تحقيقات أسبوعية

متابعات | لأول مرة.. أحزاب مغربية “تكذب” تقارير زينب العدوي

سياسيون يضعون المجلس الأعلى للحسابات في قفص الاتهام

كشف المجلس الأعلى للحسابات – في تقريره الأخير – ما سماه اختلالات مالية وتدبيرية لبعض الأحزاب السياسية، الشيء الذي دفع هذه الأحزاب إلى الخروج عن صمتها واتهام مجلس العدوي بالسقوط في خطأ التشهير ونشر مغالطات أمام الرأي العام بخصوص طرق صرف الدعم المالي والمنح المخصصة للدراسات والأبحاث.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

    اتهم المجلس الأعلى للحسابات، الذي تترأسه زينب العدوي، في تقريره المثير للجدل، بعض الأحزاب دون غيرها، بالإخلال بالتزاماتها وبشفافيتها في تدبير مصاريفها، وعدم جديتها في إعادة المبالغ غير المبررة لخزينة الدولة، سواء المخصصة للانتخابات أو للدعم السنوي والمهام المتعلقة بالدراسات والأبحاث.. هذه الملاحظات جعلت بعض الأحزاب تخرج عن صمتها وتوجه انتقادات إلى المجلس الأعلى للحسابات وتتهمه بنشر معطيات غير صحيحة، وعدم الأخذ بالتوضيحات التي قدمتها الأحزاب بخصوص النفقات والمصاريف التي نشرها، واستهداف أحزاب معينة لأسباب مجهولة.

وقد انتقدت الأحزاب المعنية المجلس، لكونه لم يتعامل بنفس المقاربة مع الأحزاب الأخرى مثل الأحرار والاستقلال وغيرهما، حول مخرجات الدراسات المنجزة، بينما ركز على حزبي الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية بشكل شديد، دون أن يشير إلى الظرفية والمدة الوجيزة المخصصة لصرف الدعم الإضافي المخصص للدراسات قبل نهاية سنة 2022، الشيء الذي اعتبرته هذه الأحزاب استهدافا مباشرا لها دون غيرها.

في هذا السياق، هاجم إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، المجلس الأعلى للحسابات، بخصوص ما جاء في تقريره من اتهامات للحزب بارتكاب اختلالات في صرف مبالغ الدعم المخصصة للدراسات والأبحاث، وقيامه بتحويل حوالي 193 مليون سنتيم لشركة للدراسات والاستشارات، معتبرا أن المجلس يقوم بـ”التشويش على ملتمس الرقابة” من خلال إطلاق العنان للاتهامات الباطلة والتهييج الإعلامي وإلهاء الرأي العام عن قضاياه الحقيقية.

واتهم لشكر – خلال لقاء جهوي بعمالة البرنوصي بالدار البيضاء – مجلس الحسابات بـ”الاصطياد في الماء العكر” والتهييج الإعلامي و”محاولة إلهاء الرأي العام عن مشاكله وقضاياه الحقيقية، والتغاضي عن النبش في صفقات الحكومة والمؤسسات العمومية، متسائلا عن مصير تقارير المؤسسات العمومية ومؤسسات الدولة والصفقات والاقتراضات الضخمة، عوض استعراض الأحزاب التي ما زالت في ذمتها دراهم للدولة، رافضا المقاربة التي ينهجها مجلس الحسابات بين الأحزاب والمؤسسات الأخرى.

وانتقد لشكر طريقة عمل مجلس الحسابات وعدم افتحاصه لجميع الأموال العمومية، قائلا: “نحن من دافع عن إعطاء الصلاحيات للمجلس الأعلى للحسابات، لكن المجلس يجب أن يقول لنا 99.99 في المائة من ميزانية الدولة أي تقارير كُتبت عنها، وأي بحث أجري حولها؟ وأيضا شركات الدولة والمؤسسات العمومية وحجم القروض التي تؤخذ باسم الشعب المغربي وكل الصفقات الحقيقية”.

ودعا لشكر مسؤولي المجلس إلى الاحتكام للقانون إذا كان لديه اتهام، قائلا: “إذا كان لكم اتهام فلتضعوه مباشرة لدى القضاء، وإذا كان لديكم تنبيه أو إنذار وضحوه، فالمسطرة واضحة في القوانين.. وإذا كان لكم استفسار فكل الاستفسارات أخذتم بشأنها الأجوبة، أما إذا لم يكن لكم لا هذا ولا ذاك، فسنلتزم بالقانون ولن يجرنا أي أحد إلى أي نقاش سياسوي بهدف جعل المشهد كله متشابها”، موضحا أن ميزانية الأحزاب السياسية لا ترقى إلى ميزانية هيئة الحكامة المتمثلة في المجلس الأعلى للحسابات، والذي تعد ميزانيته أعلى بكثير من الميزانية الممنوحة لمختلف الأحزاب المغربية.

وحسب المجلس الأعلى للحسابات، فقد حصل حزب الاتحاد الاشتراكي على دعم سنوي قدره 193 مليون سنتيم لإنجاز 23 دراسة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي والبيئي، من قبل مكتب الدراساتmela strategie and conseil، يشرف عليه مهدي مزواري وريم العاقد وحسن لشكر، بمبلغ إجمالي قدره 185 مليون سنتيم، مشيرا إلى أن الحزب قام بإرجاع مبلغ الدعم غير المستعمل إلى الخزينة قدره 9 ملايين سنتيم.

بدوره، خرج عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، برد قوي على تقرير مجلس العدوي، من خلال بلاغ توضيحي حول الملاحظات التي وجهها له مجلس الحسابات بخصوص صرف أموال الدعم الإضافي المتحصل عليها، منتقدا عدم إشارة المجلس الأعلى للحسابات إلى السياق القانوني والزمني الذي حددته وزارة الداخلية بخصوص الدعم الممنوح لفائدة الأحزاب السياسية لمدة شهر فقط، والذي تم تحويله في بداية شهر نونبر 2022، وطلبت صرفه قبل نهاية شهر دجنبر من نفس السنة، وأن تقوم بإعمال المسطرة التنافسية وأن تنجز الدراسات وتصرف الدعم.

واستغربت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية “كون المجلس أصبح يركز ويختزل ملف محاربة الفساد في علاقته بالأحزاب السياسية وبالمنتخبين دون غيرهم من المسؤولين المعينين على مستوى السلطات المركزية والترابية ومختلف الإدارات والمؤسسات والأجهزة العمومية”، معتبرة أن الميزانيات والاختصاصات المخولة للأحزاب السياسية والمنتخبين تبقى ضعيفة جدا بالنظر للميزانيات الضخمة والاختصاصات الكبيرة المخصصة للمسؤولين المعينين مركزيا وترابيا.

وأكدت أمانة “البيجيدي” رفضها لما وصفته بأسلوب التشهير، الذي قالت إن المجلس اعتمده، معتبرة أن المنهجية التي اعتمدها المجلس تعطي الانطباع بأن الفساد مرتبط فقط بالأحزاب السياسية وبالمنتخبين، وأن باقي المسؤولين يتمتعون بحصانة، وهي منهجية بقدر ما تكثر مخاطر الفساد وهدر الأموال العمومية، فإنها تساهم في تبخيس العمل السياسي والحزبي وصرف المواطنين عن الانخراط في تدبير الشأن العام.

وأوضح الحزب أن الملاحظة المتعلقة بكون حزب العدالة والتنمية قام بأداء نفقة 14.400 درهم تتعلق بطبع ونشر دراسة حول مدونة الأسرة ورهانات المراجعة لفائدة أحد الأطر الحزبية”، وذكر تقرير المجلس بالاسم مصطفى الخلفي، يؤكد الحزب أن الأمر يتعلق بدراسة أنجزها لفائدة الحزب مجانا ودون أي مقابل، ونفى نفيا قاطعا أن يكون الخلفي قد تسلم أي مقابل عن هذه الدراسة العلمية التي أنجزها بصفة تطوعية، وهو ما يتعين على المجلس استدراكه وتصحيحه لرفع الإساءة التي نجمت عن هذه المعلومة الخاطئة، مشيرا إلى أن مبلغ 14.400 درهم مبلغ أداه الحزب مباشرة للمطبعة مقابل طبع ألفي (2000) نسخة من هذه الدراسة (بسعر 7.2 دراهم للنسخة مع احتساب الضريبة على القيمة المضافة)، حسب الفاتورة التي أصدرتها المطبعة التي كلفها الحزب بالطبع، بتاريخ 26 يونيو 2023، والتي يتوفر المجلس على نسخة منها وعلى كل التفاصيل.

وأكد “البيجيدي” أن الشروط التي اشترطها المجلس من تلقاء نفسه بخصوص طرق صرف هذا الدعم، مثل اعتباره أن نفقة طبع ونشر الدراسات تدخل ضمن مصاريف التدبير ولا تدخل ضمن الغايات التي منح من أجلها الدعم الإضافي لتغطية مصاريف إنجاز المهام والدراسات والأبحاث كما زعم المجلس، مع أن المرسوم لم يحدد بدقة مجالات صرف الدعم العمومي الخاص بإنجاز المهام والدراسات كما هو الحال بالنسبة للدعم الخاص بالحملات الانتخابية، أو ملاحظته حول تخويل إنجاز الدراسات إلى أحد الأطر الحزبية، هي شروط لم ترد في القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، ولا في المراسيم المتعلقة بتحديد كيفيات توزيع الدعم الممنوح للأحزاب السياسية وطرق صرفه، ولا في القرار المشترك المتعلق بالمخطط المحاسبي الموحد للأحزاب.

وكشف أن الأمانة العامة للحزب قبل الشروع في إنجاز الدراسات، قامت في اجتماعها، يوم 12 نونبر 2022، بمبادرة ذاتية عبر نهج مسطرة حزبية داخلية لصرف الدعم العمومي الإضافي المخول للمهام والدراسات من أربعة مراحل (مصادقة الأمانة العامة على لائحة المهام والدراسات والأبحاث المقترحة، والجهة المشرفة والجهة المنفذة؛ تكليف الهيئة المشرفة على المهمة أو الدراسة أو البحث بتحضير الشروط المرجعية؛ تكليف الهيئة المشرفة على المهمة أو الدراسة أو البحث بمتابعة التنفيذ وفق الشروط المرجعية؛ تكليف لجنة تتضمن ممثلين عن الأمانة العامة والإدارة العامة والهيئة المشرفة بتسلم المنجز برسم المهمة أو الدراسة أو البحث قبل الأداء).

وقال مجلس العدوي أن حزب العدالة والتنمية استفاد من دعم إضافي قدره 105 ملايين سنتيم، للقيام بدراسات وأبحاث، حيث أبرم اتفاقيات مع خمس جهات بكلفة بلغت 87 مليون سنتيم، منها شبيبة العدالة والتنمية ومكتبين للدراسات، وشخصين كل من الوزير السابق مصطفى الخلفي، وشخص آخر يملك مكتبا استشاريا.

من جانبه، رد حزب الأصالة والمعاصرة، بعد اتهامه من قبل مجلس الحسابات، بتفويت ثماني دراسات لمركز واحد وهو مركز الحوار العمومي والدراسات المعاصرة، بقيمة مالية تصل لـ 460 مليون سنتيم، حيث قال أن هذا المكتب هو مركز داخلي للحزب ومن الطبيعي أن يتم إسناد إنجاز الدراسات إليه، لكونه يتوفر على موارد بشرية، وهكذا، فإن المستفيد من هذا الدعم هو مركز تابع للحزب وليس شركة أو مركزا من خارج الحزب.

وأوضح “البام” – في بلاغه – أن الحزب توصل بهذا الدعم مثل جميع الأحزاب السياسية، في الربع الأخير من سنة 2022، ولا يمكن في هذه المدة القيام بجميع المساطر، خصوصا ضرورة صرفه الدعم قبل 31 دجنبر 2022، مضيفا أن رفضه منح المجلس الأعلى نسخ من هذه الدراسات، لأنها داخلية، وهو نفس الجواب الذي قُدِّمَ من طرف عدد من الأحزاب السياسية، علما أن الحزب قدم خلاصات ومخرجات الدراسات المذكورة للمجلس الأعلى للحسابات.

وقال الحزب أنه قام بفتح حساب خصوصي لتلقي مبلغ الدعم العمومي المخصص للدراسات، وملتزم بإرجاع المبلغ المذكور في تقرير مجلس الحسابات المنشور في فبراير الماضي، والبالغ 31 مليون سنتيم، مؤكدا أنه “حريص على التفاعل الإيجابي مع عمل المؤسسات الوطنية، لا سيما في مجال تدبير المال العمومي، بكل شفافية ودقة”.

وتناول التقرير طريقة تدبير حزب التجمع الوطني للأحرار للدعم السنوي الإضافي بنوع من الليونة، ودون الكشف عن تفاصيل مدققة حول الدراسات المنجزة، والتي تطلبت صرف 5620 مليون سنتيم من أموال الدعم البالغة 561 مليون سنتيم المتحصل عليها في 28 شتنبر 2022، مشيرا إلى تعاقده مع ثلاثة مكاتب دراسات دون أن يكشف عن تفاصيل هذه الدراسات، وأن الحزب يعتبر أن نتائج الدراسات المنجزة من طرف المكتب، ملكية فكرية للحزب تتضمن توصيات وأفكار ومخططات مستقبلية للحزب، من أجل تطوير عمله والرفع من مستوى أداء المنتخبين، وأن إنجازها من قبل المكاتب يتطلب 6 أشهر.

كما تحدث التقرير عن غياب أي إطار اتفاقي حول مواضيع وآجال ومخرجات الدراسات والأبحاث والمهام المزمع تمويلها بواسطة الدعم السنوي الإضافي، مضيفا أن أربعة أحزاب تقدمت بطلب لوزارة الداخلية بتواريخ 18 و19 و22 أكتوبر 2022، بعد توصلها برسالة الوزارة بشأن إعداد الدراسات والأبحاث، مصرحة أنها لم تكن على علم بمبلغ الدعم السنوي الإضافي العائد لها، مشيرا إلى أن المدة الفاصلة بين تاريخ صرف الدعم السنوي الإضافي والأجل القانوني للالتزام بالنطاق السنوي لاستعماله، لم تتجاوز ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، وهو ما اعتبرته الأحزاب المستفيدة غير كاف لإنجاز الدراسات المقررة.

وحسب جدول مؤشرات صرف الدعم السنوي الإضافي، والمدة المتبقية لإنجاز الدراسات، فإن الأحزاب التي استهدفها التقرير لم تتوفر على مدة كافية، مثل الاتحاد الاشتراكي: شهر و22 يوما، العدالة والتنمية: شهر و21 يوما، بينما أحزاب أخرى كانت لديها مدة تصل لثلاثة أشهر، كل من التجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري وحزب الاستقلال: شهران، والأصالة والمعاصرة: شهران و18 يوما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى