومكناس، بالإضافة إلى نيتها تخصيص شبكة “ترامواي” للمدن الرئيسية الأخرى، وكذلك توسيع برنامج التوسع في السكك الحديدية إلى عدة مناطق..

وحسب ما تم الكشف عنه في وقت سابق، فإن عمالقة الشركات الفرنسية يعتزمون الاستثمار في المغرب لإنشاء كيان صناعي، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلي بعد دخول الرباط في خطة طويلة الأمد لتوسيع خطوط السكك الحديدية عالية السرعة، وكذلك لتلبية احتياجات دول إفريقيا الغربية)) (المصدر: ترجمة وتصرف/ موقع “العمق المغربي”).

بغض النظر عن التلاعب بالكلمات والحديث عن دول “إفريقيا الغربية”، فإن الحديث عن الاستثمار في بناء 168 قطارا يعني أن الشركة الفرنسية المذكورة تحاول الربط بين وجودها على قيد الحياة وتصنيع القطارات للمغرب، علما أن الشركة كانت على حافة الإفلاس، وتم إنقاذها بصفقة بناء قطار سريع للمغرب، هو “التي. جي. في”.. فهل سيكررها المغرب مرة أخرى ؟

صورة للبراق الذي تم تصنيعه من طرف شركة «ألستوم » الفرنسية التي كانت مهددة بالإفلاس

إن مؤشرات إفلاس “ألستوم” وخطة إنقاذها في عهد الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، هي التي كانت محور الكتاب سالف الذكر، وجاء فيه على لسان الكاتب مارك فريسوز: ((بمجرد صعوده في الانتخابات الرئاسية لسنة 2007، وضع الرئيس نيكولا ساركوزي نفسه في خدمة “الأبطال الوطنيين”، ويقصد بهم الشركات الفرنسية العملاقة مثل “ألستوم”، و”أريفا”.. والتي تحظى بالدعم على الساحة الدولية من أجل تشجيع قدرتها التنافسية، ويوضح بأن مجموعة “ألستوم”، التي باعت القطار السريع للمغرب، كانت مهددة بالإفلاس منذ سنة 2000، ولكن ساركوزي قام بعدة مجهودات لإنقاذها منذ تعيينه من طرف جاك شيراك رئيسا للحكومة..

الكاتب نفسه يؤكد أن “ألستوم” كانت بمثابة مجموعة مدللة لدى ساركوزي، رغم النقاشات الحادة التي رافقت عملها، مثل ما حدث داخل اللجنة الأوروبية، بين العمدة السابق لدائرة “نويي”، وماريو موتي وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي، الذي كان يطالب بتفكيك هذه الشركة)) (المصدر: الأسبوع الصحفي).

من خلال كلام الكاتب مارك فريسوز، يتضح أن المجموعة التي فازت بصفقتي “الترامواي” في الدار البيضاء والرباط وصفقة “التي. جي. في”، وصفق لها المغاربة، كانت في الحقيقة شركة على حافة الإفلاس.. فـ((زيادة على دعم الأبناك، قامت الدولة الفرنسية بشراء نسبة 21 في المائة من رأسمال “ألستوم”، ما يعني ضخ 720 مليون أورو في صناديقها، بالمقابل قام باتريك كرون، المدير العام للشركة في تلك الفترة، والمقرب من ساركوزي، بالتخلص من العبء الذي كان يسببه الاشتغال في بعض المجالات مثل توزيع الطاقة والموانئ، واحتفظ ببناء المحطات الكهربائية والسككية لـ”التي. جي. في”، وبذلك تم إنقاذ المجموعة من سيناريو كان يرمي إلى إدماجها في شركة “سيمانس” الألمانية، وعلى إثر ذلك، هبط رقم المعاملات إلى أقل من 17 مليار أورو سنة 2007، بعد أن كان يساوي 24 مليارا ونصف.. وبعد مرور هذه الدوامة، عادت الدولة لتبيع حصتها في “ألستوم” محققة قيمة مضافة تتجاوز 1 مليار و200 مليون أورو، وجرى البيع لصالح شركة “بويغ” التي كان يديرها مارتان بويغ سنة 2007، هذا الأخير اشترى نسبة 25 في المائة من رأس المال، وكان يهدف من وراء ذلك، “تنويع اهتمامات الشركة من خلال الاستثمار في مجال مقاومة الغازات المسببة للاحتباس الحراري))، حسب الكتاب، ويؤكد مارك أن ((ساركوزي عمل كل ما في وسعه لبيع التكنولوجيا المتقدمة التي يملكها أصدقاؤه في “ألستوم”، ولكن “التي. جي. في”، رغم أنه قطار سريع وأنيق، إلا أن هذا القطاع السككي يعاني من عيب خطير مثله مثل الطائرة العسكرية، المقاتلة “رافال”، المصنعة من طرف “داسو”، والتي لم يسبق أن تم بيعها خارج فرنسا، حيث أن الشركة الوطنية للسكك الحديدية بفرنسا هي الزبون الوحيد لـ”ألتسوم”(..)، ولعل ما يفسر عدم الإقبال على اقتناء قاطرات “التي. جي. في” هو تكلفة إنتاجها المرتفعة، فقاطرة واحدة تساوي 25 مليون أورو، ينضاف إليها مبلغ بناء السكك التي يستعملها “التي. جي. في”، 16 مليون أورو للكيلومتر، زيادة على تكاليف الصيانة..)) (المصدر: مقال تحليلي سابق لـ”الأسبوع الصحفي”).

لم يسبق لأحد أن كذب المعطيات سالفة الذكر، بل إن ربيع لخليع، الذي يعد بمثابة مدير دائم للمكتب الوطني للسكك الحديدية رغم فداحة أخطائه والمقدرة بالملايير، هو نفسه الذي أعلن عن أكبر الصفقات في تاريخ قطاع النقل السككي في المغرب، وهو نفسه الذي سارع الزمن ليوضح أن الصينيين لم يفوزوا بعد بصفقة القطار، علما أن الصينيين فازوا بصفقة الدراسات التقنية، وهي خطوة قد تكون أهم من القطار نفسه(..).

بالأمس، ضغطت فرنسا على المغرب في ظل الربيع العربي(..) وباعت له القطار فائق السرعة كتعويض عن خسارتها لصفقة “الرافال” لصالح أمريكا(..)، لكن هل يمكن للمغرب أن يسمح باستمرار الهيمنة الفرنسية التي تهدد مستقبل قطاع النقل السككي كاملا، علما أن فرنسا لم تتجرأ حتى الآن على الدعم المباشر للمغرب في قضية وحدته الترابية(..) ؟

واحد من المنافسين لفرنسا هو الصين، والكل يعلم مدى قوة الصينيين في مجال البنية التحتية والقطارات فائقة السرعة، علما أنها بلد لا يعادي القضية الوطنية، فهل يمكن التعويل على الشركات الصينية؟ وقد سبق لـ”الأسبوع” أن طرحت سؤال الاستثمار في مجال القطارات على السفير الصيني في الرباط، فكان جوابه دبلوماسيا حيث يقول لي تشانغ لين: ((فيما يتعلق بمشروع القطارات، سبق لي أن أجبت عن أسئلة الصحافة بهذا الخصوص، وهناك العديد من الأمور التي ستظهر في أفق 2025 و2030، وبما أنكم تكلمتم عن شبكة السكك الحديدية، لا بد أن أقول لكم الحقيقة، وهي أن الصين جاهزة على المستويات التكنولوجية، وليس لدى الصين أي عائق تقني أو تكنولوجي فيما يتعلق بإنجاز المشاريع السككية الكبرى.. وقد قمنا بإنجاز أكثر من 40 ألف كيلومتر من السكك الحديدية المخصصة للقطارات فائقة السرعة في الصين، وفيما يتعلق بالتمويلات الخاصة بهذه المشاريع، فإنه يتوجب على الأطراف المعنية الجلوس من أجل مناقشة تعبئة الموارد المالية، ونعتقد أن القرار سيكون قرارا سياسيا، واستراتيجيا.. إنه بالفعل مشروع ضخم، والفوز بهذه الصفقة سيمر حتما عبر طلب عروض دولي.. وأكرر أن الصين تتوفر فعلا على كل الإمكانيات للمشاركة في المنافسة لكسب هذه الصفقة، ولكن هناك عوامل أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار.. وعلى كل حال، فإن الصين ترغب في المساهمة بطريقة أو بأخرى في إنجاز الشطر الثاني من مشروع القطار فائق السرعة)) (المصدر: حوار السفير الصيني مع جريدة الأسبوع الصحفي/ العدد السابق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى