تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | رؤساء الحكومات الإسبانية الذين صنعوا المصالحة مع المغرب

خمس زيارات رسمية خلال 25 سنة الأخيرة

قام رئيس الحكومة الإسباني القديم الجديد، بيدرو سانشيز، بزيارة رسمية إلى المغرب هي الأولى في ظل ولايته الثانية، والثانية بعد الأولى في مارس 2022، التي تعتبر تاريخية بكل المقاييس، حيث كانت نتائجها الأهم إعلان إسبانيا عن دعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقترحه الرباط كحل دائم ونهائي لقضية الصحراء المغربية. والملاحظ أنه خلال 25 سنة الأخيرة من حكم الملك محمد السادس، قام رؤساء الحكومات الإسبان بعدة زيارات رسمية للمملكة، كانت بعضها مهمة، وتحكمت في العلاقات بين البلدين، سواء في الاتجاه الإيجابي أو السلبي، ويقترح هذا الملف أبرز خمس زيارات لرؤساء الحكومات الإسبان خلال مرحلة حكم الملك محمد السادس، والتي كانت لها انعكاساتها على العلاقات بين البلدين.

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

زيارة خوسي ماريا أثنار للمغرب سنة 1999 أدخلت البلدين في حالة صدام دام أربع سنوات

    إن أول زيارة قام بها رئيس حكومة إسباني إلى المغرب خلال مرحلة حكم الملك محمد السادس، هي تلك التي قام بها اليميني خوسي ماريا أثنار، وكانت أياما قليلة فقط بعد وفاة الملك الحسن الثاني، ويمكن القول أن هذه الزيارة هي التي تحكمت في العلاقات بين البلدين مدة أربع سنوات كاملة، وقد تم الاتفاق على هذه الزيارة يوم جنازة الملك الراحل الحسن الثاني، بوساطة من الملك الإسباني خوان كارلوس، الذي طلب من وزير الخارجية المغربي محمد بنعيسى، أن يرتب لقاء لأثنار مع الملك الجديد محمد السادس. وفعلا، بعد مراسيم الجنازة، عرض بنعيسى الأمر على الملك الشاب محمد السادس، الذي وافق، وتمت الزيارة يومي 16 و17 غشت 1999.

وخلال هذه الزيارة، حظي أثنار بحفاوة الاستقبال واجتمع مع الملك الجديد بعد الظهر، وبدا من موقف أثنار وجلسته وعرضه نوع من التعالي، ويصف محمد العربي المساري، وزير الاتصال في حكومة التناوب، هذا اللقاء بقوله: ((ما حدث هو غلبة الخشونة والصرامة على شخصية خوسي ماريا أثنار، وأيضا عقد اليمين الإسباني التي يحملها تجاه المملكة المغربية.. فهو كان يعتقد في قرارة نفسه أن المغرب في حاجة إليه لأنه بلد فقير، بل كان أثنار ملحا في ضرورة تجديد اتفاقية الصيد البحري، في الوقت الذي كان المغرب رافضا لهذا التجديد، كما أن ملف الهجرة السرية كان قد برز على السطح بخروج قوارب الهجرة غير الشرعية من المغرب صوب الشواطئ الإسبانية، وكان أثنار منزعجا جدا من هذا الأمر، وصرح بأنه مستعد لدعم المغرب من أجل مراقبة الشواطئ المغربية)) (المصدر: كتاب “الجوار الحذر”).

وهكذا.. فقد اعتبرت شخصيات من المحيط الملكي وقتها، بأن اللقاء الأول بين الطرفين كان حاسما في تحديد المسار الذي اتخذته العلاقات الثنائية بين البلدين، فالخشونة والاستعجال من جانب خوسي ماريا أثنار، والروية التي نظر إليها الإسبان كنوع من اللامبالاة من الجانب المغربي في حل قضية الصيد البحري، دفعت رئيس الحكومة الإسبانية إلى التصلب في مواقفه، خصوصا وأن الأحداث التي وقعت بعد ذلك، باعدت كثيرا في المواقف وقادت المملكتين الجارتين إلى متاهة من الأزمات.

وفعلا، دخل البلدان في عدة أزمات، كانت بدايتها هي الزيارة التي قام بها خوسي ماريا أثنار إلى مدينة سبتة المحتلة يوم 9 يناير 2000، ثم أعقبتها أزمة جزيرة ليلى، التي كادت أن تتحول إلى مواجهة عسكرية، وأدخلت البلدين في مرحلة قطيعة طويلة.

وقد تطلب الأمر مدة ثلاث سنوات لكي تظهر ملامح نهاية الأزمة بين البلدين، والتي تجسدت من خلال زيارة ثانية لخوسي ماريا أثنار للمغرب يوم 8 دجنبر 2003، وقد رافقه سبعة وزراء يمثلون القطاعات الحيوية، غير أنه خلال زيارته الثانية، ظهر أن الجراح التي خلفها كان من الصعب أن تلتئم.. فقد نشرت صحيفة Aujourd’hui le Maroc، المقربة من فؤاد عالي الهمة، كاتب الدولة في الداخلية آنذاك، في صفحتها الأولى، صورة لأثنار وتحتها عنوان يقول: “الرجل الذي يكره المغرب”، ويقول المقال: ((إن شيئا لم يحل في القضايا التي كانت سببا في اندلاع الأزمة منذ البداية))، في إشارة إلى ملفات متعددة منها سبتة ومليلية، وموقف أثنار من قضية الصحراء المغربية والهجرة السرية.

ورد أثنار على ذلك بمنحه تصريحا لوكالة المغرب العربي للأنباء، يقول فيه: ((أعتبر نفسي صديقا للمغرب، وأشتغل بتفاني في هذا السياق، فأنا أطمح إلى أن تكون العلاقات بين الدولتين قوية))، أما وزيرة الخارجية الإسبانية آنا بلاثيو، فقد قالت أمام الصحافيين الذين تحلقوا حولها بفندق المامونية بمراكش: ((إنه لقاء لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين))، ورغم ذلك، ظل البرود هو الذي يطبع العلاقات بين البلدين، في إشارة من المغرب إلى أنه لا يمكن أن يتفاهم مع اليمين الإسباني.

جطو وثباتيرو

زيارة ثباتيرو سنة 2004 لإعادة الدفء وما تلاها..

    ظلت العلاقات بين المغرب وإسبانيا على حالها إلى أن جاءت انتخابات 2004، التي كان من نتائجها فوز رودريغيز ثباتيرو، مرشح الحزب الاشتراكي، وهو ما خلف ارتياحا كبيرا في الرباط، خصوصا وأن الرجل سبق أن قام بزيارة للمغرب في سنة 2001، أي في ذروة الأزمة مع إسبانيا، واستقبله الملك محمد السادس في إشارة سياسية مرتين، وكانت جميع التحليلات تشير إلى أن العهد الذهبي في العلاقات بين البلدين قد عاد إلى الظهور مرة أخرى، وعلى عجل، قام رئيس الحكومة الجديد بزيارة إلى المغرب في شهر أبريل 2004، وللدلالة على ارتياح الأوساط المغربية لوصول ثباتيرو إلى السلطة بالجارة الشمالية، ستعود صحيفة Aujourd’hui le Maroc لنشر صورة ثباتيرو على صدر صفحتها الأولى يوم زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، وبعنوان هو النقيض تماما لما كتبته إبان زيارة ماريا أثنار إلى مراكش.. فقد كتبت: “ثباتيرو الرجل الذي يحب المغرب”، وبعد تدشين النصب التذكاري صباح يوم 24 أبريل 2004، التقى الملك محمد السادس وثباتيرو رسميا لرسم خارطة الطريق الجديدة التي ستؤطر العلاقات بين البلدين.

وكان الحماس كبيرا لإعادة الاشتغال على جميع الملفات العالقة وتسريع التعاون في مختلف المجالات، وكانت الرباط تراهن كثيرا على الزعيم الاشتراكي الإسباني لدعم خطة الحكم الذاتي في الصحراء، والتي كانت بصدد التحضير لها، ورغم التفاؤل، إلا أن العلاقات بين البلدين شهدت بعض الفتور، بعد زيارة الملك خوان كارلوس وعقيلته صوفيا إلى مدينة سبتة المحتلة، الأمر الذي أدخل البلدين في مرحلة برود لعدة أشهر.. إلا أن اقتراب الانتخابات التشريعية الإسبانية التي أجريت في مارس 2008، لعبت دورا كبيرا في عودة العلاقات إلى الدفء، وتجلى ذلك في فوز الاشتراكين بولاية جديدة، الذي كان خبرا مفرحا بالنسبة للرباط، كما كان فرصة لثباتيرو من أجل إعطاء دفعة للعلاقات الثنائية بين البلدين، وبحكم التقليد الذي يفرض عليه القيام بأول زيارة خارجية له بعد تنصيبه تجاه الجار الجنوبي لبلده، قام هذا الأخير بزيارة للمغرب يوم 11 يوليوز 2008، وكان ينتظر بشغف ما إذا كان المغرب سيمضي في طروحاته بشأن المطالبة بسبتة ومليلية المحتلتين أثناء اللقاء مع الملك محمد السادس.

ويكشف السفير الأمريكي بالرباط، ضمن تقرير مؤرخ في 22 يوليوز 2008 والحامل للرقم 163092، نشره موقع “ويكليكس” عام 2010، عن تحرك إسباني بشأن مصالحة بين الجزائر والمغرب، قائلا بأن ((اللقاء ذاته بين ثباتيرو ومحمد السادس تجنب الإثارة العلنية لموضوع مدينتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما، رغم وجود أخبار عن الخوض في الموضوع ضمن جلسات التباحث المغلقة بين كبار المسؤولين المدبرين لشؤون البلدين، خصوصا وأن لقاء وجدة تم بعد 9 أشهر من زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس للثغرين المذكورين))، وعلق السفير الأمريكي على ذلك قائلا: ((تجنب المغاربة والإسبان الحديث علنا عن ملف سبتة ومليلية لا يعد إلا دليلا على حرص البلدين على توطيد علاقتهما القوية أصلا، وأن القفز عن ذات الملف جاء بهدف التركيز على التطور السريع للعلاقات الاقتصادية والتدبير الجيد لملفات الهجرة والأمن)).

بن كيران وراخوي

زيارة رئيس الحكومة ماريانو راخوي للمغرب سنة 2012 التي أصلحت علاقة اليمين الإسباني مع المغرب

    في الوقت الذي سارت العلاقات بين البلدين بشكل طبيعي منذ زيارة ثباتيرو للمغرب في سنة 2008، بدأ الإعداد للانتخابات التشريعية الإسبانية منذ سنة 2010، وفي هذه الظرفية، بدأت كل المؤشرات تشير إلى نهاية مرحلة الاشتراكيين وصعود الحزب الشعبي اليميني، المعادي للمغرب، من جديد، وفي هذه الظروف، قام زعيم اليمين الإسباني في شتنبر 2010، بزيارة إلى مليلية المحتلة، وهو ما اعتبر إشارة غير ودية، وتلت ذلك تحركات الحزب الشعبي في البرلمان الأوروبي، والتي أدت إلى قراره بفتح تحقيق دولي في أحداث مخيم “إكديم إيزيك”، ما أزعج المغرب كثيرا، ونتج عنه خروج مئات الآلاف من المغاربة في مسيرة بمدينة الدار البيضاء يوم 28 نونبر 2010 للتنديد بسياسة الحزب الشعبي ضد المغرب، وهي المسيرة التي قدر الإعلام الرسمي أعداد المشاركين فيها بثلاثة ملايين شخص، وتصدر الصفوف الأمامية للمسيرة الوزير الأول وقتها عباس الفاسي، وعدة وزراء وزعماء سياسيين وقادة أحزاب، ورفعت خلالها شعارات منددة بالحزب الشعبي الإسباني وزعيمه ماريانو راخوي.

ومثلما خلف فوز الحزب الشعبي اليميني بالانتخابات التشريعية تخوفات في الرباط، فإن تشكيل حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، أثارت كذلك مخاوف الإسبان، وخلال الأيام التي تلت الإعلان عن فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات وقرب تشكيله للحكومة الجديدة، بدأت رسائل الود تبعث من الضفتين، فالحزب الشعبي أصدر بيانا موقعا من مورغاس، منسق الرئاسة والعلاقات الدولية للحزب الشعبي، أكد فيه أن ((حكومة ماريانو راخوي ستعمل في مناخ من التعاون والصداقة مع الحكومة المغربية الجديدة))، مضيفا أن ((الالتزام السياسي والديمقراطي للحزب الفائز بالانتخابات، العدالة والتنمية، سيكون لصالح الشعب المغربي، وأيضا لصالح تقوية العلاقات بين البلدين))، وهو ما قابله سعد الدين العثماني أياما بعد فوز العدالة والتنمية بالانتخابات، بتصريح لجريدةLa Razon الإسبانية، قال من خلاله بأن ((حزب العدالة والتنمية يمثل بالنسبة للمغرب ما يمثله الحزب الشعبي في إسبانيا))، وأضاف أنه لا يرى لماذا سيكون هناك خلاف بين الحزبين.

ويوم الزيارة الرسمية الأولى لماريانو راخوي، رئيس الحكومة الإسبانية الجديد، إلى المغرب، كان هذا الأخير يجهل الكثير عن المملكة مع العلم أنه زارها عندما كان وزيرا للداخلية في عهد حكومة أثنار الأولى، كما أنه لم يسبق له أن قضى عطلته في المغرب عكس بعض القياديين في الحزب الشعبي، الذين يزورون مراكش بين الفينة والأخرى، وعندما اقترح عليه أحد رفاقه أن يذهب إلى المغرب في عطلة ليرتاح بعد الحملة الانتخابية، أجابه راخوي: ((لا يمكنني أن أغامر بالذهاب إلى هناك، فقد نظمت مظاهرات ضدي))، ويوم زيارته، كانت ملفات التعاون الاقتصادي وفتح آفاق جديدة بالمغرب أمام المئات من المقاولات الصغرى والمتوسطة التي اكتوت بنار الأزمة الاقتصادية وبروتوكول اتفاقية الصيد البحري المعلق منذ 14 دجنبر 2011، أهم الملفات التي يرغب الإسبان في الدفع بها إلى الأمام.

وبمجرد ما وطئت قدما راخوي أرضية مطار الرباط صبيحة يوم 18 يناير 2012، سيجد عند سلم الطائرة رئيس الحكومة الجديد عبد الإله بن كيران، الذي سبق له أن علق بدوره على فوز الحزب الشعبي بقوله: ((العلاقات ستكون صعبة مع راخوي))، لكن بن كيران نفسه صافح راخوي وحاول تقبيله، مثلما يفعل المسؤولون العرب مع ضيوفهم الكبار، لكن راخوي لم يمنحه غير قبلة واحدة وربت على كتفه، فالإسبان لا يقبلون غير النساء ويكتفون بالضرب الخفيف على أكتاف الرجال، هنا ظهر الاختلاف الثقافي بين رئيسي حكومة البلدين المتقاربين في السن والملتحيين معا، والمنتميين للتيار المحافظ، الأول مسيحي متدين لم يتزوج إلا بعدما صار وزيرا في حكومة أثنار وعمره 41 عاما، والثاني سياسي محافظ إسلامي ومتدين.

بعد لقاءاته بالمسؤولين المغاربة، وقف راخوي أمام الصحافين ليلقي خطاب إعلان الصداقة، الذي قال في أبرز رسائله أنه “يعتبر نفسه صديقا للمغرب”، في إشارة إلى المسيرة ضد الحزب الشعبي التي وصفته بعدو المغرب، وقال في رسائله أيضا، أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، مشيرا إلى وجود حوالي مليون مغربي يعيشون فوق التراب الإسباني، وكان خطاب راخوي هو خارطة الطريق الجديدة للعلاقات التي ذهبت عكس كل التوقعات الإعلامية والسياسية، بل وحتى ما توقعه بن كيران نفسه قبل لقائه براخوي، إذ عاد ليصفه – عقب اللقاء – بكونه رجل لطيف ومقتدر.. فكانت تلك صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين كتبت بمداد البراغماتية التي أظهرها يمين إسباني مستعد لإنجاح العلاقات بين البلدين، ومغرب تواق إلى تحييد إسبانيا إزاء قضية الصحراء أساسا.

وبعد أسبوعين من زيارة راخوي، دارت العجلة الدبلوماسية بزيارة سعد الدين العثماني إلى مدريد، بداية شهر فبراير 2012، لمناقشة بعض التفاصيل، وهو ما يصفه العثماني في حوار له بالقول: ((بمجرد تسلمي لمهام وزارة الخارجية، قمت بأول زيارة إلى الجزائر وكانت ثاني زيارة لي إلى إسبانيا، وثاني زيارة إلى الجارة الشمالية تعكس الأهمية التي نوليها لهذا البلد)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى