تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | أخنوش.. هل هو وزير من زمن الفراعنة ؟

عودة الجدل حول الجمع بين المال والسياسة

لطالما ردد عزيز أخنوش في إطار سياسة المن، أنه لا يتقاضى راتبا شهريا عن عمله الوزاري منذ سنة 2007، وأنه هو من يتكلف شخصيا بتنقلاته وسفرياته وسفر حوارييه(..)، وهو نفس الأمر الذي تردده المواقع والجرائد المحسوبة والمدعومة من طرف رئيس الحكومة بطريقة أو بأخرى، شأنها شأن شبكة أخرى من أصحاب المصالح(..)، ورغم أنه لا يوجد أي دليل على هذا الكلام، الذي يفترض أن هناك وزراء يعملون ولا يتقاضون أجرا في غياب مسطرة خاصة بذلك، فإن استغناء أخنوش عن أجره الشهري لا يعني العمل بدون مقابل، بل إن جمعه لعدة قطاعات سياسية وتجارية يجعله بمثابة وزير قادم من زمن الفراعنة(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    الواقع، أن رئيس الحكومة الذي لا يتقاضى أجرا، وهو ما يفترض تراجع إمكانياته المادية، يعيش أبهى أيامه من خلال استحواذه على صفقات ضخمة، تختلط فيها السياسة والتجارة، وتمتد استثماراته (يسميها أحيانا استثمارات العائلة) من البر إلى البحر، وتتراوح بين الماء والهواء والمزروعات.. في مشهد نادر لا يحصل إلا في الأفلام، وهو ما يفرض التساؤل: ((ماذا بقي بعد المحروقات السائلة التي يقع فيها رئيس الحكومة منذ 2021، بعد أن كان وزيرا للفلاحة منذ سنة 2007، في الوضع المهيمن على السوق، حيث يبيع بالأسعار التي يحددها ويريدها؟ وماذا بعد الغاز الذي تقع فيه شركة رئيس الحكومة في وضعية شبه احتكارية؟ وماذا بعد الأوكسجين الطبي؟ إن الماء هو الآخر يدخل في مجال نفوذ رئيس الحكومة! إنه تأميم السياسة عبر احتكار قطاعات ومجالات حيوية بالأموال العمومية وبمئات ملايير الدراهم المخصصة لها، سواء عبر الصفقات العمومية أو عبر صندوق المقاصة)) (المصدر: تصريح رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو).

تتمة المقال بعد الإعلان

هكذا تحدث رئيس مجموعة برلمانيي العدالة والتنمية في مجلس النواب، ومثله كثيرون يصرخون في زمن أخنوش: ((المحروقات، الغاز، الأوكسجين، الماء.. كل هذا الخليط مع السياسة.. استفيقوا يرحمكم الله.. أنقذوا صورة دولة الحق والقانون، وأرجعوا الهيبة للدستور قبل أن يتحول زواج المال بالسياسة إلى غول يلتهم الأخضر واليابس!!!)).

القصة وراء صرخة عبد الله بوانو، سبق أن نبهت إليها “الأسبوع” بعد توالي فوز رئيس الحكومة بصفقات ضخمة لتحلية مياه البحر، ما يعني أن “مجموعة أخنوش” لن تكتفي من الآن فصاعدا بالتحكم في سوق المحروقات والمنتوجات الفلاحية، والهواء الطبي، بل إن نشاطها سيمتد أيضا إلى “تجارة الماء”، والمستقبل في تجارة الماء هو محطات تحلية المياه بعد توالي سنوات الجفاف، وربط نشاط السدود مع الإنتاج الفلاحي(..).

يقول عبد الله بوانو: ((نشرت بعض وسائل الإعلام خبرا يتعلق بنيل المجموعة المكونة من الشركة الإسبانية “أكسيونا” و”أفريقيا غاز” و”غرين أوف أفريكا”، والأخيرتان هما شركتان فرعيتان لمجموعة “أكوا”، لمالكها الرئيسي عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، لصفقة إنشاء محطة الدار البيضاء الكبرى لتحلية مياه البحر.. وقد سبق لوسائل الإعلام أن كشفت أن قيمة هذه الصفقة تصل إلى ما يناهز 1.5 مليار دولار، أي 15 مليار درهم، وأن مدة فترة استغلال هذه المحطة تصل إلى 30 سنة بما فيها 3 سنوات مخصصة للأشغال)).

تتمة المقال بعد الإعلان
بوانو // بن كيران

يمكن للمتتبع أن يسأل: ما هو المشكل في استثمارات رئيس الحكومة، ليكون الجواب على لسان نفس المصدر: ((المثير الذي يجب الوقوف عنده من طرف كل الغيورين على الدستور، وعلى دولة الحق والقانون، وكل المعنيين بمحاربة تنازع المصالح، هو كيف يمكن لمجموعة يملكها رئيس الحكومة أن تتنافس بطريقة حرة وشريفة وتنال بطريقة لا شبهة ولا لبس فيها هذه الصفقة الضخمة في مجال حيوي واستراتيجي الذي هو الماء؟ صحيح أن الدستور في فصله 35 يضمن حق الملكية، وحرية المبادرة والمقاولة، لكنه يفرض أيضا في الفصل نفسه التنافس الحر، ويعاقب في الفصل 36 على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، ويعاقب كذلك على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.

فما هذا الذي تكشف عنه هذه الصفقة الضخمة، التي هي صفقة عمومية ممولة بالأموال العمومية، وتتبع تفاصيلها المديرية العامة لهندسة المياه بوزارة التجهيز والماء، وسبق لوزير التجهيز والماء أن أجاب عن أسئلة برلمانية حولها، وأكد خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارته برسم سنة 2024، أن المحطة ستنجز في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، وأنها ما تزال في مرحلة التشاور بشأن العروض المقدم)) (المصدر: تصريح عبد الله بوانو).

باختصار، أخنوش هو رئيس الحكومة، وصاحب الصفقة هو الوزارة التابعة لحكومته، بل إنها تحت إمرته، وهو ما يجعل الحديث عن “التنافس الشريف” مجرد فقاعة إعلامية..

تتمة المقال بعد الإعلان

((في الحقيقة، نحن أمام فضيحة سياسية وأمام تطور خطير في مجال المال والأعمال ببلدنا، تتعلق بتنازع صارخ للمصالح، لأن شركتين من الشركات الثلاث التي رست عليها الصفقة، مملوكتان لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، ورئيس وزير التجهيز الوصي والمتابع لمختلف العمليات المرتبطة بهذه الصفقة، بل إن المجموعة الاقتصادية لرئيس الحكومة مساهمة في الشركة الثالثة!.. ومن الناحية القانونية، فإن رئيس الحكومة يوجد في وضعية مخالفة وتنازع المصالح استنادا إلى الفصل 36 من الدستور، الذي يمنع صراحة تحت طائلة العقاب تنازع المصالح، واستنادا كذلك للقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، ولا سيما المادة 33 منه.. هذا عن القانون الوطني، أما في بعض التشريعات الدولية، فإن تنازع المصالح يقع مرادفا للفساد، حيث إن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد اعتبرت أن مضمون الفساد يتحقق بتضارب المصالح، وأوصت بسن تشريعات لمنعه، والمغرب صادق على هذه الاتفاقية منذ سنة 2007، ويستعرض سنويا جهوده في مجال تنفيذها.. وبالمناسبة، فإن حالات مماثلة بالجماعات الترابية يتم عزل أصحابها دون تأخر، طبقا للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية!؟

الكتاني // التامني

أسوأ من ذلك، يرى عمر الكتاني، الخبير الاقتصادي – على سبيل المثال – (وهناك كثيرون يتفقون معه)، أن ((هذه الصفقة المثيرة للجدل، كشفت عن تضارب المصالح بين أخنوش رئيس الحكومة، وأخنوش رجل الأعمال))، مضيفا أنه ((لا يمكن أن يكون مسؤول في السلطة وفي آن واحد عنده مصالح خاصة تدبرها تلك السلطة نفسها، ثم ما هي ضمانات عدم الانزلاق لخدمة المصالح الذاتية للمدبر؟)).

الخبير نفسه قال في تصريحات إعلامية: ((إن اختيار هذا الشخص منذ البداية كرئيس للحكومة، كان سيئا، لوجوده في حالة تضارب للمصالح، ولكن المسائل اليوم أصبحت مفضوحة، متسائلا: ما الذي سيضمن لنا أن المعني بالأمر لم يطلع على الأسعار التي أعطتها الشركات الأخرى عندما فتحت الصفقة؟ ثم ما هي الضمانة كونه لا يعرف الأسعار التنافسية ليفوز بهذه الصفقة؟))، واعتبر الكتاني أن الأمر استفحل نتيجة سكوت المواطنين والرأي العام المغربي عن زواج المال بالسلطة، ولضعف الرأي العام في الضغط لتجنب زواج المال بالسياسة، فردود الفعل أمام هذا الوضع ضعيفة، يقول الخبير الاقتصادي، قبل أن يضيف، أن المسؤولية ليست ملقاة على الدولة لوحدها، وإنما أيضا على المجتمع، منتقدا فوز مسؤولين في الدولة بالصفقات العمومية، لذلك فهو يحذر مما قد تؤول إليه الأمور بعد هذه الممارسات التي تضرب بعرض الحائط مصداقية وشفافية الصفقات العمومية، مما سيطرح إشكالا أخلاقيا في السياسة العامة للدولة، متسائلا: “ألم يعد هناك مرجع أخلاقي في التعامل مع المصالح العمومية ومع الصفقات العمومية، في الوقت الذي يجب فيه أن يمر هذا الأمر إلى المساءلة؟”.

تتمة المقال بعد الإعلان

وليس الكتاني وحده الذي يحذر من غياب المرجع الأخلاقي في التعاطي مع الصفقات العمومية، بل إن برلمانية اسمها فاطمة التامني، راسلت رئيس الحكومة لاستفساره حول فوز شركتي “أفريقيا غاز” و”غرين أوف أفريكا”، التابعتين لمجموعة “أكوا”، بالصفقة الضخمة المتعلقة بأكبر محطة لتحلية مياه البحر على المستوى الإفريقي، رغم غياب خبرة واسعة لهما في هذا المجال، وقالت: ((على إثر فوز مثير للجدل بصفقة ضخمة لبناء وصيانة وإدارة محطة تحلية المياه بمدينة الدار البيضاء، بقيمة تبلغ 15 مليار درهم، ورد اسم رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش من خلال شركتي “أفريقيا غاز” و”غرين أوف أفريكا”، اللتان ليست لديهما خبرة واسعة في مجال تحلية المياه، إلا أنهما فازتا مع شركة “أكسيونا” بالصفقة الضخمة المذكورة المتعلقة بأكبر محطة على المستوى الإفريقي، وهو الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات)).

وتساءلت التامني: ((كيف لرئيس الحكومة أن يتعاقد بشكل ضمني مع وزارة التجهيز والماء، ليكون المستفيد المباشر، لا سيما وأن عددا من الشركات انسحبت من التنافس على الصفقة وفقا لتقارير إعلامية وطنية ودولية؟ ألا يتعلق الأمر بتضارب واضح وصريح للمصالح باعتبار الفائز بالصفقة مسؤولا أولا بالحكومة ؟)).

واعتبرت النائبة البرلمانية نفسها، أن أخنوش باعتباره الفاعل الأساسي في سوق المحروقات والغاز والأكسجين، وقع في تنازع مصالح واضح المعالم ضدا على الدستور والقوانين والأخلاق، مطالبة رئيس الحكومة بكشف حيثيات الاستفادة من الصفقة باعتباره “حكما” لا منافسا، مستغربة كيف لمجموعة يملكها رئيس الحكومة أن تنافس على صفقة كبيرة بالشفافية والوضوح المفترضين، وتفوز بالصفقة التي ستضمن استغلال المحطة لثلاثين سنة.

تتمة المقال بعد الإعلان

يذكر أن “الأسبوع” سبق أن نبهت إلى الجدل الكبير الذي تطرحه تحركات أخنوش وسط الملايير، فبالتزامن مع الحديث عن تبرعه بـ 60 مليارا لفائدة ضحايا زلزال الحوز، خرج بن كيران ليسأله عن مصير 54 ألف مليار كانت مخصصة لتنمية العالم القروي والمناطق الجبلية، ولم يظهر لها أثر(..)، كما يجب التنبيه إلى أن تصريحات أقل من هذا بكثير يترتب عنها تحرك القضاء والبوليس في بلدان ترتبط فيها المسؤولية بالمحاسبة(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى