المنبر الحر

المنبر الحر | ماذا تعلمنا في المدرسة العمومية ؟

بقلم: محسن الأكرمين

    تعلمنا في المدرسة ما بعد الاستقلال أن من يضع “طاقية الإخفاء على رأسه” يعيش متسيدا، متمتعا بقوة خارقة وقد يتحكم في العباد، علمونا أن “طاحونة الطلاسم” تمتلك الحلول لكل المشاكل وقد “حَوَتْ ما في العالمين”، وتقدر على الفتك بالآخر في وقت وجيز، تسيد مراكز الفساد.. علمتنا النصوص القرائية أن نخاف من الجن الخفي حتى وإن كان مرحا، وكذا من الشياطين التي تتربص بنا كل لحظة (الرمح المسحور)، تعلمنا من مرفقات الحياة ألاّ نستصغر لهيب النار في الغابة، ولا فورة الماء في الوادي الهائج، ولا ثلج الجبل الشديد الانكسار، ولا فيروس “كوفيد 19” المستجد الذي يلبس “طاقية الإخفاء”، تعلمنا بعدها في الجامعة، أن يوم النضال لا ينتهي في ساحة لا تنتهي في ليلة لا تنتهي..

كان تعليمنا بسيطا بالعين المجردة، وبلا حتى مجهر يدوي، ولا مكبر إلكتروني كاشف عن الوجه الحقيقي لفيروسات الفساد النائمة، تعلمنا أن نتعايش مع شتى التلقيحات بأمن وقائي، ومرات متقطعة كانت تفتك الكوليرا وحمى المستنقعات، كان تعليمنا تغلب عليه الغيبيات من “الرمح المسحور”، وقصبة “زوزو يصطاد السمك”، وقد أوصل تعليمنا الجن إلى تعلم الرقص “أحمد والعفريت”.. كان تعليمنا يزودنا بما ورد في المعلقات من قصائد الجاهلية بالثانوية، ولماذا سميت بالمعلقات؟ وعن بحور شعر سوق عكاظ، وعن شعر الهجاء بين الفرزدق وجرير، وتكسب أبي الطيب المتنبي بشعره في مدح الملوك.

تتمة المقال تحت الإعلان

علمونا أن أحقية الجزاء والعقاب من الله عز وجل، وأن بعد حساب ثلة اليمين، نعيم الجنة والحور العين، لكن لا أحد منا يكون مستعدا للموت ليلتحق بجنة الخلد، علمونا أن الله واجب الوجود، ويرانا سواسية من السماء العلوية، وأن هنالك ملائكة بشمال أيدينا تدون الشر، وأن الملائكة التي تتربع على اليمين هي من تدون أفعالنا الخيرة، علمونا ونحن صغار السن، أن نبصق على اليسار في لعنات تستهدف الشيطان، وبقينا نبصق يسارا، وبتنا نخاف من أن نكون مع كتلة اليسار الجذري، علمونا البصق على ثيابنا الداخلية إن ذكر الجن، ونتعوذ من شر الشيطان الرجيم، ونلعن إبليس جهرا..

تعلمنا أخيرا أننا لن نستطيع القضاء لا على الشيطان في الأرض السفلية، ولا على شيطان الفساد والريع “حلال” بالبصق.

علمونا، أن الله يرانا حتى وإن تسترنا على فساد الذات والآخر، علمونا اعتقاد المرجئة في تطبيق القانون الدنيوي (عفا الله عمَّا سلف!)، علمونا عرفيا أن تلك “العاهرة” بعد موتها تخرج ليلا على شكل “بغلة للقبور”، ولها حرية تعريض من نال من لحمها الطري دنيويا بالرفس.

تتمة المقال تحت الإعلان

 تعلمنا من عرف الخرافة، أن “لالة عيشة” تخرج ليلا ورجلاها مثل أرجل البقر، وتطلب المساعدة الذليلة، ويمكن أن تغدر بمن أركبها خلفه على ظهر بغله أو حصانه.

تعلمنا سبل اختيارات الخير والشر، ومصاحبة الأخيار، والنهي عن مرافقة الأشرار وكأن الأشرار حظهم أنهم خلقوا بقدر ممارسة الشر ومعاونة إبليس اللعين.

تعلمنا من الفلسفة السؤال الماكر “من له بداية له نهاية”، لكنا لم نتمكن أن نحول غاياته الكبرى إلى تفكير متجدد، بل بقينا نمارس سفسطة “الطواحين الهوائية” والجدال الرخو بين نصرة التقليد على الحداثة.

تتمة المقال تحت الإعلان

تعلمنا أن من علو الجبل تتصعد الصدور، لكن خوفنا من الحرابة وقطاع الطرق أسكننا في قمة الجبل، أسمعونا في المذياع قصة عنترة بن شداد، العبد العبسي الأسود، وشعر الفروسية وحبه لعبلة بنت مالك، أسمعونا مدى قوته البدنية والتي فاقت “شمشون” العهد القديم، و”طرزان” الغابة، أسمعونا قصة سيف بن ذي يزن، الملك المتزوج من الجن والإنس، والذي خاض حروبا صُحبة “عيروط” والساحر “برنوخ” والجنية “عاقصة”، علمونا الاتكال والكل يزداد برزقه حتى وإن لم نخطط له وجاء عرضا (حادثا)، وأن المال قد يصنع التعساء في قصة “الغني والإسكافي”، علمونا القناعة والاقتناع الطوعي، وأن اليد الواحدة أو العشرة يمكن أن تشبع من قصعة الطعام الصغيرة.. إنه بحق أحمد بوكماخ، الذي علمنا القراءة والتفكير الغيبي، والرضاء بالقدر خيره وشره.

كان تعليمنا والحمد لله، يُفتقُ فينا الخيال والتأويلات الخرافية، كان تعليمنا، خطابة ومتنا ولغوا، وحشوا، وتنابزا بالألفاظ، كان لا يُلْزمنا التفكير العقلاني (المنطقي) بقدر ما يشحننا بالمعارف التراكمية مثلما نشحن بطاريات هواتفنا الذكية اليوم، كان تعليمنا لا يعير للسن مكانة وليس بالإلزامي (قَرَى حَتى تَتْعْيَا)، ويُمكن أن تَحلقَ لحيتك وأنت بالمتوسط الأول، كان تعليمنا بالمواجهة وما أدراك ما قصة المواجهة والعلقة، كان تعليمنا لا يرتكز على “موضة” الدعم والدروس الخصوصية، كان تعليمنا “قاصح” ويتلذذ بالضرب، والتنكيل بالأجساد الطرية (الفلقة)، ومن قول الآباء، كان تعليمنا يستمد قوته وطغيانه “أنت اذبح وأنا نسلخ”، كنا مثل سيدنا إسماعيل، يفكرون برؤيا “الذبح” ويخافون على أعناقهم إن هي أينعت، فقد يأتي من يقطفها داخل الفصل الدراسي.    

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى