الحقيقة الضائعة | معاقل المجاهدين المغاربة التي تحتلها الجزائر
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 61"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إنه مهما برع الوصف وتوسع الخيال.. سيعجز عن استحضار إحساسات مواطنينا في تلك الظروف في نفوسنا ونحن نراجع هذه الفترات التي عاشوها.
شعب حول واد الساورة إلى جنة غناء بمجهوده وعمله ونشاطه في ظل مملكة المغرب المهابة الجانب، لم يعرف الاستسلام منذ أن وقف صفا واحدا في وجه الغزو العثماني للجزائر، يرى نفسه أمام إحدى كبريات القوات العالمية تحتل إحدى أهم مدنه وينادي ويستغيث فلا من مجيب، ويراجع كل الحلول، فتبدو له كلها ممكنة ما عدا الاستسلام، ويبقى المواطنون في توات وكورارة وتيدكلت أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام أو الاستشهاد.
أليسوا محقين في التعلق بالملجأ الوحيد: الله، وبالاختيار الوحيد: طريق الله، وطريق الله هو الجهاد.
لذلك، فإن دعوة باحماد للمفاوضة لم تلق غير الامتعاض والتشكك، بينما هبت روح التضامن بين السكان، وهب القاصي لنجدة الداني، ووجد عامل ايحماد نفسه مرغما لا بطلا وسط حشود المجاهدين.. فكيف يجرؤ على التوجه لمفاوضة الفرنسيين؟ إذن، فسيلقى مصرعه على أيدي من سيفاوض في شأنهم.. ولن يجرؤ أحد على السير في طريق غير طريق الله، طريق الجهاد.
وتبين للعامل إدريس الشرادي، أن التضامن الوطني في طريق الجهاد حقيقة واقعية عندما وصلته رسالة من قبائل الرڭان، أمضاها كبير شرفائهم الشيخ بنعبد الله، لا يطلب فيها زعيم قبائل تيدكلت مشورة ولا رأيا، وإنما يخبر فيها العامل بأن جيوش الرڭان توجهت إلى عين صالح، ويأمر العامل بإرسال إنذار إلى الفرنسيين.
ويزيد في التأكيد على العامل محللا تركيب الجيوش الرڭانية المتجهة لنجدة عين صالح، والمتركبة من أولاد سيدي حمو وسالي وبودا وشرفاء الهبلا.
ووجد العامل نفسه أمام اختيارين: إما تنفيذ أوامر باحماد بالتفاوض مع الفرنسيين، وإما تنفيذ أوامر زعيم الرڭان بإرسال إنذار للفرنسيين.
وقرر العامل الشرادي، أمام الأمر الواقع، إرسال إنذار رسمي باسم سكان الصحراء إلى الكومندان تيون، قائد الموقع العسكري في عين صالح.
نفس الأمر الواقع اضطر معه العامل المضعضع المواقف، محمد المراكشي، إلى تهدئة الرأي العام وإخباره بأن القيادة الفرنسية في عين صالح توصلت بإنذار رسمي.
إلى هذا الحد.. كان العامل المراكشي تحت ضغط الرأي العام، الذي قرر – كما رأينا ذلك من قبل – إرسال وفد إلى مراكش للتباحث مع السلطان، بل إن هذا الرأي العام نفسه جعل العامل المضعضع المواقف، يمضي الإنذار.
وهذه رسالة العامل المراكشي إلى الرأي العام في المناطق الصحراوية (واحدة من الرسائل) :((من طرف خادم الأعتاب العالية بالله، العامل الباشا القايد محمد بن عمور المراكشي، إلى أعزائنا وأصدقائنا المرابطين حفدة سيدي عباد من أولاد عيسى، وخصوصا سيد الحاج العربي والآخرين .
سلام، وبعد :
ها هو قد رجع مرسولنا إلى تيدكلت، المخزني الحبيب، بعد أن أرسلناه عند القائد إدريس، الذي سبق أن وجهه مع مخزني من خدامه حاملا رسالة إلى عين صالح، وقد توجهوا عند الرومي الكافر وسلموه رسالة العامل إدريس الشرادي)).
وقد أجابهم الفرنسيون بما يلي :((إننا نعرف أن هذا البلد هو بلد السلطان، لكن سكان عين صالح قابلونا بالجفاء العنيف، وألزمونا باستعمال العنف معهم الذي هو حق من حقوقنا، ولكن الله كتب لنا النصر عليهم وأن ندخل إلى عين صالح أسيادا، ولن نخرج من هنا إلا بأمر من حكومتنا)).
ويضيف المراكشي: ((أما العامل إدريس الشرادي، فهو في إينغار مع جنوده..
ولقد عاد المرسول متعبا هو وحصانه، ولقد كلفناه بالتوجه عندكم، فاعتنوا به واعتنوا بحصانه)).
حقا، إن هذا العامل المراكشي لا يترك فرصة تمر دون إدماج المصالح المادية في المصالح العليا للوطن، وكيف نتصور من رجل سلطة إقليمي أن يتحدث ويعتني بصحة حصان في وقت تستعد فيه البلاد لخوض حرب مع العدو المحتل.. إنما الذي يهمنا هو أن التعبئة الشعبية فرضت على عمال الإقليم الصحراوي إرسال إنذار إلى الجيوش الفرنسية، كما يهمنا أيضا ما ورد في جواب الكومندان تيون، من أن هذه الأقاليم هي بلد السلطان.
وهذا ما احتفظت به الوثائق الفرنسية، وهو اعتراف صريح بالحق الأزلي لسلطان المغرب في تلك المناطق، واعتراف بأن احتلال القوات الفرنسية إنما يعتمد على مبررات واهية.
وأصبحت إينغار مركز توتر كبير في المنطقة، إذ أصبحت، وهي المطلة على عين صالح حيث يتواجد الفرنسيون، معقل المجاهدين الذين التحق بهم العامل إدريس الشرادي.
وهناك في إينغار حيث يهيمن جو التعبئة والاستعداد، فقد العامل إدريس الشرادي كل شعور بالالتزام بأوامر باحماد، وعرف أن الجهاد هو اختيار السكان، فاندمج بسرعة وأخذ يبعث الرسائل إلى أطراف الصحراء طالبا النجدة والإمدادات.
وكانت رسائله إلى كل قادة القبائل تبدأ بالفقرات التالية:
((وبعد،
فإذا لم تكونوا جنودا لله وخداما لسيدنا السلطان خليفة رسول الله، فإنكم لن تبعثوا أحدا، لكني سأخبر سيدنا بتأخركم)).
وكيف يتأخر من يتوصل برسالة تدعو إلى الجهاد في سبيل الله.
لقد كان من جملة من وصلتهم رسائل العامل إدريس الشرادي، واحد من أحفاد الشيخ ماء العينين المتواجد في السمارة بالصحراء الغربية، وكان حفيده هذا هو مولاي عبد القادر بن مولاي الهيبة، كان متواجدا عند شرفاء خنوس، كتب رسالة إلى العامل إدريس الشرادي في إينغار، أمضاها مع عدد من العلماء والشرفاء يقول فيها :
((لقد قرأنا رسالتك على من معنا وكلهم مستعدون، وقد جاءتنا أخبار عن توجه رجال قبائل الهبلا الذين وصلوا إلى تامست)).
كما سارع قائد أوليف، الحاج أحمد وخليفته أحمد القاضي، فبعثا إلى العامل إدريس الشرادي رسالة لا تخلو من مدلول سياسي تقول: ((إن ما يتعلق بوحدة المسلمين وتضامنهم وسرعة حركتهم، فهو شيء تفرضه خطورة الموقف وصعوبة المرحلة، فلقد وزعنا أوامركم وشرحنا ما يتطلبه الموقف، وما على الناس من واجبات، أما الذين سيستجيبون لنداء الوطن، فسيأتون، أما الذين سيتخاذلون، فسنخبرك بأسمائهم، وستمر من هنا الفيالق القادمة من توات وسيلتحق بها الجميع.
وعلى أية حال، فمن هو هذا الذي سيجرؤ على التخلف، حيث أن سلطتك مستمدة من سلطة الله وخليفته ورسوله، وأن الجنة هي موعدك وموعد من سيموت معك.
كان القصف مروعا بدون هوادة.. إن الأمر صدر بدك إينغار وما حولها، ومحو أثارها، وهرب المغاربة الهلعون من قصف المدافع، وبينما بقي الشجعان في اشتباك مع الجنود الفرنسيين، هرب الهلعون والجرحى إلى قصبتي أولاد الحديكة وأولاد جلول.
واتجهت المدفعية الفرنسية بالقصف نحو القصبتين، تحت القصف المدفعي كان الجنود الفرنسيون يتقدمون للدخول إلى القصبتين للإجهاز على من بقي بها حيا من المجاهدين.
وفي العاشرة صباحا، أي بعد معركة دامت حوالي أربع ساعات، كانت القصبتان قد تعرتا من الجدران، وبقي المحتمون بهما معرضين للقتل المكشوف.
واتجه المجاهدون المصرون على القتال نحو مسجد “الهدكة” فحولوه إلى قلعة مستعينين بحرمة المسجد. وقد سجل الفرنسيون أن أعنف ما كان في معركة ذلك اليوم، هو الذي حدث في مسجد “الهدكة”.
فبعد أن أحاطه الفرنسيون بالمدافع لفتح ثغرات في جوانبه يدخل منها جنوده الفتاكون، تم لهم ما أرادوا وفتحوا الثغرة، ولكن خلف الثغرة كان المغاربة قد حفروا فجوة في الأرض تحولت تحت رصاص المجاهدين إلى قبر لعشرات الجنود الفرنسيين والجزائريين المنضوين تحت اللواء الفرنسي.
وكان العامل إدريس الشرادي داخل المسجد يشرف على المعركة، وبذلك شاهد أشلاء الفرنسيين وتكوم الجثث، ومرة فوجئ بجندي فرنسي يهوي عليه بالسيف، فوجه إليه فوهة بندقيته ذات الطلقتين، ولكنه لم يضغط على الزناد لولا أن أحد المجاهدين أنقذ الموقف، وسأله عن السبب، فأجابه: “إني لم أقتل أحدا في حياتي”.
وكانت معنوياته قد انهارت فأخذ يصيح قائلا: هذا ما كتب الله، لنرفع العلم الأبيض، ولم ينتظر رأي المجاهدين، فرفع خرقة بيضاء وخرج حيث ألقى عليه الجنود الفرنسيون القبض، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة.
وكانت المنطقة قد أضحت مفروشة بالجثث والأشلاء، وعلى باب المسجد كانت جثة الضابط الفرنسي، الليوتنان فوانو، تتوسط عددا هائلا من الجثث.
وقد ذكرت الوثائق الفرنسية العسكرية، أن عدد المغاربة الذين استشهدوا في تلك المعركة، بلغ الخمسمائة.
ونخبرك بأن جيوش الهبلا وأنصارهم قد وصلت إلى تيمي، وأن جيوش بودا وصلت إلى تامنتيت، وقد علمنا أن الجيوش البربرية أخبرتنا بمجيئها للمشاركة في الجهاد، وقد وصلت طلائعهم إلى تامست.
حامل الرسالة هو الشريف مولاي الهيبة بن أحمد، ولك السلام)).
الرسالة مؤرخة بـ 20 فبراير 1900، وهي أيضا محفوظة بالوثائق الفرنسية، وهي رسالة تغني عن كل تعليق، وتتعدى الأحداث في عظمتها، وتسحق بوقعها مناورات من تهاونوا في مصير أطراف المملكة.
وقد احتفظت الوثائق الفرنسية بعدد كبير من الرسائل التي توصل بها العامل إدريس الشرادي وهو يستعد في إينغار للمعركة الفاصلة مع جيوش الاحتلال الفرنسية.



