الرأي | على جسر ماديسون


لم يكن نجاح فيلم القصة التي كتبها الروائي الأمريكي الكبير روبرت جيمس والر وإخراجه من طرف الممثل العملاق كلينت إيستوود وبطلته ميريل ستريب، صدفة أو قدرا، وإنما لأن المجتمع الأمريكي ومن خلاله المجتمع العالمي قاطبة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وما وصل إليه التقدم التكنولوجي والاقتصادي، بدأ يطرح أسئلة حول ماهية العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة والأزواج بأبنائهم والعمل من أجل العيش في مجتمع معقد برهان التنافسية ودور الثقافة والفنون في نجاح العلاقات الاجتماعية.. وكأن الإنسان بعد استكمال وسائل الترف والتقدم، رجع ليحاكم نفسه وجوديا، ولعل السؤال الذي طرح وطرحه معه الوجوديون هي تلك الأسئلة الحارقة التي لم تجب عنها القصة ولا الفيلم إلا بسطحية أحيانا أو بسكوت أحيانا أخرى، ترك فيه للقارئ والمشاهد حرية الإجابة، ولعله حسنا فعل (بضم الفاء)، لأن المسائل النفسية لرجل وامرأة نهاية القرن العشرين هي من التعقيد بمكان لدرجة الجزم بإمكانية صلاحية أي حل من الحلول، لاصطدام كل ذلك بالتكوين الديني وأعراف المجتمع ومصلحة الأسرة، بل يتعداه إلى تشريح أنانية الإنسان من خلال عواطفه.
لذلك سوف نحاول إثارة المشاهد والفقرات القوية من الرواية والفيلم، وكيف استطاع الكاتب والمخرج والممثلون تجسيدها بدقة جعلت من القصة والإنتاج السينمائي لها تحفة فنية رائعة.
فحتى تلك البداية التي سلطت الضوء على حوار بين بنت البطلة كارولين وأخيها ميكائيل وهما يفتحان صندوق وصية والدتهما ذات الأصول والجمال الإيطالي بعد موتها، والاطلاع على فقرات كتابهما المشترك من مذكراتها ورسائل صديقها بعد الفراق، حوار تخللته مشاهد الفيلم برمته، وكانا يتوقفان عند كل فقرة من فقرات المذكرات ليرجعا بنا إلى ما قبل موتهما ويقفان عند أشد لحظات الفيلم ولقطاته الرومانسية، وبعد ذلك، ترك مهمة الدفاع وصك براءتهما من إثم لم تكن لهما يد فيه، وبعد استشعار الخطر وتبعات إكمال نزوتهما من تشرد للعائلة ومعاقبة الزوج الطيب المخلص بذنب لم يرتكبه، فتحولت القصة إلى تساؤلات فلسفية ووجودية ومحاولة طرح عامل الزمن والإيمان بأن العلاقة بين الرجل والمرأة اللذين لم يكتب لهما اللقاء في الدنيا، كفيل برماد جثتيهما المحروقتان – طبقا لوصيتهما – والمنثور على جسر، أن يكون شاهدا أولا وأخيرا على هذا الحب، ولم لا يجسد غبار جسديهما بعد موتهما احتفاظا بتلك الذكرى المثالية التي غلبت فيها التضحية على الاستمرار في الإثم، مما شكل درسا للأبناء في التعامل مع الحدث على أنه لم يكن خيانة لوالدهما بقدر ما كان تضحية لأم فضلت طول حياتها التضحية من أجلهما وأجله، وعبرت عن ذلك كل فقرات الرواية والفيلم بإبداع قل نظيره .
تزوجت فرانشيسكا في سن مبكرة نسبيا (عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة)، حيث تعرفت على الجندي الأمريكي ريتشارد جونسون، وواجهت ضغوط الحياة والرغبة في الاستقرار والأمان، لتجد نفسها فجأة منتقلة من دفء إيطاليا إلى صقيع ولاية آيوا.
بعد مغادرة ريتشارد للجندية، اشتغل في المزرعة التي ورثها عن والده واستقر في بيت قروي جميل تحيط به الأشجار والطبيعة القاسية للبادية، وكان الزوج غاية في مثالية تربية الأبناء والإخلاص للزوجة التي بدأت تتقاسم معه الأعمال الفلاحية بسياقة الجرار وسيارة التسوق، والنهوض باكرا لتهييئ الوجبات الثلاث للأطفال، وغالبا ما كانت الأمسيات تنتهي في ستينات القرن الماضي بمشاهدة برامج تلفزيونية والنوم باكرا، والتبضع من أسواق يغلب عليها الطابع القروي حيث كل واحد يكاد يعرف بضيعته واسم عائلته.
كان هذا الجو وروتين سنوات عدة، وانغماس الزوج في العمل لأنه كان يريد أن يحقق لزوجته الإيطالية الجميلة كل أحلامها، لكن حلما واحدا لم يتحقق وبالأحرى لم يكن يعرفه، هو نفسية المرأة، فهذا المخلوق محتاج لصمام أمان نفسي وإشباع عاطفي يستحيل معه على المرأة أن تفكر في غير من يمنحها ذلك في لحظة من لحظات ضعفها.
لقد استطاع الكاتب روبرت والر أن ينفذ بسهولة إلى قلب الإيطالية المحرومة ويصور إيقاظ مشاعر ظلت نائمة لأنوثة منسية طوال مدة زواجها وهي في الأربعينات من عمرها، وحتى بلوغ أبنائها سن المراهقة، إلى أن التقت بمن يملك سر كيمياء فتيل هذا الضوء النافذ، الذي اكتسبه هذا الستيني، الصحفي المصور، الذي جال أقطار العالم وتعرف في كل قطر على نساء مختلفات اكتسب منهن فنون المعاملة مع النساء الجميلات إشعارهن بأسلوب راقي بجمالهن و”الغواني يغرهن الثناء” كما يقول الشاعر العربي، وقد وقع ذلك عندما وصل إلى القرية وتوجه بالسؤال عن جسر روزمان أو طريق ماديسون التي تاه فيها، إلى الإيطالية الحسناء وهي في شرفة ذلك البيت المطل على تلك الطرق، والتي كانت قد ودعت في نفس اللحظة زوجها وابنتها وابنها الذين غادروها من أجل سباق للخيل ومعرض قروي في مدينة أخرى، وتركنها وحيدة لمدة أربعة أيام، كانت كافية لتسجيل أكبر قصة حب وأكبر قرارات إنسانية سوف يتخذها البطلان في حياتهما.



