المنبر الحر | تراوح المصطلحات في الحقل السياسي المغربي بين الرقي والضحالة

بقلم: بنعيسى يوسفي
الذين قالوا بأن السياسة مشتل غني لإنتاج المفاهيم والمصطلحات التي تتناسب ومراحل تطور المستوى السياسي لدى كل مجتمع، لم يخطئوا البتة، فإذا عدنا إلى أنظمة الحكم، سواء الديكتاتورية أو الديموقراطية، نجد كما هائلا من المفاهيم التي استحدثت لتفسير وفهم خصوصيات كل ظرفية سياسية أو مرحلة سياسية معينة،
والغاية إيجاد مبررات موضوعية تعطي لتلك الوضعية السياسية مشروعية ومصداقية تجعل المواطن مقتنعا بها، وبالتالي، يقر بحقيقتها والتصديق بها،
وحتى في المرجعيات الكبرى لهذه الأنظمة، تجد نفس الشيء، فالمرجعية الرأسمالية أو الاشتراكية أو الليبرالية أو الإسلامية، أو ما شابه، تجد فيها تدفقا منقطع النظير لهذه المفاهيم والمصطلحات وكأنها هي التي تعطي جرعات الاستمرارية لها والبقاء على قيد الحياة فيما قد نطلق عليه بالأسس النظرية والمفاهيمية المؤسسة للخطاب السياسي عامة. هذا على المستويات العليا، حينما يتعلق الأمر بالتنظير السياسي الذي يشكل المادة الخام للممارسة السياسية الحقيقية في حدودها الدنيا على الأقل، أما حينما نهبط بالسياسة من هذه المستويات العليا إلى المستويات الدنيا، وننزل بها إلى الواقع، وننتقل بها من الخطاب إلى الممارسة، فنجد غيابا واضحا للعديد من الآليات والمقومات التي يمكن أن تعطيها ذلك الزخم المنشود، وذلك الطعم والألق والنبل الذي يمكن أن يجذب الناس للانخراط فيها، وبهذه الصورة تصبح السياسة وكأنها صحراء قاحلة لا تنتج إلا العقم والبؤس، وتغيب تلك الدينامية والحركية التي تعطي للمحتوى السياسي مذاقا وتوهجا، وتلك الجاذبية التي من المفروض أن تمتلكها.
ففي المغرب مثلا، وعلى امتداد تاريخه السياسي، تم إنتاج ونحت مفاهيم ومصطلحات سياسية كثيرة، منها من يرقى إلى مفهوم سياسي يعكس إبداعا اصطلاحيا نوعيا، ومنها من لا يرقى إلى ذلك بتاتا، والكثير منها أرخت أو وثقت لمراحل فارقة وحساسة ومهمة في هذا التاريخ، وكان ذكرها يحيل مباشرة على مرحلة سياسية محددة، وكانت هذه المفاهيم مقبولة إلى حد بعيد، لأنها ترمز بالفعل لما يحدث، وهي عنوان المرحلة بكل المقاييس، لها ما لها وعليها ما عليها، كالتناوب التوافقي مثلا، هذه العبارة لم تكن متداولة في الحقل السياسي المغربي من قبل، فتم نسجها للتعبير عن حالة أو مرحلة سياسية مستجدة في السيرورة السياسية المغربية، وهي وصول حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بزعامة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، إلى قيادة الحكومة المغربية في منتصف التسعينات، في إطار ما سمي باحترام “المنهجية الديمقراطية”، بعدما عمر هذا الحزب في المعارضة لمدة ليست باليسيرة، وأُطلق على هذه المرحلة بذلك الاسم لأنه لأول مرة تعطى فيه الفرصة لحزب يحصل على أكبر عدد من النواب في الغرفة الأولى لكي يترأس الحكومة ويشكل أعضاءها.
ولقد كان لهذا التحول في نمط تشكيل الحكومة وقع كبير على الساحة السياسية المغربية، ولقي ترحيبا كبيرا من كل الأطياف السياسية والحقوقية والحزبية ببلادنا، وساد الاعتقاد أننا في بداية الطريق لتأسيس لبنات ودعامات نظام أكثر ديمقراطية في المغرب، لكن اتضح فيما بعد أن هذا التوافق لا يعدو أن يكون استراتيجية مدروسة لتدبير مرحلة سياسية معينة بسلبياتها وإيجابياتها، وكان ذلك استجابة لسياق سياسي واقتصادي دقيق يمر منه المغرب في بداية التسعينات، في خضم ما سمي بـ”السكتة القلبية”، وبقية التفاصيل كتب فيها الكثير، لكن للأسف الشديد، توقف قطارها في أول منعرج، وبالضبط في الاستحقاق التشريعي الموالي، حيث حصل نفس الحزب مرة أخرى على المرتبة الأولى على صعيد مجلس النواب، لكن هذه المرة لم تحترم “المنهجية الديمقراطية” كما في السابق، نظرا لرغبة حزب آخر (حزب الاستقلال) في قيادة الحكومة في إطار “التناوب”، لكن الحزب الأول رفض ذلك، رغم أن الحزبين المعنيين بهذا الاختلاف أو هذا الصراع على السلطة، ينتميان إلى منظومة سياسية واحدة، وهي ما كان يسمى “الكتلة الديمقراطية”، التي كانت تشكل تحالفا سياسيا كبيرا وكانت أجواء الانسجام والتفاهم هي المهيمنة بينهما، وكان يحسب لها ألف حساب، و”الكتلة الديمقراطية” هي أيضا بالمناسبة من التعبيرات والمفاهيم التي أنتجها الحقل السياسي المغربي، فكان من نتاج هذا التصادم بين هذين الحزبين وتمسك كل واحد بموقفه، أن تم الخروج نهائيا عن هذه المنهجية، وتعيين وزير تكنوقراطي لقيادة الحكومة الجديدة، فانعكس ذلك على المشهد السياسي بما يشبه الانتكاسة أو الرِّدَّة، فأدى حزب عبد الرحيم بوعبيد الثمن غاليا، وكان ذلك مؤشرا على بداية أفول نجم أقوى حزب في المغرب إلى أن وصل إلى ما وصل إليه الآن، وهذا موضوع آخر، ونفس الشيء يكاد ينسحب على حزب علال الفاسي، الذي يفقد يوما بعد يوم وزنه في الساحة السياسية، وعدم تمكنه من عقد مؤتمره في وقته المحدد، بعدما مرت عليه سنتان، نتيجة صراعات داخلية وقبلية بالخصوص، خير دليل على ما نقول، لكن مع دستور 2011، ستعود الأمور إلى نصابها وستحترم المنهجية الديمقراطية في تشكيل الحكومة بدون مشاكل، باستثناء حالة “البلوكاج” الشهيرة، وهذا أيضا من المصطلحات التي أفرزها الحقل السياسي المغربي وهو يدل على مرحلة سياسية مهمة لا يمكن تجاهلها على الإطلاق.
إن أي مفهوم سياسي هو نتاج ظرف سياسي معين، سرعان ما يتم تجاوزه بعد ذلك، لأنه يكون قد استنفذ كل مقوماته، وفي الحقيقة كلما كانت الدينامية السياسية متطورة ومتحركة كلما كانت هناك غزارة في إنتاج المفاهيم السياسية، وأيضا كلما كان الخطاب السياسي ناضجا وراقيا كلما كانت أيضا كثرة ووفرة في إنتاج المفاهيم السياسية التي قد تكون إجابات عن العديد من الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا المجتمع.
المشكل الآن في المغرب، هو عدم قدرة النخبة السياسية على إنتاج مفاهيم سياسية خالصة، حتى إذا لم تحقق الصدى المرتقب ولم تجب عن أي إشكال سياسي أو فكري، تغْنِي القاموس السياسي المحلي على الأقل، ولا غرو أنه في ظل تراجع فلسفة المفاهيم السياسية الراقية ذات الدلالة، بدأت تطفو على السطح مفاهيم مبسترة وأكثر سطحية لا تعطي للحقل السياسي أي دفعة إلى الأمام أو أي معنى، يكفي أن نذكر على سبيل المثال: عفا الله عما سلف، التماسيح والعفاريت وصولا إلى ما دون الحمار وفوق البغل، المداويخ، إعادة تربية المغاربة، الذئب، واللائحة طويلة، وهذا يكفي لكي يحس المرء بأن الخطاب السياسي المغربي وصل إلى مستويات جد متدنية، وبدل إنتاج خطاب أو مفاهيم سياسية رصينة تعكس مستوى سياسيا راقيا، أصبحنا أمام خطاب مبني على التنابز وتبادل السباب واللعن وما إلى ذلك، مما قد يثير معه السؤال الجوهري حول المستوى المعرفي والنضج السياسي والأخلاقي لدى هذه الكائنات السياسية المغربية التي تدبّر شؤون البلاد.



