الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | رسائل “الله.. الله.. الله” التي كانت ترعب الفرنسيين

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 60"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

الفرنسيون يؤكدون: هذا بلد السلطان

تتمة المقال تحت الإعلان

    كان المجاهدون المغاربة في قصبة إينغار، ذات الموقع الاستراتيجي، يضمدون جروحهم ويجمعون قواهم وينتظرون وصول الإمدادات، وتحت أنظارهم كانت عين صالح يرفرف عليها العلم الفرنسي متحديا، وبينهما كانت غابة وارفة الأشجار ومراعي خصبة ينظر إليها الفرنسيون على أنها الحل الوحيد بالنسبة لحاجياتهم من المياه والمراعي.

وعرف الضباط الفرنسيون الذين توصلوا بإمدادات ضخمة، أن الوصول إلى المرعى لا يمكن أن يتحقق دون احتلال إینغار، وصدر عن القيادة العسكرية الفرنسية بوهران، أمر باحتلال إینغار.

وصباح يوم 24 يناير 1900، على الساعة العاشرة، وصلت الفيالق الفرنسية إلى المناطق المحيطة بإينغار، واشتبك الفرنسيون في معركة مع المجاهدين المتحصنين بالقصبة.

لكن، وكما تكبد المغاربة ضحايا وخسائر عندما هاجموا يوم 5 يناير مركز عين صالح حيث كان الفرنسيون متحصنين، تكبد الفرنسيون خسائر أفدح عندما هاجموا مركز إينغار حيث كان المغاربة متحصنين.

وكانت معركة رهيبة استمرت ثلاثة أيام بلياليها، وعلى ضوء نتائج المعارك، صدرت الأوامر للفرنسيين بالتراجع، حيث رجعوا إلى عين صالح يوم 26 يناير مساء، يجرون أذيال الخيبة.

وتوالت الاجتماعات بين القادة الفرنسيين، ووصلوا إلى نتيجة مزدوجة الأهداف:

أولا: طلب المدافع الثقيلة لدك إينغار بمن يتواجد فيها.

ثانيا: تحريك الطابور الخامس، طابور العملاء والجواسيس والخونة.

وفيما كانت المدافع في طريقها إلى عين صالح، كشف أحد الخونة المأجورين، عن حقيقة دوره في صفوف المجاهدين المغاربة، وكتب في تاريخ احتلال توات إحدى أبشع وثائق الخيانة في شكل رسالة بعث بها إلى الضباط الفرنسيين في عين صالح.

فقد كتب القايد عبد القادر دورو، من أولاد يحيى، رسالة إلى الكومندان حاكم عين صالح، يقول له فيها: ((لقد بلغ إلى علمي أن باشا تيميمون قد توجه إلى أوليف على رأس قبائل توات كلها، حيث جمع جنودا من تابلخوزا، والساهلة، وكورارة، وعرب المحارزة، والخنافسة وسكان تيميمون، وأجدير، وقد توصلت بهذه الأخبار من عند الزاوي بن الحاج من مليانة، حيث لم يبق رجل واحد في كورارة إلا والتحق بالجيوش.

المهم، يقول الجاسوس “دورو”، أن المغاربة سيهجمون عليكم بما قدره 3500 جندي)).

وقد احتفظت القيادة العسكرية الفرنسية في وثائقها الرسمية بهذه الرسالة على أساس أنها أول وثيقة للتعاون بين الجيش الفرنسي والعملاء المغاربة..

وهكذا تحرك عنصر مغربي وسط الصفوف المغربية لفائدة الجيش الفرنسي، ومن جهة أخرى، تحرك عنصر مغربي آخر في صفوف الجيش الفرنسي ويسمى الحاج عبد السلام بن دجاج، حيث أملى عليه الضابط الفرنسي، حاكم عين صالح، رسالة أمضاها وبعثها إلى “إخوتنا في الله وفي الدين، الرجال المعتصمين في إينغار”.

ورسالته كلها دعوة إلى الاستسلام، وحديث عن ((الفرنسيين العظماء، أسيادنا وأسيادكم الذين وصلتهم المدافع الحديثة والأسلحة الثقيلة، والذين سيقضون على سكان إينغار عن آخرهم، وأن الهجوم سيكون صباح عيد الفطر)).

وكانت رسالة هذا الوسيط مؤرخة بتاسع وعشرين رمضان 1317 الموافق لـ 31 يناير 1900.

لكن، ماذا كان رد فعل السلطة المركزية في مراكش؟ وهل ستسكت السلطة المركزية عن احتلال مدينة هامة من مدن المملكة؟

كان الجواب عن هذا التساؤل محملا من طرف القايد الجيلالي بن رحمون، الذي جاء من مراكش حاملا ستة عشر رسالة موجهة إلى مختلف رجال السلطة في الأقاليم الصحراوية تحمل إمضاء السلطان عبد العزيز، وثلاثة رسائل أخرى تحمل إمضاء باحماد، ورسالة تحمل إمضاء الحاج علال، قايد فجيج.

وكان مضمون رسائل السلطان عبد العزيز واحدا، وهذا نصه، وهو النص الذي توصل به العامل إدريس الشرادي، عامل ايحماد، وفيه يقول السلطان: ((لقد وردت علينا رسالتك وما فيها من أخبار وصلتنا قبل وصول رسالتك.

وقد قدمنا احتجاجا لدى القنصلية الفرنسية بطنجة، حيث توجه ممثلنا الحاج محمد الطريس، ليطلب من الحكومة الفرنسية إيقاف الهجمات.

أما الذين استشهدوا فلهم الجنة، وأما أنت، فعليك بجمع الشمل وتوحيد الصفوف، ونحن نرخص لك في الدخول في مفاوضات مع الغزاة الفرنسيين الذين يحتلون عين صالح.

إن لنا مع الفرنسيين عهودا ومواثيق وليس ضياع قلم ظفر هو الذي سيكون سببا في نقص العهود، وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى إلى عاملنا في تيميمون، محمد المراكشي.

وحرر بمراكش في نهاية رمضان 1317 الموافق لـ 31 يناير 1900)).

لقد أزالت هذه الرسالة كل الشكوك في أن السلطان عبد العزيز لازال يمضي من الرسائل ما يتلاءم ونظريات المحيطين به، ويعلم الله الظروف التي كان فيها هذا الملك الشاب يمضي رسائله، وهي ظروف توسع الحديث عن الضابط الإنجليزي، ماك لين، في شرحها.

كما أن الوثائق الفرنسية لم تنشر رسالة باحماد، ولا رسالة عامل فجيج.. فربما كانت تتضمن أشياء لم يجرؤوا على كتابتها في رسالة السلطان.

وكيف يتفاوض رجال السلطة مع قوات أجنبية تحتل عين صالح، إحدى كبريات المراكز الصحراوية؟

وهب الرأي العام الوطني في هلع شديد للاستفسار عن الوضعية الحقيقية والسياسة الحقيقية.. ولا شك أن الغموض كان يلف كل الوضعيات واجتمع الأعيان والعلماء والفقهاء وقرروا إرسال وفد إلى السلطان، ولا زال التاريخ يحتفظ برسالة لهم بعثوها إلى العامل إدريس الشرادي، يخبرونه فيها بقرارهم ويطالبونه بالإيضاحات.

تقول رسالتهم: ((إذا كان أولاد زنان يريدون إرسال وفد معنا، فليعينوا أفراده، وإذا كان لك ما تريد أن نبلغه للسلطان، فأخبرنا به.

كما نريدك أن تخبرنا كم مات من المسلمين وكم مات من الكفار.. ولقد قررنا أن نسافر بعد خمسة عشر يوما، وها قد مرت خمسة أيام، فيجب أن نتدارك التأخير، فليعجل حامل رسالتك بالرجوع.

أما وفدنا لعند مولانا السلطان، فيضم ستة رجال من ايحماد وسفيان، بينهم العابد، قائد تماست، وسيكون سيدي عبد الرحمان هو الثاني.

عجل بالجواب فالوقت لا يسمح بالضياع.. الله، الله، الله..

في 7 شوال 1317 8 فبراير 1900)).

وأضافوا تحت الرسالة الجملة التالية: ((عل الله يخلصنا من الشر الذي حل بنا)).

وتقول الوثائق الفرنسية أن حركة التجنيد وتعبئة الرأي العام في الصحراء الشرقية، بلغت حدا أثار الدهشة والخوف في صفوف الفرنسيين، بينما تكاثر تبادل الرسائل وكانت كلها تختم بهذه السطور:

((الله. الله. الله.. الله يخلصنا من الشر الذي حل بنا)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى