الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | معارك فبراير وشجاعة المغاربة وآفة الطمع

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 66"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    قد يخطر إلى الذهن أن الجنرال سيرفيير قد توفق فعلا في احتلال المنطقة كلها والقضاء على فلول المقاومة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد يتسرب اليأس والأسى إلى نفس القارئ حينما يعلم أن الوفود الصحراوية التي تشكلت من قبائل سفيان وايحماد، وجمعت الأعيان – كما سبق ذكره – وتوجهت لمقابلة السلطان ومطالبته بالإيضاحات وبالدعم العسكري.. قد عادت إلى ديارها دون أن تؤدي مهمتها.

لقد كانت أيدي المخابرات الفرنسية طويلة أيضا حتى في مناطق داخل المغرب.. فقد أوعزت إلى بعض المرتزقة من أولاد الشيخ، أنصار العميل بوعمامة، فاعترضت طريق الوفد الصحراوي الذي هرب أفراده ورجعوا من حيث أتوا، ومرة أخرى، يظهر لنا بجلاء أن “قطاع الطرق” كما كان يسميهم المؤرخون، كانوا يزاولون “قطع الطريق” لأغراض سياسية، فلم يكن – في الحالة التي نحن بصددها – همهم قطع الطريق وسلب أموال الوفد الصحراوي، بل كما كان يريده الحكام الفرنسيون، يستهدف قطع الاتصال بين الصحراويين وبين السلطان، حتى لا يصلوا إليه.

ولو تم التعمق في عمليات السيبة والفتنة وقطع الطريق، التي عرفها المغرب خلال حكم السلطانين عبد العزيز وعبد الحفيظ، والتي كانت المبرر الأساسي للحماية الفرنسية، لما بقي هناك أثر للشك في أن توقيت تلك العمليات، وأسبابها، وأبطالها، إنما كانت عناصر مخطط استعماري بحت، ونحن هنا بصدد الحديث عن وفد صحراوي موحد اتجه إلى مراكش لإخبار السلطان ونجدته، تعرضت له عصابة قطاع الطرق لتقطع عليه طريق مراكش، وتترك مخطط الجنرال سيرفيير لاحتلال الصحراء الشرقية يدور في طي العزلة التامة.

وفعلا، عاد الوفد الصحراوي ليجد الطين قد ازداد بلة، والاحتلال قد زاد تمكنا، والأعلام الفرنسية ترفرف على كل الأسوار والقصبات والأبراج والمنشآت.

أفلا تهيمن مرة أخرى روح الملك العظيم الحسن الأول، حينما كان يكتب لمن يرغب في المجيء إليه، يبين له الطريق التي يجب قطعها حتى لا يتعرض له من كانوا يسمون قطاع الطرق؟

ومرة أخرى، تهيمن روح مغرب الحسن الأول على سكان الصحراء وهم في محنتهم، وتراودهم نخوة الإباء المغربي والغيرة على التراب الوطني، فيجتمعون سرا لتنظيم المقاومة وإصدار القرار بطرد الفرنسيين من الصحراء، وهو قرار – ولا شك – من قبيل الأحلام، لأنه قد يتم طرد قبيلة من خيامها، وطرد ساكن من بيته، أما طرد الجيش الفرنسي من الصحراء، من ثلاثة أقاليم شاسعة أصبحت كلها معسكرات فرنسية، فإن أنسب تسمية لهذه العملية هي الانتحار.

لكن المواطنين الصحراويين قالوا: فليكن.

وفي فترة قصيرة من الزمن، تم استقدام الأنصار من البرابرة من الأطلس، ومن الفيلاليين، وتم تنظيم جيشين: الأول برئاسة قايد مدينة بوادا، والثاني برئاسة قاضي أولاد سعيد، ولم يفكر أحد في المقارنة بين عدد الجنود الفرنسيين وعدد سكان المنطقة.. فقد أصبح الصحراويون قلة ولم يكن عدد الأنصار بالكثير، وفي الساعات الأخيرة من مساء يوم 15 فبراير 1901، صدر الأمر لفرق المجاهدين للتوجه إلى مقر القيادة العسكرية الفرنسية العليا في تيميمون .

وكانت الدروس التي تلقاها المجاهدون من خلال معاركهم مع الفرنسيين قد أفادتهم وعلمتهم الدهاء، وعوض التوجه من بوادا إلى تيميمون عبر الطريق المعروفة، صدرت لهم الأوامر بالتوجه عبر تاسفاون وزاوية بلقاسم، ورغم بعد الطريق ووعورتها، فإن الموعد المحدد كان لقاء الجيشين في مكتب القائد العام للقوات الفرنسية في تيميمون وعلى أنقاض المنشآت الفرنسية.

وفي ظلام الليل البهيم، وحيث كان الفرنسيون يغطون في نوم عميق، تم ذبح الحراس واحدا واحدا، وتبادل المجاهدون فيما بينهم شارة النصر حينما دخل زعماء الجيش الأول إلى مكتب القائد العام، الكومندان جونكير.. فقد كان فالكونيتي قد أبعد من المنطقة، وكان بإمكان المجاهدين المغاربة أن يجهزوا على كل الضباط والجنود الفرنسيين بالذبح انتقاما لأرواح شهداء الصحراء، لكن المجاهدين لم يضربوا الحساب لشيء واحد، وهو ضعف الإنسان أمام الطمع.. فقد دخل الجيش الثاني إلى الثكنة العسكرية الكبرى، وبعد أن ذبحوا كل الحراس في صمت وفتحوا الأبواب في صمت، فوجئوا بما لم تره أعينهم من قبل.. غنائم، ومواد غذائية، وأكياس من الأمتعة، فصاحوا فرحين برؤيتها وأنستهم الأطماع واجبهم وصمتهم، فاستيقظ الفرنسيون، وبدأت المعركة.. وكانت حامية تحت جنح الظلام.

وجاءت فرقة عسكرية من خارج تيميمون – بعد إطلاق الإنذار – وكان يقودها الكومندان رايبل، الذي كانت مهمته إخلاء الثكنة الكبرى من الغزاة المغاربة.

ومع بزوغ الفجر، وسريان الخبر في أرجاء الإقليم، جاءت فرقة ثالثة بقيادة القبطان أوجاري، ثم جاءت فرقة رابعة بقيادة القبطان كيزار، وأصبح المجاهدون المغاربة قلة والفرق الفرنسية يفوق عددها ما تحتمله مساحة الثكنة العسكرية ومكتب القيادة العليا.

وكأن المجاهدين المغاربة أرادوا التكفير عن غلطتهم حينما انشغلوا بالغنائم، فخاضوا بشجاعة – شهد بها الفرنسيون – معارك طاحنة مات فيها الجنود الفرنسيون بكثرة جعلت ضباطهم يهبون هم أيضا للاشتباك.

فماذا كانت النتيجة؟

لنراجع كشف قتلى الجيش الفرنسي في معركة سادس عشر فبراير 1901، فسنجد على رأس قائمتها :

– رئيس القيادة العليا بتيميمون، الكومندان جونكير؛ – القبطان كيزار، الذي جاء في الفجر.

أما الجرحى، فكان عددهم كبيرا وكان على رأسهم القبطان أوجاري نفسه واليوتنان بوساردان، وذهل الفرنسيون بعد أن أخذوا البرهان على أن المغاربة مصممون على الموت عن آخرهم في هذين الموقعين، ولكنهم لم يفطنوا إلى أن المغاربة أيضا قد تعبوا إلا عندما توقف إطلاق النار ودخلوا الثكنة والقيادة فلم يجدوا أحدا.. لقد انسحب المغاربة دون أن يشعر الفرنسيون بانسحابهم.

وهنا نشهد هذا التحول الغريب..

المغاربة الذين كانوا أسيادا في وطنهم محصنين في أبراجهم، يتحولون إلى فدائيين يزاولون حرب العصابات ضد العدو المحتل، ويلقنونه دروسا مغزاها أنهم لو لم يؤخذوا غرة، لو لم يتم التنازل عنهم غدرا، لبقوا في أبراجهم وقصباتهم، ولما استطاع الفرنسيون احتلال أراضيهم، والفرنسيون الذين احتلوا المنطقة ونقلوا إليها كل قواتهم، يفقدون أحسن ضباطهم وقادة معسكراتهم في معارك ليست في حسبانهم.

إن مقاومة الصحراويين المغاربة للاحتلال الفرنسي، هي أسلوب جديد في الحرب لم يتعلمه الحاكم العسكري الفرنسي بالجزائر سيرفيير.

ولنقرأ ما كتبته مجموعة الجنرالات الفرنسيين أصحاب كتاب “الجيش الفرنسي في إفريقيا”.

– نشرت “دار لافوزيل” سنة 1980، عن هذه المرحلة التي كان الجنرال سيرفيير يعمل في إطارها، لقد قالوا في هذا الكتاب ص 230 بالحرف: ((إن غموض اتفاقية لالة مغنية في 18 مارس 1845 قد ضاعف من أحداث الحدود الجزائرية مع المغرب، مما جعل بروتوكول باريس في 20 يوليوز 1901، يفرض دفع الحدود الجزائرية في اتجاه الجنوب نحو الكير)).

هكذا بكل صراحة، اعتراف رسمي صادر عن مجموعة من الفرنسيين في سنة 1980، لم يتوانوا عن كتابة الجملة التالية: ((دفع الحدود الجزائرية في اتجاه الجنوب نحو الكير)).

وبينما يتوسع هذا الكتاب في التعظيم لضباط فرنسا وجنودها الذين سقطوا في إفريقيا منذ سنة 1830 إلى سنة 1962، فإنه يضرب صفحا عن المرحلة التي نحن بصددها ولا يعطي للجنرال سيرفيير حتى شرف ذكر اسمه في هذا الكتاب.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى