
الحديث عن أزمة التعليم بالمغرب لا يجب حصرها في فترة زمنية محددة، أو تناولها انطلاقا من فترة وزير معين أو حكومة معينة، بل يجب الرجوع إلى مسار تطور التعليم ببلادنا منذ الاستقلال، حيث كل مرحلة طبعتها متغيرات سياسية واجتماعية كان لها أثر في تغيير المنهج التعليمي حسب رؤية المرحلة، وحسب قناعات كل وزير من أجل طرح بديل للبرنامج التعليمي للذي سبق، ولذلك، فقد اتسمت السياسة التعليمية ببلادنا بكثرة البرامج الإصلاحية.

لشرح مسببات أزمات البرامج التعليمية بالمغرب، لا بد من التذكير بطبيعة التعليم الذي أقره المستعمر منذ سنة 1920، بعدما كان تعليما عتيقا يلقن في “المسيد”، فارتأى المستعمر تغيير نمط الدراسة، غير أن مدير التعليم في تلك الفترة (1920-1926)، وكان اسمه جورج هاردي، انتهج سياسة تعليمية طبقية، وقسم المغاربة إلى ثلاثة أقسام: المسلمون واليهود والأوروبيون، واعتبارا أنه لكل طائفة ثقافتها، فقد أرتأى أن يكون لكل فئة تعليمها الخاص، ويقول أحد المؤرخين، أن جورج هاردي هذا، قسم المغاربة المسلمين إلى ثلاث طبقات: “طبقة النخبة”، و”جماهير المدن الجاهلة المحرومة”، ثم “جماهير البادية المنعزلة المبعثرة”، وذلك بقوله: “نحن ملزمون بالفصل بين تعليم خاص بالنخبة الاجتماعية، وتعليم لعموم الشعب، الأول يفتح في وجه أرستقراطية مثقفة، توقفت عن النمو الفكري بسبب تأثير العلوم الوسيطية.. التعليم الذي سيقدم لأبناء هذه النخبة الاجتماعية تعليم طبقي يهدف إلى تكوينها تكوينا منظما في ميادين الإدارة والتجارة، أما النوع الثاني، وهو التعليم الشعبي الخاص بالجماهير الفقيرة والجاهلة جهلا عميقا، فيتنوع بتنوع الوسط الاقتصادي: في المدن يوجه التعليم للمهن اليدوية، خاصة مهن البناء، وإلى الحرف الخاصة بالفن، أما في البادية، فيوجه التعليم نحو الفلاحة، وفي المدن الساحلية يوجه نحو الصيد البحري والملاحة، وبالنسبة لمواد هذا التعليم التطبيقي، فهي اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط تلامذتنا بفرنسا”.
وبالرجوع إلى سيرورة التعليم من عهد الحماية إلى اليوم، فنجده لا يخرج عن منطق هذا التعليم الطبقي، الذي أفرز لنا نخبا صنعت لها مدارس على المقاس، والأمثلة كثيرة بغض النظر عن مدارس البعثات الأجنبية التي لا زالت ترسي قواعدها وتفرض تعليمها في بلادنا.
في مرحلة ما بعد الاستقلال، وفي إطار سياسة الإصلاح التي أقرتها الدولة في كل القطاعات، كان لا بد من إرساء قواعد تعليم وطني يخرج عن جبة المستعمر، فكانت أول لجنة للإصلاح سنة 1957 وسميت “الحركة التعليمية”، ضمت في هيكلتها كل ممثلي أنماط التعليم الموجودة آنذاك (التعليم الفرنسي الإسلامي، التعليم اليهودي، والفرنسي، والإسباني، والأصيل، والتعليم الحر)، وكان من بين تصوراتها “توحيد البرامج في جميع أنواع التعليم”، و”تحديد سنوات الأسلاك الدراسية والتعريب”، ولهذا الغرض تم إنشاء “اللجنة الملكية لإصلاح التعليم” سنة 1958، التي بدورها طرحت أربعة مبادئ اعتبرت أساس مذهب التعليم بالمغرب وهي: “التعميم”، “التوحيد”، “التعريب” و”المغربة”، غير أن ما تحقق على أرض الواقع، كان متناقضا مع ما رسمه هذا المخطط الإصلاحي، وبذلك تم التراجع عن قرارات اللجنة السابقة، حيث اعتمدت هذه اللجنة “الرجوع إلى نظام 6 سنوات في الابتدائي” و”الرجوع إلى الفرنسية في الحساب والعلوم” و”إجبار التلاميذ على إعادة نفس القسم”، ومنذ ذلك التاريخ، توالت المخططات الإصلاحية لكنها لم تخرج عن الإطار الذي رسمه المستعمر، فكل وزير يتقلد حقيبة التعليم يطرح مخططه أو رؤيته لإصلاح القطاع وفق ما تمليه المرحلة أو حسب قناعاته وقناعات اللجنة التي تصنع معه المسار التعليمي للفترة المعنية.. فبعد المخطط الخماسي الأول (1960-1964)، الذي اتخذ من المبادئ المذكورة قضايا وطنية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية، اصطدم بعراقيل مادية ناتجة عن العجز الكبير في ميزان الأداءات، فضلا عن النمو الاقتصادي البطيء وتضخم نفقات الدولة اعتبارا لأنها لا زالت في مرحلة بناية اقتصادها بعد الخروج من فترة استعمار مدمر، وكانت تحتاج لسيولة مالية كبيرة من أجل هذه الإصلاحات، لذلك فرضت الضرورة اللجوء إلى إصلاح آخر، وهو ما تجلى في ما سمي آنذاك بـ”مذهب بنهيمة”، نسبة إلى وزير التعليم آنذاك محمد بنهيمة، الذي تم تعيينه مباشرة بعد أحداث الدار البيضاء 1965، حيث تم إخضاع التعليم للاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بميزانية الدولة، وفق رؤية مداها عشر سنوات، وكان من بين بنوده “تقليص ميزانية التعليم” و”اعتماد سلكين في الابتدائي، واحد من ثلاث سنوات يكون إلزاميا تتكفل به الجماعات المحلية، وهو معرب كليا، حيث ستلقن المواد العلمية باللغة العربية بدء من سنة 1966، وآخر من أربع سنوات تتكفل به الدولة، والعمل على مغربة الأطر”، ثم “العمل على التقريب بين البرامج العصرية والتقليدية وتشجيع التعليم الخاص”، لكن هذا المخطط قوبل بالرفض من العديد من الأطراف السياسية، خاصة حزب الاستقلال، الذي رأى فيه تراجعا عن المكتسبات السابقة، لأنه ينأى عن البعد الجماهيري ويكرس التخطيط البيروقراطي، وكان حزب الاستقلال قد اقترح خطة لتعريب التعليم في مدة لا تتجاوز ثماني سنوات، كما رأى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مذهب بنهيمة خطرا كبيرا، لأنه يرهن مستقبل التعليم بالضغوط المالية، ورفضه الاتحاد المغربي للشغل لأنه بالنسبة له “توجه رجعي واستعماري جديد يقسم المغرب إلى نخب مفرنسة وأغلبية أمية”، ونفس الانتقادات طالت هذا المذهب في المؤتمر 11 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1966.. وهكذا أنتج هذا المخطط أزمة أخرى كان المغرب في غنى عنها في تلك الظرفية الحساسة، ليتم اعتماد ما سمي “المخطط الثالثي” (1965-1967)، وتم التراجع عن “التعميم والتوحيد والمغربة”، وفي سنة 1967 توقف تعريب العلوم والحساب في الابتدائي وتوقفت عملية مغربة الأطر، حفاظا على ميزانية الدولة، كما صرح به الوزير بنهيمة في حينه: “إذا سار التعليم على هذه الوتيرة فإن ميزانية الدولة ستتضرر، لذلك يجب أن نقيد قاعدة التعليم من الأساس”، وقد تكرست أزمة التعليم في تلك الفترة بشكل كبير، إذ في كل سنة يتم اتخاذ قرارات استعجالية من أجل إصلاح القطاع، فبعد “المخطط الثالثي”، تم في سنة 1966 “إلغاء التعليم التقني والمهني” وإقرار “العودة إلى الازدواجية في الابتدائي”، وفي سنة 1967، توقف تعريب العلوم والحساب في الابتدائي وتوقفت مغربة الأطر ، وفي سنة 1968، تم تقسيم وزارة التعليم إلى وزارة التعليم الابتدائي، ووزارة التعليم الثانوي والتقني، وفي سنة 1969، تمت إعادة تقسيم وزارة التعليم إلى ثلاث وزارات، وصدور مذكرة تقنن نسبة الموجهين إلى التعليم الثانوي، وقد طبع هذه المرحلة ربما نوع من الارتجالية في تدبير القطاع أو الأنانية في بنود الإصلاح، مما كرس فشل كل هذه المخططات، وبالتالي التبعية للنظام التعليمي الفرنسي، فكانت سنة 1970، فارقة في تاريخ التعليم ببلدنا، بصدور بيان بهذا الخصوص من طرف علماء ومثقفين ورؤساء أحزاب (عددهم 500 شخص، من بينهم: الشيخ المكي الناصري، محمد الجواد الصقلي، علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني، عبد الرحيم بوعبيد، المهدي بن عبود، عبد الله كنون، امحمد بوستة، محمد إبراهيم الكتاني، إدريس الكتاني، عبد الكريم الخطيب، محمد بنعبد الله، عبد المجيد بن جلون، الفاروقي الرحالي، محمد داوود، أبو بكر القادري، علي يعته، عبد السلام بورقية، محمد ازنيبر، محمد الناصري، محمد لخصاصي، عبد الرزاق أفيلال، محمد الدويري، عبد الكريم غلاب، بنسالم الكوهن، مصطفى العلوي، محمد لحبابي، عزيز بلال، محمد كسوس، محمد بن البشير، إسماعيل العلوي، عبد السلام الهراس، عبد الوهاب التازي، عبد الكبير الخطيبي، فتح الله ولعلو، عبد الهادي مسواك، حمزة الكتاني، عبد الحق التازي، التهامي الوزاني… وغيرهم)، ومن جملة ما خلص إليه البيان: “التحذير من ازدواجية اللغة”، “الدعوة إلى التعريب العام”، “التحذير من التحقير الذي تواجهه اللغة العربية”، و”التأكيد على مبادئ التعريب والمغربة والتعميم”..
ورغم صدور هذا البيان، فقد استمرت الوزارة المعنية في تفريخ المخططات دون نتيجة، مكرسة بذلك أزمة أهم قطاع ينتج للدولة كوادر وسواعد تبني بها مؤسسات مغربية خالصة، إلا أن من يتولون حقيبة التعليم دائما ما كان لهم رأي آخر، وتوالت المخططات بتوالي السنوات، وكلها تفشل في أول تطبيق لها، مما غذى الحركات النضالية المطالبة بالتغيير وبالإصلاح، فمثلا نجد أن سنة 1983 عرفت صدور قرار باعتبار التعليم قطاعا غير منتج، مع ما رافق ذلك من جدل، ثم سنة 1984 التي عرفت أكبر عدد من المطرودين، ثم إحداث إدارة للتكوين المهني وتكوين الأطر تابعة لوزارة التجهيز سنة 1985، واستمرت الأزمة بين المد والجزر إلى غاية سنة 1995، حيث دعا الملك الحسن الثاني في شهر نونبر، إلى تشكيل لجنة خاصة من أجل العمل بميثاق، خلصت هذه اللجنة إلى: ترسيخ القيم الروحية للإسلام؛ تعميم التعليم؛ إقرار إلزامية التعليم للفئة العمرية 6-16 سنة؛ اعتبار اللغة العربية محورا أساسيا للتعليم؛ ضرورة محو الأمية؛ وتوحيد التعليم، وبعد ذلك بشهور، تم رفض نتائج اللجنة، فتم إقبارها.
وفي سنة 1999، تم تشكيل لجنة لوضع ميثاق للتعليم، وفي شهر أكتوبر من نفس السنة، تمت المصادقة على “مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999-2009″، وقد تضمن قسمين اثنين: القسم الأول عبارة عن مبادئ أساسية تضم المرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخاة منه، وحقوق وواجبات كل الشركاء، والتعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح، والقسم الثاني يشتمل على ست مجالات للتجديد موزعة على تسعة عشر دعامة للتغيير، أهمها: نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي؛ التنظيم البيداغوجي؛ الرفع من جودة التربية والتكوين؛ الموارد البشرية؛ التسيير والتدبير؛ الشراكة والتمويل.
ورغم أن هذا الميثاق متكامل من حيث مرتكزاته، إلا أنه تبعته مجموعة من المخططات الإصلاحية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، وهو أيضا أهدر ميزانيات كبيرة دون تحقيق انتظارات المغاربة، ليأتي بعده “البرنامج الاستعجالي” لإصلاح قطاع التربية والتكوين، والذي بدوره فشل فشلا ذريعا بفعل الأزمة التي خلفها، فمثلا من أصل 1164 مؤسسة تعليمية مبرمجة ضمن أهداف هذا المخطط، تم إنجاز 286 مؤسسة فقط، وحسب تقرير سابق للمجلس الأعلى للحسابات، فإن حجم الاعتمادات المفتوحة التي تعكس مجهود الدولة لقطاع التعليم خلال فترة “البرنامج الاستعجالي”، سجل ارتفاعا بنسبة 230 في المائة مقارنة مع الاعتمادات التي تم رصدها لهذا القطاع خلال الأربع سنوات التي سبقت، وغيرها من أوجه القصور التي تخللت تنزيل هذا المخطط في عهد الوزير أحمد اخشيشن، الذي ساقه سوء تدبيره للقطاع وحجم الموارد التي تم تبديدها دون نتائج ملموسة، والتي بلغت حوالي 4000 مليار سنتيم، إلى التحقيق القضائي، وبعد ذلك، جاءت الأزمة الكبرى بفعل فرض نظام التعاقد على الأساتذة والمعلمين منذ سنة 2016، أي أثناء حكومة “العدالة والتنمية”، ومن ذلك الوقت والقطاع يعيش مخاضا عسيرا أوصل الأمور لعنق الزجاجة هذه السنة بعدما فشلت النقابات في الدفاع عن حقوق الشغيلة التعليمية، فتكتلت العديد من التنسيقيات وخرجت للشارع مطالبة بإلغاء هذا النظام في أكبر احتجاجات لم يسبق لها مثيل في القطاع..
هكذا نرى أن تغيير البرامج الإصلاحية للتعليم منذ الاستقلال إلى اليوم بشكل سنوي أو دوري، مرده فشل المخططات التي يطرحها الوزراء الذين يتقلدون حقيبة وزارة التربية الوطنية والتعليم، وهذا هو الذي يخلق أزمات في القطاع بفعل اعتماد مخططات تضرب في الصميم المرجعية اللغوية للمغرب في حين يتم تكريس التبعية للمناهج التعليمية الغربية، وعدم القدرة على الانسلاخ عن الاستعمار الفرنسي، مما كانت له انعكاسات سلبية على عموم المغاربة، الذين يتيهون بين التعريب في المستوى الابتدائي والإعدادي الثانوي والدراسة باللغة الفرنسية في الجامعات، وخاصة المواد العلمية، باستثناء الطبقات الميسورة التي تدرس أبناءها في مدارس خصوصية أو مدارس البعثات، وهذا بدوره أكبر سبب في الأزمات التي تضرب قطاع التعليم.



