الحقيقة الضائعة | أكبر تعديل وزاري أيام السلطان عبد العزيز
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 69"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إن التخلص من باحماد كان تحولا هاما في تاريخ المغرب، وخروجا من مرحلة إلى مرحلة.. فقد كان أولا تتويجا لفترتين من التفكير الطويل، وتجرع المرارة على مستويات عدة.
لقد توج التخلص منه أزمة الضمير التي كانت تعاني منها للارقية، أم السلطان عبد العزيز، التي فضلت ابنها على الأولاد الآخرين للحسن الأول، وهي الشركسية التي لا تمت للجنس المغربي بصلة إلا بعد أن شرفها الحسن الأول بإطلاق اسمه عليها، ولكنها زاولت دور الأم التي تحب ولدها، إذ لو كان الابن الأكبر للحسن الأول امحمد، هو الذي تحمل المسؤوليات خلفا لأبيه العظيم، لما وصل المغرب إلى تلك الدرجة من الانهيار الذي مهدت له غيبة النفوذ السلطاني في بلد مترامي الأطراف لا يوحده إلا السلطان.
وعندما أخذت أم السلطان تستعد لتدارك الموقف وتصحيح أخطاء باحماد، وإقحام ولدها في خضم المسؤولية الجدية، أصيبت بمرض وماتت، كما أن التخلص من باحماد توج فترة أخرى من الفترات الحاسمة في تاريخ المغرب وبداية تحمل السلطان عبد العزيز لمسؤولياته كاملة كرجل في عز شبابه وقدرته.
ومنذ سنة 1900، لم يبق للسلطان عبد العزيز عذر، وأصبح هو المسؤول عن تصرفاته.
لكن، إلى حد ما.
وكلما زادت الأيام بعدا والعهود غبورا، كلما تجلت حقيقة الضغط الذي كان باحماد يمارسه على السلطان عبد العزيز، والدور الذي كان يلعبه في فرض ديكتاتوريته على الشعب.
وهكذا نجد الأستاذ عبد الهادي بوطالب سنة 1980، يتطرق في كتابه: “النظم السياسية العالمية المعاصرة”، إلى هذا الموضوع فيقول في الصفحة 154: ((ففي الفترة الأخيرة من عهد السلطان عبد العزيز، الذي اعتلى العرش سنة 1894، استجاب بعد تحرره من تحجير وزيره أحمد بن موسى المعروف بباحماد، لرغبة الشعب في تأسيس مجلس الأعيان، حيث أنشأه فعلا سنة 1905، وكان مؤلفا من ممثلي القبائل والجهات الذين انتدبوا للعمل بجانب السلطان، وخاصة للنظر فيما عرضته عليه فرنسا من اقتراحات بشأن “مشروع الإصلاحات” التي كانت تود أن تدخلها على المغرب تمهيدا لفرض سيطرتها عليه.
وقد استمرت أعمال هذا المجلس بجانب الحكومة المغربية، وانتهت برفض المشروع الفرنسي، وكان من بين ما أسفرت عنه أشغال المجلس والحكومة، استدعاء مؤتمر دولي للنظر في الإصلاحات الحقيقية التي ينبغي تحقيقها في إطار الوحدة الترابية والاستقلال الوطني.
وبناء على ذلك، انعقد مؤتمر الجزيرة، المؤلف من 13 دولة، والذي استمر من 16 يناير إلى سابع أبريل سنة 1906، وأقر في ختام أشغاله وحدة المغرب وسيادة السلطان، ومبدأ الباب المفتوح.
إن إعطاء الشعب حق البت والتقرير في المصير، والاعتماد على معارضة مجلس الأعيان، مكنا السلطان من صد أطماع الفرنسيين مؤقتا في فرض نظام الحماية)).
لكن الحصار الذي ضربته القوات الأجنبية الطامعة في المغرب، وفي مقدمتها فرنسا، لم يكن متجسدا في باحماد وحده، بل إن البلاط السلطاني كان عبارة عن مجموعة من الموظفين المأجورين مرتين: مرة من أجل خدمة السلطان مظهريا، ومرة من أجل خدمة من يرغبون في بقاء السلطان، ولكن على هامش الأحداث.
لقد طال انتظار الرأي العام الوطني للتعديل الوزاري الذي كان السلطان عبد العزيز مضطرا للقيام به، وكانت أعناق الناس مشرئبة لتتبع الأخبار وسماع اللائحة الوزارية الجديدة، خصوصا وأن الجميع كانوا يعرفون غضبة السلطان على باحماد، الوزير الأول الذي مات مسموما.. فمن سيكون الوزير الأول الجديد؟
إن الدول التي تكون موضوعة تحت مجهر الدول الطامعة فيها، كثيرا ما تكون التعديلات الوزارية بها مطبوخة، ولو في مطبخ وطني، إلا أنها تكون مبزرة ومملحة ومخضرة بتوابل متأثرة بذوق الدول الطامعة وساستها.
ولما أعلن التعديل الوزاري الأول في عهد السلطان عبد العزيز، أصيب المغاربة بخيبة أمل كبرى، قد يقول قائل، ومتى لم يصب المغاربة بخيبة أمل كلما حصل تعديل وزاري؟ لكن تعديل حكومة السلطان عبد العزيز كان مثل دروج السلم تؤدي إلى ممر واحد، أو طرق إيطاليا التي تؤدي كلها إلى روما.
فبعد أن اختار السلطان عبد العزيز كوزير أول الحاج المختار بن عبد الله البخاري، وهو ابن باحماد، شعر بنفور كبير للرأي العام من هذا الوزير الأول، الذي يذكر بأيام باحماد، وبعد فترة وجيزة، اختار السلطان عبد العزيز وسيلة أخرى لإحياء ذكرى أخرى في نفوس المواطنين، فاختار الوزير الأول في عهد أبيه العظيم، العجوز المفضل غرنيط، وأسند إليه منصب الوزير الأول، وفرغ منصب وزير الحرب، فتم اختيار المهدي المنبهي وزيرا علافا.
وبهذا التعيين أصبحت وزارة الحرب – كما ذكرنا ذلك سابقا – في أيدي الخبير البريطاني الملازم للسلطان، الكولونيل ماك لين.
وفهم الفرنسيون أن نفوذهم بجانب السلطان قد أصبح ضعيفا، وأنهم سيبقون مكتوفي الأيدي أمام مخططهم للاستمرار في احتلال المغرب، ونحن نذكر أن بريطانيا كانت تعارض فرنسا دائما في احتلال المغرب، بدون الاتفاق بينهما.
وما دام المستشار البريطاني للسلطان، الكولونيل ماك لين، قد اختار عونا مخزنيا بباب القصر، وهو المهدي المنبهي، وعينه وزيرا للحرب.. فلماذا لا يختار الفرنسيون موظفا آخر من داخل القصر ويؤهلونه لمنصب أهم من منصب وزير الحرب؟
يروي كتاب “أعيان المغرب” في جزئه الأول، أن صداقة حميمية كانت تربط المهدي المنبهي والكاتب بالبلاط، الجيلالي الزرهوني، ويقول الكتاب: ((إنه لما أصبح المنبهي وزيرا للحرب، ظن الجيلالي الزرهوني أن الزمان ابتسم له، وأقبل عليه بوجه القبول، وأنه سيحظى لدى صديقه وزير الحرب الجديد، بالعطف والتقريب لما سبق لهما من الصحبة والألفة، ولوفائه له ساعة المحنة والشدة، ولكن لشد ما كانت دهشته عندما رأى منه التجاهل والإنكار، والمقابلة بوجه التجهم والإعراض، فأقسم في حالة من حالات الغضب بمرأى ومسمع من أصحاب المنبهي، أنه سيسعى ليصبح أميرا إذا كان الزمان وأتى صاحبهم فصيره وزيرا)).
فكيف لعون في قصر السلطان أن يطلق مثل هذه التهديدات بأن يصبح أميرا لو لم يكن له مخطط كان ينتظر الفرصة لتنفيذه؟
إن الجيلالي الزرهوني سبق أن قام سنة 1901، بزيارة لتونس عاد من بعدها للمغرب عبر الجزائر، حيث اتصل مع دهاقنة الاستعمار الفرنسي الذين اتفقوا معه على ذلك المخطط ولا شك.
والتزمت فرنسا بتقديم الدعم له وأعطته رؤوس خيوط الارتباط والاتصال، وعند وصوله للسعيدية، كان محط احترام وتعظيم من طرف الباشا أحمد بن كروم.. ومتى كان موظف صغير يلقى مثل هذا الاهتمام لو لم يكن مؤهلا للعب دور هام في تاريخ المغرب، قام به بمنتهى الدهاء والمكر والتعاون مع الفرنسيين؟
إذ لم يكن الجيلالي الزرهوني سوى “بوحمارة”.
وهكذا.. نرى الحصار حول المسار الذي اتخذته حكومة السلطان عبد العزيز الأولى بعد تخلصه من باحماد.
إن قصة بوحمارة، والمنبهي، وماك لين، والجاسوس ديلبيريل، وغيرهم من الرهط الاستعماري الذي كان يملأ جوانب القصر السلطاني، قد تتيه بنا بعيدا عن تتبع تسلسل الأحداث في الصحراء ومقاومة الشعب المغربي للاحتلال.
إن الأمل معقود في أن تتاح لنا الفرصة لإعطاء هذه المجموعة من العملاء حقها من الدراسة، بعد إعطاء ملف الصحراء نصيبه من العناية والمتابعة.
وكل ما سيأتي سرده من أحداث إنما كان – على أية حال – تحت تأثير مناورات هذه الشرذمة من العملاء، الذين دخلوا منذ وفاة باحماد مرحلة من المناورات والمؤامرات شلت المجهود الوطني وشتتت الوحدة الوطنية، وهو الأمل الذي كان يراود دهاقنة الاستعمار الفرنسي، وهو المخطط الذي نسجوا خيوطه عبر سنوات طوال.
وهو مخطط كالكماشة ذو مخلبين، روعيت في تنفيذه كل الحسابات السياسية والمكتسبات الزمنية، وابتداء من أول يوم من سنة 1900، قررت فرنسا خوض معركة احتلال المغرب بفتح جبهتين متناسقتين:
– الجبهة الأولى، تخوض فيها فرنسا الحرب بجيوشها وجنرالاتها ومرتزقتها ومجنديها، وتدور رحاها في أطراف المغرب، في الصحراء الشرقية، أقرب المناطق للمراكز العسكرية الفرنسية في الجزائر وأبعدها بالنسبة لجيوش السلطان ولاتصالاته، وبذلك اختارت فرنسا لأبنائها معارك مضمونة السلامة قليلة المخاطر.
– الجبهة الثانية، تخوض فيها فرنسا الحرب داخل مراكز المغرب وعواصمه وجباله وسهوله، لكن بعملائها وجواسيسها، بينما تدع مهمة التقاتل لأبناء المغرب يسفك بعضهم دماء البعض الآخر، وانبرت فيالق أخرى لإفساد اقتصاد البلاد وتخريب منشآته.
وعلى هامش هذا التلميح الأخير، لا بد من التذكير – لمن يريد أن يستفيد من الذكرى – أن أغلب الأكاديميات العسكرية في أوروبا، وخاصة “مدرسة الحربية” في فرنسا، تعطي تلاميذها الضباط خلال الدروس الأولى في السنة الأولى، أحد الدروس في الحرب كما يراها أحد الفلاسفة الصينيين.
ينص هذا الدرس الذي كتب منذ آلاف السنين على أن ((الدولة إذا أرادت احتلال دولة جارتها، أن تبقى معها في سلام، وأن تدس في جنباتها من يخرب اقتصادها ويحطم معالم القوة الاقتصادية ويقرب من سقوطها تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، وآنذاك يمكن للدولة الطامعة أن تدخل جارتها دون عناء كبير)).
لهذا خططت فرنسا فيما يتعلق بالجبهة الثانية داخل المغرب، حسب ما نصت عليه الفلسفة الصينية التي يدرسونها في مدارس فرنسا العسكرية.
وكان لفرنسا ما شاءت، وانطلقت الحرب على الواجهتين، وكانت المشاهد الأولى التي استعرضناها في الفصول السابقة، إحدى نماذج المعارك التي خاضها الجيش الفرنسي بمدافعه وجيوشه في الواجهة الأولى.
وقبل التطرق للحرب في الواجهة الثانية، لا بد من تتبع خطوات الجيوش الفرنسية في واجهتها الأولى.
وقد شاهدنا الجنرال سيرفيير يمزق أشلاء النساء والأطفال بعد أن لقنته المقاومة الشعبية المغربية دروسا أفقدته وعيه، ولم يتوقف عن التقتيل إلا يوم 7 أبريل 1901، حيث لم يبق في نظره أثر للوجود المغربي في الصحراء.



