الرأي

الرأي | شيء من حياتي (2)

بقلم: نور الدين الرياحي

    ليس من السهل أن يعبر الإنسان عن نفسه، خصوصا حين تكون الذكريات متعددة والوقائع متشابكة والمراحل متعاقبة، ومع ذلك حاول كاتب السيرة، الأستاذ عبد الوهاب الدكالي، كفنان، أن يتغلب على كل هذه الصعوبات بين حالات وخواطر مرت به وتاهت، وقد علق الأستاذ إدريس الضحاك، الذي نتمنى يوما أن نقرأ سيرته التي جمعت بين القضاء والدبلوماسية والعلم والفكر والأكاديمية، يوما ما بإذن الله، معتبرا أن هذا المجهود الفكري يعتبر نموذجا يجب أن يقتدي به كل أصحاب الفن، لأنه يشكل نبراسا لمعرفة أسرار النجاح في الحياة لكل من يود الاقتداء، وبأن أي عمل ليس بالسهل قبل أن يخرج إلى الوجود فما بالك بالفن والفكر والكتابة والشعر، فالفنان أو الكاتب أو الشاعر، محتاج إلى تلك الخلوة التي يبقى فيها مع نفسه ليشعر بذلك الخشوع الذي يربطه بخالقه في العبادات وبروحه ونفسه في الإلهام .

ولما أشار إلينا الأستاذ عبد الوهاب إلى صفحة من الكتاب سماها “سيمفونيات” وهي الواردة في الصفحة الأخيرة، وهي فهرس جميل ومشوق للجزء الثاني الذي سيرى النور مستقبلا، وهو يتعلق بلقاءات غريبة ومثيرة فنية وثقافية وسياسية خاصة مع العمالقة أمثال محمد عبد الوهاب وأحمد رامي ونجاة الصغيرة وعباس محمود العقاد، والشاعر صالح جودت وفريد الأطرش وفايزة أحمد ورياض السنباطي وجليل البنداري والفرقة الماسية، وأم كلثوم وكمال الملاخ وحسين هيكل وفرقة عبد العظيم حليم، وسعاد حسني، وعبد الوهاب محمد وحسن السيد ومرسي جميل عزيز وبليغ حمدي وسارة وسيزا وغيرهم…

وقد علق الأستاذ إدريس الضحاك على ذلك بأن هذه السيمفونيات هي من أجمل ما سوف يشوق القارئ للجزء الثاني، لأن الإبداع رفيق التشويق، ولأن هذه الطريقة سوف تجعل متتبعي السيرة ينتظرونها بشغف وحب استطلاع، وهذا من معالم نجاحها في المستقبل ككل نجاحات الموسيقار الكبير.

تتمة المقال بعد الإعلان

لكن المتطلع لهذا الكتاب يجعل كل قارئ يبدأ السطر الأول، يحكم عليه بأن يظل ملتصقا بالكتاب حتى آخر السيمفونيات، التي تحدث عنها الموسيقار فبدأه بفصل “ولد العاكرة”، وهو تساؤل يطرحه الكاتب: وهل بمقدور أي كان أن يكتب عن نفسه قبل ولادته؟ وأجيبه بأن ذلك يقتضي أن يتمتع الكاتب بشجاعة أدبية نادرة، لأنها تتطلب كثيرا من الخيال وقدرة ذاكرته على استرجاع ذكريات طويلة الأمد حتى قبل خروجه إلى الدنيا، لكنه عندما يصف حرارة المدينة العتيقة التي تفوق الأربعين ويصف بعض المارة المتصببة جباههم والمبتلة ثيابهم من فرط العرق المتفجر من أجسادهم وصوت بائع “الباسطا” المثلجة و”لا كريم” و”لاباني” و”لا كلاص” والقُلة الملفوفة بقطعة “خيش” مملوءة بالماء العذب البارد.. ماء فاس الزكي، فاس العظيمة المقدسة، و”موسم العنصرة” كما يسميه الفلاحون، وأهل المدينة، ويصف حمام الحومة.. وهو ما ارتأى إدريس الضحاك بأن المدن العتيقة في المغرب تمتاز بهذه الأجواء، فأجواء مدينة القصر الكبير التي شهدت طفولة أستاذنا الجليل لا تختلف عن أجواء فاس العتيقة، أما أنا، فلم أجد في سرده اختلافا لأجواء المدينة القديمة بالدار البيضاء التي ازددت فيها وفي دار جدتي المرحومة مليكة بلمليح، أو كما كانوا يلقبونها مليكة بنت الراضي رحمها الله، وكذلك ذكريات الحمام الذي بناه والدها الراضي بلمليح في بداية القرن العشرين والمسمى “حمام الراضي” والذي اعتبرته الوكالة الحضرية حاليا معلمة تاريخية للدار البيضاء.

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى