الحقيقة الضائعة | خيانة باحماد للسلطان وخطة القضاء على المقاومة
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 65"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

اتجه القبطان باين على رأس جيوشه لاعتراض طريق حشود القبائل البربرية التي جاءت من الأطلس، وجيوش الشرفاء الذين جاؤوا من تافيلالت، لكنه فوجئ بغزارة القوات البربرية والفيلالية واشتبك معها في معركة كبيرة، بينما طلب من القيادة الفرنسية في نفس الوقت، أن تستغل هذه المعركة الكبيرة لتبعث فيالق بقيادة القبطان ديبارديو، لدخول المطرفة واحتلالها، خصوصا بعد أن خرجت منها جيوش المقاومة لنصرة الجيوش البربرية والفيلالية.
واتجه القبطان ديبارديو لتنفيذ المهمة، لكن بوابة المطرفة كانت مقبرة له ولجيشه.. مقبرة بكل ما في الكلمة من معنى.. فقد سارع مبعوثون عسكريون فرنسيون إلى القيادة في المنطقة ليحملوا لها الخبر المروع: لقد مات أغلب جنود القبطان ديبارديو واعتقل الباقون.
وسألت القيادة: وأين ديبارديو؟ فأجابها المبعوثون: لقد اعتقل وصدر الحكم بإعدامه، وأعدم رميا بالرصاص، كما أعدم معه مساعداه الاثنان من رتبة سرجان، وحارساه، وهما جنديان، وقد أعدم الجميع في صف واحد.
ولم يستطع أي واحد حمل الجثث وإحضار الجرحى، لأنه لم يبق أحد.
يقول المؤرخ تيون، الذي كان حاضرا: ((لقد أصيب الضباط والجيوش الفرنسيون بهلع كبير، خصوصا عندما أحاطت بهم جيوش جرارة من المجاهدين المغاربة وهم يطلقون الرصاص في اتجاه الفرنسيين وكل المغاربة على أرجلهم، مما جعل القبطان فالكونيتي يأمر بانسحاب كلي، وأمر الجميع بالاتجاه إلى دلدول)).
وطالب الضباط الفرنسيون فالكونيتي، وباين، وكالا، بمهلة أيام لاسترجاع أنفاسهم ودفن قتلاهم ومداواة جرحاهم، وهي عملية استغرقت أيام 1 و2 و3 شتنبر 1900، بعد أن دامت المعارك ثلاثة أيام: 29، 30 و31 غشت.
وسارعت القيادة العسكرية في وهران والجزائر إلى إرسال المزيد من الجيوش التي كانت تتمركز في تيميمون.
وكانت روح الانتقام في نفوس الضباط الفرنسيين قد بلغت أوجها، لكنهم أيقنوا أن القوات التي وصلت إلى تيميمون يوم رابع شتنبر، بإمكانها القضاء على قوات أكبر دول العالم جأشا وأعتاها جيوشا.
لذلك انكب الضباط الفرنسيون على رسم خطة للهجوم، على ضوء الهزائم.
وشُرع في تنفيذ مخطط يقضي بإلقاء عدد هائل من المجندين الجزائريين (السباهي) في أتون نار المجاهدين المغاربة، بينما يتولى الجنود الفرنسيون تنفيذ المرحلة الثانية، وهي الهجوم والاحتلال.
وانطلقت أسراب القاذفات المدفعية من الجهة اليمنى بغزارة تصم الآذان وتبعث الهلع في القلوب، بينما اتجهت فيالق الجنود من الجهة اليسرى.
وجمع المجاهدون المغاربة كل قواهم وكل إيمانهم لمواجهة الهجوم، وكانت ضرباتهم أعنف من المعارك السابقة، وربما لم يكن هناك من ينقل إلينا أوصاف المعركة ويتحدث لنا عن التفوق المغربي.. إلا أن نتائج المعركة احتفظ لنا بها التاريخ من خلال خسائر الفرنسيين، خصوصا حينما نعرف أن القبطان جاك، أحد أفراد الثلاثي القيادي الفرنسي، لقي حتفه في تلك المعركة، معركة خامس شتنبر، حيث كان فعلا قد مشى إلى حتفه بقدميه.
وشاع خبر موت القبطان جاك، فتحطمت معنوية الجيش الفرنسي وقائديه الباقيين، فالكونيتي وباين، فأمر فالكونيتي بجمع القتلى والانسحاب.
ولكن جمع القتلى لم يكن ممكنا، ولم يكن سهلا إلا الانسحاب، وبقيت أرض المعركة – بشهادة تيون – مفروشة بجثث الجنود الفرنسيين والجزائريين.
وعندما عادت الجيوش المنهزمة إلى دلدول بقيادة القبطان فالكونيتي، كانت القيادة العليا في وهران قد درست الموقف، وأصدرت أوامرها: الانسحاب من دلدول، والدخول إلى تيميمون، وهو قرار استغرب له فالكونيتي، وانشرح له الجنود الفرنسيون، لأنه يعني فقط: انتصار المجاهدين المغاربة والتخلص من نيرانهم.
وفرضت المطرفة استقلالها وسيادتها متحدية الاحتلال الفرنسي بجبروته وكيده وهمجيته وتفوقه العسكري.
وشكر السكان المطرفيون أنصارهم من البرابرة والفيلاليين الذين غادروا المنطقة وعادوا إلى الداخل مشيعين برفاقهم في السلاح عبر تيصابيت وواد الساورة.
وبقيت المطرفة محمية برجالها، محروسة بهيبتها، ولم يسمع إطلاق للرصاص ولا أي تدخل في سيادة المنطقة طوال شهور شتنبر وأکتوبر ونونبر ودجنبر 1900.
خطة الجنرال سيرفيير
شهور طويلة، كان فيها الإباء الفرنسي ممرغا في التراب، لم يكن هناك ضغط دولي يمنع الفرنسيين من احتلال توات، ولا خطر برد فعل، ولا جيوش جرارة تحمي المنطقة.. وإنما كانت هناك الإرادة الوطنية، والشجاعة المغربية.
وتسلم الجنرال سيرفيير الملف بنفسه، وخطط لعملية الانتقام بنفسه، الانتقام لمئات جنوده الذين قتلوا في المطرفة، ولضباطه جاك ودیبارديو، والضباط الصغار وما أكثر عددهم.
وقرر الجنرال سيرفيير تجميع أكبر عدد من القوات في الكولية دون أن تتظاهر بوجودها، هذا هو المخطط الأول.
أما المخطط الثاني، فهو الحيلة.
لقد أعلن خبر إطلاق سراح جميع الأسرى المغاربة، الذين اعتقلوا في معركة إينغار، وأخذ الأسرى يصلون إلى أهلهم وذويهم، والاحتفالات تغمر كل مراكز توات.
ولا لوم على الرأي العام الوطني في منطقة توات.. فقد انتصر على الجيش الفرنسي، وطرده، وأرغمه على إطلاق سراح أسراه، وتوهم السكان أن العدو لن يعيد الكرة مرة أخرى.
لكن.. بينما كانت الحفلات تملأ جنبات البيوت والأفراح تغمر القلوب، كان الجنرال سيرفيير ينفذ مخططه الأصلي، الذي من أجله أطلق سراح المعتقلين.
لقد كانت جيوشه تتسرب إلى توات حسب مخطط مدروس، وتدخل الإقليم تحت جنح ظلام الليل، وكانت الأوامر قد صدرت بالتحرك يوم 26 يناير 1901.. فرقة انطلقت من الشمال، من تيميمون بقيادة الجنرال سيرفيير، وفرقة تحركت من الجنوب، من إقليم تيدكلت، وكان الاتفاق على أن تلتقي الفرقتان في تيمي.
ويوم 30 يناير، وصلت فرقة الجنرال إلى أدرار، وفي نفس اليوم، وصلت الفرق القادمة من الجنوب عبر مركز تيطاف، وكان اللقاء على غرة في المطرفة التي لم تستطع تحمل الصدمة، فاستسلمت يوم 10 فبراير 1901.
ومرة أخرى، تكون الاحتفالات وبالا على شعب أعطى البرهان القاطع على شجاعته وصبره وثباته، ولكن، إنها الحفلات تفكك الضمائر، وتنهك العزائم.
وهكذا تم احتلال إقليم توات في العاشر من فبراير 1901.
المهم، أن السكان كانوا يشعرون بالمرارة تجاه المصدر الرئيسي للسلطة، تجاه المؤامرات التي كانت تحيط بالسلطان عبد العزيز تجاه الأوصياء عليه، أولئك الذين كانوا منكبين على إغلاق مسامعه عن كل ما يجري في أطراف مملكته، ويرهبونه بما يجري، وما يصنعونه على بعد أمتار قريبة من قصره، فكيف له أن يهتم بما يجري على بعد آلاف الكيلومترات في مملكة وارفة الأطراف خلفها له أبوه الحسن الأول هادئة مستقرة مطمئنة مهيبة.
ولم يصدق سكان الصحراء المقهورون المغلوبون، وأسلموا أنفسهم للشائعات والتأويلات.
وأخيرا، استقرت ثقتهم على شاطئ الشرح المقبول.
لقد روى لهم شاهد عيان، أن إحدى الفرنسيات جاءت لمراكش، وسحرت السلطان وجمدته ووضعته في صندوق وحملته إلى فرنسا، بينما صنع الفرنسيون رجلا يشبهه تماما وبعثوه إلى مراكش ليحكم المغرب حسبما يريده الفرنسيون.
وحزن الصحراويون على سلطانهم الذي ذهب ضحية السحر، وأيقنوا أن السلطان الجديد المصنوع بفرنسا، لن يهب أبدا لنجدتهم.
فما أبرع الخيال!؟ وما أجمل السحر!؟ خصوصا عندما يحمل البائس المتعب التعسان إلى عالم كله أوهام وخيال تماما كحقنة العفيون التي تجعل المحقون وهو في بؤرة السقوط، يسمو بخياله إلى سدرة المنتهى، ويغمض عينيه عن الأوحال الغائص فيها ليرى بأم عينيه جنان الخلد والفردوس المفقود.
لكن متى كان السحر مقبولا من طرف العلماء؟ ومتى كان التنازل عن وحدة الوطن شيئا مقبولا من طرف الأوصياء على المقدسات؟
لقد هب العلماء في فاس لاستنكار السكوت عن ضياع أطراف المملكة واغتيال علمائها وفقهائها ومقدساتها.
وكانت يقظة السلطان عبد العزيز، وكان سنه سنة 1901 قد بلغ واحدا وعشرين سنة، وكانت أمه التركية الأصل، قد صحت من أوهامها هي أيضا، ولم يبق خافيا على أحد أن باحماد كان يلعب ورقة الاستعمار..
ووصلت فتوى علماء فاس بين أيدي السلطان اليقظان، واضطر السلطان عبد العزيز أن يجيب صراحة ولأول مرة، وعن وعي وفهم للأوضاع، وأجاب عن فتوى العلماء جوابا كان له الصدى البعيد في جميع الأرجاء:
قال السلطان عبد العزيز:
((لقد فهمت الآن أن باحماد هو الخائن، وهو الذي باع الصحراء لفرنسا)) (المرجع: كتاب مارتن).



