المنبر الحر

المنبر الحر | حقوق الجار في الإسلام (2)

بقلم: ذ. عبد الواحد بنمسعود  

من هيئة المحامين بالرباط

    كتب وبحث عدد من فقهائنا الأجلاء في حقوق الجار على جاره، ومن تلك الأبحاث ننقل للقارئ الكريم هذا البحث القيم عن حقوق والتزامات الجار تجاه جاره: إن للجار حقّا عظيما على جاره، وقد حث الإسلام على الإحسان للجار، وربط بين الإيمان وبين إكرام الجار والإحسان إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ”، والجار هو من جاور الإنسان في السكن أو العمل أو الدراسة، مسلما كان أو كافرا، وقد جعل الشرعُ محبّة الخير للجار علامة من علامات الإيمان، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهناك صور كثيرة للإحسان إلى الجار، منها: إقراضه المال إن طلبه، مدّ يد العون إليه، عيادته إن مرض، تفقد أحواله، مشاركته في أفراحه وأتراحه، عدم الاستطالة عليه بالبنيان، إسداء النصح والمشورة إليه، اتّباع جنازته، عدم إيذائه برائحة الطعام، وكذلك تقديم شيء من الطعام له وإن كان ذلك يسيراً، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أبا ذر رضي الله عنه: “يا أبا ذَر إذا طَبَخْتَ مرقة فأكثر ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ بالدعاء له، والستر عليه”، عدم إلحاق الأذى بالجار بشتمه أو ضربه أو القيام برمي القمامة على باب منزله، رد السلام على الجار، والتكلم معه بأسلوب لطيف ومهذب وعدم التعامل معه بتكبر أو تعال، عدم إزعاج الجار بالأصوات العالية، الصبر على أذاه، ومحاولة كتم الغضب، ثم التحدث معه برفق لحل المشكلة، قال الله تعالى: ((وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم))، وممّا يؤكّد ذلك، الحديث النبوي الشريف الذي رُوي عن صحابة كانوا يسألون رسول الله: “يا رسولَ اللهِ، ما حقُّ الجارِ؟ قال: إنِ اسْتقرَضَك أقرضته، وإنِ استعانَك أعنْتَه، وإنِ احتاجَ أعطيتَه، وإنْ مرِض عدْتَه، وإن مات تبعتَ جنازتَه، وإن أصابَه خيرٌ سرَّك وهنَّيْتَه، وإن إصابتْه مصيبةٌ ساءَتْك وعزَّيْتَه، ولا تُؤْذِه بِقُتَارِ قِدْرِكَ إلَّا أنْ تغرفَ له منها، ولا تسْتَطِلَّ عليه بالبناءِ لِتُشرفَ عليه وتسدَّ عليه الريحَ إلا بإذنِه”.

زيارة الجار وتلبية دعوته إذ إنّ من حقّ الجار على الجار تعهُّدُه بالزيارة، ومشاركته أفراحه وأتراحه، وتلبية دعوته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حَقُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ سِتٌّ، قيلَ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: إذا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عليه، وإذا دَعاكَ فأجِبْهُ، وإذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ له، وإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ، وإذا ماتَ فاتبعه”، فإذا دعا الجار جاره يُجِيب دعوته، لأن ذلك يزيد الألفة ويقوي العلاقة بينهما، وعدم التعرض للجار بالأذى والسوء، إذ حرَّم الإسلام الاعتداء على الجار بالقول أو الفعل، كما عدَّه من الكبائر، ونفى اكتمال الإيمان عن كل من يتعرض لجيرانه بالأذى، فقد قال الرسول الكريم: “واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ)، أي أنَّ من لا يأمن جارُه شرَّه وظلمَه وأذاه لا يكتملُ إيمانُه، وفي تكرار القسم تأكيدٌ على حرمة الجار ووجوب رعاية حقوقه، وقد أخبرنا رسول الله عن امرأة من أهل النار، مع أنها تحافظ على الصلاة وتكثر من الصدقة، لكنها مع ذلك تتعرض لجيرانها بالأذى، فقد قال رجلٌ: “يا رَسول اللهِ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها؟ قال: هيَ في النَّارِ، قال: يا رَسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ، وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها؟ قال: هيَ في الجنَّةِ”، وهناك عدة أمور تؤذي الجيران على المسلم أن يجتنبها، ومنها: النظر إليه وهو جالس في منزله وتتبع عوراته، محاولة التنصت على الجار وكشف أسراره، التحدث عن الجار أمام الناس بالسوء، وذِكر عيوبه والإساءة لسمعته، التعرض له بالغيبة والنميمة وإثارة المشاكل بينه وبين الناس، إزعاجه في أوقات راحته ونومه، التضييق على الجار وإلجاؤه لترك منزله، تفقد أحوال الجار، حيث حث الرسول الأمين الجار على تعاهد الجيران، وتفقّد أحوالهم، وإكرامهم، فالجار هو أقرب الناس وأكثرهم اطلاعا على أحوال جيرانه، فمثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”.

يتبع

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى