المنبر الحر | كيف يساهم أساتذة التعليم العمومي في الإساءة إليه ؟

بقلم: زهير أهل الحسين
تعودنا في المقاربات النقدية الكلاسيكية، أن نقوم بتوجيه سهام النقد إلى الدولة، نظرا للأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها في تدبير ملف التعليم، لكن هناك العديد من الفاعلين الذين يتحملون جزء كبيرا من المسؤولية في تردي أوضاع التعليم العمومي مثل أساتذة التعليم العمومي، لذلك سنحاول في هذا المقال أن نطبق عليهم نفس المقاربة النقدية بناء على المعطيات التالية:
– المعطى الأول: أساء أساتذة التعليم العمومي كثيرا للقطاع، عندما قاموا بابتداع الساعات الإضافية، فصرنا نسمع بالأستاذ الفلاني الذي يدرس في إعدادية أو ثانوية كذا، يعطي دروسا في الرياضيات والفيزياء واللغة العربية واللغة الفرنسية، لنفس تلامذته في القسم الذين ينتمي أغلبهم لطبقة الفلاحين والنجارين والمياومين الذين بالكاد يقاومون الزمن من أجل شراء اللوازم الدراسية في الدخول المدرسي، فما بالك بإضافة الساعات المؤدى عنها؟
– المعطى الثاني: حسب قانون الوظيفة العمومية، لا يجوز لأساتذة التعليم العمومي ممارسة نشاط ربحي يدر عليهم مداخيل مثل الساعات الإضافية، والذي يمارسونه خارج المؤسسات العمومية، فالأستاذ يتقاضى أجرة شهرية مقابل أداء وظيفة تتجلى في تدريس التلاميذ، أما أن يقوم بإعطاء دروس مقابل النقود فهذا غير مقبول، لأنه يجعل المعلومة تخضع لمنطق الأداء، وبالتالي، من لا يمتلك النقود لا يمكنه الحصول على المعلومة، وهذا منطق “حك جيبك” الذي يتنافى مع القيم القوية التي تنتجها المدرسة العمومية وتتناقض مع الروح الوطنية.
– المعطى الثالث: يفتقد ويفتقر أغلب أساتذة التعليم العمومي لقيم التطوع التي تشكل أحد مكملات السياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي، مثل سياسة التعليم، وكان حريا ببعض الأساتذة الأحرار أن يقوموا بإعطاء تلامذتهم دروس الدعم والتقوية قبيل اجتياز الامتحانات بدور الشباب أو دور الثقافة، وهو توجه كان سائدا في سنوات التسعينات، عندما كان بعض أساتذتنا يعطوننا دروسا بالمجان في دور الشباب.
– المعطى الرابع: يتسم السلوك الاجتماعي لأغلب أساتذة التعليم العمومي بالتناقض.. فمن جهة، تلاحظ بأنهم يدرسون في القطاع العام بينما يدرسون أبناءهم في القطاع الخاص، ولو سألناهم عن هذا التناقض، يجيبون بكون القطاع الخاص يوفر الجودة والنقل ولا يوجد اكتظاظ ويتعلمون اللغات في سن مبكرة، لكن لو سألتهم لماذا لا تدرسون في القطاع الخاص، يجيبونك بكونه لا يوفر نفس الامتيازات التي يوفرها القطاع العام، مثل انتظامية الراتب والامتيازات فيما يخص الحصول على القروض والسكن وامتيازات التنقل والتقاعد والاحتفاظ بالراتب أو نصفه عند المرض والحماية النقابية، وغيرها من الأمور الإيجابية.
– المعطى الخامس: يقوم بعض أساتذة التعليم العمومي بالتدريس في القطاع الخاص بدعوى البحث عن موارد مالية موازية للراتب البئيس، وأن القطاع الخاص يؤدي جيدا، فمنهم من يتبجح بكونه ينال 200 درهم في الساعة، لكن بسلوكهم هذا يضفون مشروعية على القطاع الخاص، بل منهم من يقوم بالتسويق له بطريقة غير مباشرة.
– المعطى السادس: بعض أساتذة التعليم العمومي يرفضون أن يمارس على أبنائهم نوع من التعنيف الرمزي والمادي في القطاع الخاص، مهددين بنقلهم إلى مدارس أخرى، لكن منهم من يعطي لنفسه الحق في تعنيف بعض تلاميذ التعليم العمومي ضاربين بعرض الحائط مبادئ التربية والبيداغوجيا.
– المعطى السابع: منهم من يتبجح بكون ابنه يدرس “غير معا شوف الفوق”، أي مع ما يعتبرها النخبة في القطاع الخاص، ومنهم من تمتد به الوقاحة إلى أن يقول بأن “ولدو ما يقراش مع ولاد الشعب”.
– المعطى الثامن: نعلم أن التعليم العمومي له دور مهم في تشكيل هوية التلميذ على مدار العديد من السنوات، لكن تواجد سياسة تعليمية بقطبين يساهم في تفتيت هوية التلاميذ، لأن الهوية المغربية قد تتعارض مع باقي الهويات، لا سيما الفرنسية، حيث الحضور القوي للمناهج الفرنسية التي قد تروج لبعض الإيديولوجيات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان التي تشكل خطرا محدقا على الأسرة والطفل.
– المعطى التاسع: بعض أساتذة التعليم العمومي كانوا طلبة يساريين يدافعون عن الطبقات الشعبية ويكنون الحقد للرأسمالية التي ينعتونها بـ”المتعفنة”، ويدافعون عن التعليم بالمجان، فدارت الأيام وانقلبوا مرتين على ما قالوا: تدريس أبنائهم في القطاع الخاص الذي يشتغل بمبادئ الرأسمالية وتدريس أبناء الطبقات الشعبية بالأداء من خلال بدعة الساعات الإضافية.
– المعطى العاشر: بعض أساتذة التعليم العمومي يسيئون بطريقة رمزية للجامعة العمومية، فهم يعتبرونها تنتج شهادات فارغة، ومضيعة للوقت، لذلك يفضلون تسجيل أبنائهم في المدارس التي يعتبرونها عليا مقابل أن يتم “كويهم” بـ 2000 درهم في الشهر، ومن سخرية القدر، أن البعض منهم فشل أبناؤهم في اجتياز الاختبار التمهيدي، وكانوا مضطرين إلى التسجيل في الجامعة التي يعتبرونها آخر اختيار.
حاصل القول: نستنتج من خلال هذه المعطيات أن أساتذة القطاع العام، عوض أن يكونوا جزء من الحل، أصبحوا جزء من المشكل، وهذا ما يختصره المثل الشعبي “الفقيه اللي نتسناو براكتو دخل الجامع ببلغتو”.



