المنبر الحر

المنبر الحر | هل ربط المعرفة بالأنترنيت توجه علمي سليم ؟

بقلم: زهير أهل الحسين

    تتأسس التنشئة العلمية السليمة لمن له شغف بالعلم، على وجود خزانة بالمنزل تتضمن كتبا في مختلف التخصصات، من أدب وفلسفة وعلم اجتماع وفيزياء وغيرها من التخصصات، وغالبا ما يتم إغنائها على مراحل، عن طريق اقتناء كتب جديدة، ثم تصبح هذه الكتب مصادر المعرفة العلمية حسب فضول كل فرد من أفراد الأسرة.

وحين نتحدث عن كتب، فهي غالبا ما تكون من إنتاج باحثين لهم مشروعية في الوسط العلمي، وبالتالي، فالاعتماد عليهم في اكتساب المعرفة يعطي مصداقية لمن يتكلم في حقل معرفي معين.

ونقط القوة في هذه التنشئة العلمية، هي أن المعارف تكون موحدة، أي أن نفس المعلومات العلمية يتوفر عليها من يقرأ كتابا ما، مما يسهل عملية النقاش العلمي والإحالة على الصفحات إذا ما تطلب الأمر التركيز على محور معين.

إلى عهد قريب، نهاية التسعينيات، كانت دور الشباب ودور الثقافة امتدادا علميا-جغرافيا للتنشئة العلمية التي تعتمد على الكتب المتواجدة بالمنزل، حيث كنا نطلع على كتب غير متوفرة في منازلنا، وكانت الإدارة تقوم مشكورة بإقراضها لنا لمدة محدودة ثم إرجاعها، لإفساح المجال لباقي الباحثين عن المعرفة.

وفي بداية الألفية، ظهر براديغم جديد في مجال التنشئة العلمية، يدعى الأنترنيت، وهي شبكة تضم العديد من المعارف، يكفي أن تبحر في أحد محركات البحث لتغوص في عالم ليست له بداية ولا نهاية، وقد أقبل عليها جزء كبير ممن ينتمون إلى المجتمع العلمي، ولاسيما الطلبة والتلاميذ، من أجل الحصول على ما يريدون، وهنا ظهر ما يعرف بأصحاب المشاريع الصغرى “السيبير”، فأصبحت تعج بزبناء المعرفة، لكن مقابل الأداء من أجل الحصول على معلومات غالبا ما تكون مبعثرة وغير موثوق بها، ثم تطورت الأمور المعرفية بوتيرة متسارعة، فصارت المعرفة تلتصق كثيرا بمحركات البحث، وهنا ظهرت عبارات شعبوية علمية من قبيل “الحاج غوغل” و”بقا شي واحد كيعتمد على الكتاب”.

وبعد ذلك، استفادت الرأسمالية الرقمية من هذا التوجه المعرفي، فعملت على سحب البساط من تحت أقدام المشاريع الصغرى، فقامت بإدراج الأنترنيت ضمن الخدمات المقدمة، على أساس الترويج لها على أنها تسهل الحصول على المعرفة بأسرع طريقة، فانخرط أغلب المغاربة في هذا العرض في شقه المعرفي دون التفكير في العواقب المعرفية المستقبلية.

 لكن في الجهة المقابلة، أصحاب البراديغم الأصيل، كي لا أقول البراديغم القديم، كانوا ينددون بالتوجه المعرفي الجديد، ومن الأساتذة الجامعيين من كان يرفض بحوثا تعتمد على الأنترنيت، مع بعض المرونة في التقارير التي تصدرها الهيئات والمنظمات الدولية.

للأسف، لم تتدخل الدولة كفاعل مهم في السياسة المعرفية من أجل فرض المنطق السليم في التنشئة العلمية، بل بقيت تتفرج على ما يحدث، مع حيادها السلبي في الدعم الخفي للأنترنيت، باعتبارها تدخل في الاقتصاد الرقمي الذي سيخلق فرص شغل عديدة وسيساهم في رفع نسبة النمو، بغض النظر عن علاقته بمجتمع المعرفة، وهنا لا بد أن أذكر أن الهوية الاقتصادية للدولة المغربية هي هوية رأسمالية بالأساس، أي أنها تخضع لأفراد ذاتيين يملكون ثروات ويهيمنون على مختلف القطاعات الاقتصادية، وحين يصبحون وزراء، يسهل المزج بين الاقتصادي والسياسي، لكن على حساب ما هو اجتماعي ومجتمعي.

كنه القول، ربط المعرفة بالأنترنيت هو توجه معرفي محفوف بالمخاطر العلمية، لأن المعلومات المتوفرة بالشبكة العنكبوتية غير منظمة ويصعب الوثوق بها، لذلك فالمراجع العلمية هي الأساس أو لنقل هي الأصل، وبالمناسبة، فإن الدولة ودور النشر تتحمل مسؤولية كبيرة في الهجرة المعرفية نحو الأنترنيت، لغلاء الكتب، خصوصا الكتب غير العربية، لكن ما مصير المعرفة العلمية مع الترويج للذكاء الاصطناعي وكأنه فتح جديد في الحضارة المعرفية ؟

 

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى