المنبر الحر

المنبر الحر | لماذا يخشى الغرب العرب والمسلمين ؟

بقلم: بنعيسى يوسفي

    الأطروحات الكثيرة التي أفرزها الفكر الغربي في العقود الأخيرة من قبيل “نهاية التاريخ” أو “صدام الحضارات”، وما إلى ذلك.. هي أطروحات غير بريئة البتة، فهي تنطوي على خلفيات سياسية وإيديولوجية خطيرة، وبشكل خاص حينما يتعلق الأمر بـ”صدام الحضارات”، التي يبدو أن المستهدف منها هو العالم العربي والإسلامي ومعه حضارته التي أضحت مهددة أكثر من أي وقت مضى، حيث تعتبر هذه الأطروحة أكبر ملهم للعديد من الأصوات المؤثرة في صناعة القرار في الغرب، والتي لا تيأس من ترديد تلك المقولات المعتادة والمستهلكة عن خطر الإسلام والمسلمين على الغرب وحضارته وقيمه الحداثية، وتستعر جذوة هذه المقولات كلما تعرض هذا الغرب لهجمات أو أعمال إرهابية، لتكون التهمة جاهزة للعرب والمسلمين، بدعوى أن الإرهاب بنية كامنة في عقولهم وأذهانهم، وهم – حسب اعتقادهم – لهم جاهزية فطرية وقابلية تلقائية للقيام بهذه الأعمال، لكن سرعان ما يظهر تهافت وبطلان كل هذه الاعتقادات وتظهر التحقيقات أن العرب والمسلمين بعيدين كل البعد عنها، ولا مراء أن أول سؤال قد يتبادر إلى الذهن بعد هذا التقديم، هو لماذا يجعل الغرب نصب أعينه الحضارة الإسلامية دون سواها؟ أليست هناك حضارات أخرى يمكن أن تشكل خطرا محدقا به، كالحضارة الصينية الكونفوشيوسية أو الحضارة الهندية وما شابها؟ وحتى من الناحية الإيديولوجية.. ألم يكن العملاق السوفياتي الشيوعي يشكل خطرا كبيرا على المنظومة الغربية الرأسمالية الليبرالية عقودا من الزمان؟ الجواب على هذا السؤال قبل العودة إلى الأسئلة التي قبله، سنجده واضحا على لسان أحد المسؤولين الفرنسيين في خمسينيات القرن الماضي أورده الدكتور جودت سعيد في كتابه: “لماذا هذا الرعب من الإسلام؟”، حيث يقول ما مفاده أن الغرب لا يرى في الاتحاد السوفياتي آنذاك عدوا أو خطرا عليه، فهو يعتبر ضمن الحضارة الغربية وإن اختلفت الإيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية المتنافسة، وإذا كان هنالك خطر، فهو خطر سياسي عسكري وليس خطرا حضاريا تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال، أما فيما يتعلق بالعرب والمسلمين، فهم في نظره الخطر الحقيقي الذي يهدد الغرب تهديدا مباشرا، حسب نفس الكاتب، فالعالم الإسلامي مستقل كل الاستقلال عن العالم الغربي، فهو يمتلك تراثه الروحي الخاص، ويتمتع بحضارة تاريخية عريقة وذات أصالة، والمسلمون جديرون بأن يقيموا بها قواعد عالم جديد من دون حاجة إلى الاستغراب، أي من دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية، ويضيف في نفس السياق، أن العرب والمسلمين يمتلكون إيديولوجية صعبة المراس، وتتمثل في قوة وحيوية الإسلام على الإحياء والنهوض والدافعية والحضور والصمود، وهنا تكمن قوة العالم الإسلامي التي تؤرق بال الغرب، الذي عمل على إحداث شروخ وتصدعات في الحضارة الإسلامية، وسخر في ذلك آليات فكرية وثقافية وسياسية وعسكرية، وكلما اعتقد أنه اقترب من تحقيق الهدف، يجد نفسه لم يبرح مكانه ولا زال في نقطة البداية، فالعرب والمسلمين لا يمكن إذابتهم في النموذج الغربي، فكم مرة اعتقد الغرب أن بعض الوضعيات المؤلمة وبعض الأزمات السياسية والاقتصادية التي يمرون منها ستساعدهم على تحقيق هذه الغاية، فإذا بهم يستعيدون حيويتهم من جديد وفي فترة وجيزة، وهذا الأمر لا يجده الغرب في أمم وحضارات أخرى من حيث قوة الهوية وتماسكها أمام التحديات والضربات والمؤامرات .

بعد انهيار المعسكر الشرقي وتفتت الاتحاد السوفياتي الذي كان البعبع الذي يزرع الرعب في المعسكر الغربي الليبرالي وما تلا ذلك من تداعيات على المعسكر الشرقي بالخصوص الذي يبدو أنه فقد زخمه السياسي والإيديولوجي، واختل ميزان القوى لصالح المعسكر الغربي، أصبح هذا الغرب يبحث عن عدو جديد لإشغال الرأي العام الغربي بأن هناك عدوا خارجيا آخر يهدد حضارتنا وكينونتنا وحداثتنا وتقدمنا وما إلى ذلك، يجب مجابته بشتى الوسائل، وهذا ما يطلق عليه “العدو المفترض”، الذي تحدث عنه بشكل واضح العميد السابق لجامعة نيس الفرنسية، روبير شارفان، عندما قال: “إن رؤية صدام الحضارات تفترض حاجة إلى خلق عدو وهمي أو فعلي يكون بمثابة كبش فداء، تتحدد مهمته في تبرير المتاعب الداخلية لتلك الدول والتمويه عن تناقضاتها الفعلية، وأزماتها الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا”، وبناء على هذه الأمور ما لبث “مرتزقة المجموعات الصناعية والمالية الغربية” أن عينوا هذا العدو.. إنه “الشرق عموما والإسلام خصوصا”، وما دام الأمر جديا وأن الغرب إذا عقد العزم على بلوغ أي هدف يسطره كيفما كان نوعه، يصل إليه عاجلا أو آجلا، وخير مثال على ذلك، هو كيف استدرج روسيا إلى حرب استنزافية في أوكرانيا؟ وكيف أقنع كييف للدخول في المغامرة؟ وهذا إنذار للعالم العربي والإسلامي لتحصين قواعده وحضارته المستهدفة أكثر من أي وقت مضى.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى