المنبر الحر | الوقود الأحفوري.. سلاح الغرب الجديد ضد الدول العربية

بقلم: جميلة حلبي
انطلق مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “الكوب 28” بإمارة دبي، على إيقاع الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر بشأن الهدف من المؤتمر، الذي انعقد من أجل التوصل إلى اتفاق للحد من الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مائوية، وبالضبط العمل على التخلص تدريجيا من الوقود الأحفوري في أفق سنة 2050 لكي يتم التغلب على عوامل التلوث والاحتباس الحراري.
وصرح في بداية المؤتمر رئيسه الإماراتي سلطان الجابر، وهو بالمناسبة رئيس شركة “أدنوك” المسيرة لقطاع البترول بالإمارات والمملوكة للدولة، قائلا: “لا يوجد علم يشير إلى أن هناك حاجة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري لتقييد ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية. إن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري لن يسمح بالتنمية المستدامة إلا إذا كنا نريد إعادة العالم إلى الكهوف”، وقد كانت هذه الجملة كافية لتفجر موجة من الانتقادات وجهها معظم المؤتمرين إلى دولة الإمارات، خاصة من قبل الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، على اعتبار أنها “دولة منتجة ولا تريد الحد من إنتاج الوقود”، وهو ما أدى إلى تمديد فعاليات المؤتمر، مما أثار قلق بعض المراقبين من وصول المفاوضات إلى الباب المسدود، قبل أن يتم التوصل إلى صياغة البيان الختامي، الذي جاء فيه: “يدعو الاتفاق على وجه التحديد إلى التحول عن استخدام الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة لتحقيق هدف صفر انبعاثات بحلول عام 2050 بما يتماشى مع العلم”.
وقبل ذلك، تطورت النقاشات إلى جدل حاد بين أعضاء المؤتمر وتبادل الاتهامات بين رئيس المؤتمر وعدد من المسؤولين، بمن فيهم المبعوثة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لتغير المناخ، عندما قالت لسلطان جابر: “نعلم أن شركتك تستثمر في الكثير من الوقود الأحفوري في المستقبل.. نحن في أزمة مطلقة، وذلك لأننا لم نلتزم بعد بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. هذا هو القرار الوحيد الذي يمكن أن نتخذه خلال قمة المناخ”، وغيرها من ردود الأفعال التي طبعت الجلسات الرسمية للقمة المناخية، أبرزها تدخل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الذي قال: “العلم واضح. إن حدود 1.5 درجة مائوية لن يكون ممكنا إلا إذا توقفنا عن حرق جميع أنواع الوقود الأحفوري، أو الإنهاء التدريجي لاستعماله ضمن إطار زمني واضح”.
ومما أجج فعاليات المؤتمر كذلك، تقديم هيلدا هاين، عضوة المجلس الاستشاري الرئيسي لـ”الكوب 28″، استقالتها، بسبب تقارير تزعم أن “رئاسة الإمارات استغلت المؤتمر فوق أرضها لإبرام اتفاقات جديدة للنفط والغاز”، وجاء في رسالة الاستقالة: “إن التقارير التي تفيد بأن الإمارات تعتزم مناقشة اتفاقات محتملة بشأن الغاز الطبيعي وغيره قبل محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ، مخيبة للآمال بشدة، وتنذر بتقويض نزاهة عملية التفاوض متعددة الأطراف”.
ونشر موقع “بي بي سي” وثيقة تشير إلى ما قالوا إنه “سعي الإمارات إلى استخدام موقعها كمضيف للكوب 28، لتحقيق هدف متناقض، وهو إبرام المزيد من الصفقات النفطية في جميع أنحاء العالم”.
وبدورها، وجهت منظمة “هيومن رايتس ووتش” سهام نقدها لتنظيم الإمارات لمؤتمر المناخ وقالت في تقرير لها، أن “قطاع الوقود الأحفوري في الإمارات العربية المتحدة يعزز مستويات تلوث الهواء المرتفعة على نحو مقلق، وهذا سر قذر تحرص السلطات على التكتم عليه”، كما ضغطت أكثر من 100 دولة من أجل إدراج صياغة قوية في الاتفاق تتعلق بـ”التخلص التدريجي من استخدام النفط والغاز والفحم”، لكنها واجهت مقاومة قوية من طرف أعضاء منظمة “الأوبك” بقيادة السعودية، والذين يقولون إنه “بمقدور العالم خفض الانبعاثات دون الاستغناء عن مصادر وقود معينة”.
وهكذا نرى بأن كل الضغوطات التي واجهتها الإمارات، كانت من قبل الدول الغربية، موجهة أصابع الاتهام إلى الدول المنتجة للنفط العربية فقط، علما أن الولايات المتحدة وبعض دول أمريكا الجنوبية، وأيضا النرويج وغيرها، تنتج البترول، بينما الكل يوجه بوصلته نحو الدول العربية، وتحميلها مسؤولية كل ما يقع، رغم أن الدول الأوروبية هي السباقة إلى التصنيع، المساهم بشكل كبير في انبعاثات الغازات الدفيئة والاحتباس الحراري.. وحدها الصين صرحت عقب البيان الختامي للمؤتمر، بأنه يجب على الدول المتقدمة أن تأخذ زمام المبادرة في التحول إلى الطاقات النظيفة، وتقدم دعما ماديا للدول النامية بدون تأخير، وقال نائب وزير البيئة الصيني: “تتحمل الدول المتقدمة مسؤولية تاريخية راسخة تجاه تغير المناخ، وبالتالي، يجب أن تأخذ زمام المبادرة للشروع في مسار حصر الاحترار المناخي بـ 1.5 درجة مئوية قبل سائر دول العالم”.. فهل سيتحقق التطبيق الفعلي لمخرجات “الكوب 28” في ظل الرغبة المتزايدة على الوقود الأحفوري في ظل استمرار الحروب والعالم في ذروة الصناعات التسليحية، وكذا الحاجة الماسة إلى زيادة مصانع المواد الاستهلاكية للتغلب ولو جزئيا على الأزمة الغذائية العالمية، علما أن الوقود هو المحرك الأساسي وبشكل كبير لكل الصناعات؟ وهل يكون مؤتمر المناخ 2023 بداية حقبة جديدة في النظام العالمي الجديد ؟



