تحليلات أسبوعية

بين السطور | محمد مبديع وعجلة الزمن

بقلم: الطيب العلوي

    ألقي القبض أيام الحرب العالمية الثانية، على قائد عسكري ألماني عُرف بقدراته العسكرية ونجاحاته الحربية، فلما سمع القواد الأعداء خبر إلقاء القبض عليه، فرحوا جميعهم وقيدوه وساروا به إلى السجن العسكري، ودخلوا به إلى الزنزانة، وكانت أعين القادة مملوءة شماتة وهي تتطلع إلى وجه القائد، متوقعين انهياره نفسيًا، لكنهم لاحظوا بشاشة وجهه الضاحك وهو ينحني بظهره ليدخل الزنزانة كمن يدخل موكب النصرة، فسألوه: “لماذا تضحك وأنت تدخل الزنزانة؟”، فأجابهم: “أضحك من أجل الزمن، بالأمس كنت إلى فوق، لكن اليوم نزلت بي عجلته إلى الأسفل، غدًا ستنزلون أنتم أيضًا مع عجلة الزمن التي تلهو بالجميع.”

فمن يلتصق بعجلة الزمن تلهو به، ترتفع به وتنزل به لترتفع به ثانية وتهبط به، وهذا ما صرنا نراه من حولنا في جميع جوانب الحياة، حتى بدأت السياسة تنال مجددا حقها من الدرس، بعد زمن الحسن الثاني، الذي سبق له أن أرسل نصف وزراء حكومة الوزير الأول العراقي إلى السجن، وها نحن أصبحنا شاهدين على عصر ينتقل فيه الأشخاص من جديد، من الممرات الوزارية المعطرة بالعود، إلى الأنفاق الحبسية المظلمة في غضون أشهر معدودات(…)، بعد أن تباينت التعليقات حول التسريع باعتقال الوزير السابق محمد مبديع، صاحب أكبر ثروة بجهة بني ملال خنيفرة وأكبر عرس بالمغرب (انظر الأسبوع، عدد 28 أبريل 2023).. اعتقال مصحوب بلائحة تهم طويلة تبرر – بلا شك – ما يقضيه من أيام في سجن عكاشة(…).

إلا أن دروس عجلة الزمان لن تقف طبعا هنا، بل تطرح أكثر من سؤال حول السياسيين الذين يمكن اعتقالهم بعده، على وجه الخصوص أصحاب الملفات الجاهزة(…) والشبيهة بتهم مبديع، أمر سرعان ما يطرح العديد من التساؤلات حول العديد من الملفات التي لا زالت رائجة بين يدي القضاء، ومحط تحقيق، تتعلق بالعديد من الأسماء الوازنة في المشهد السياسي المغربي، ما أعاد الحديث في صفوف الرأي العام عن فساد المسؤولين الكبار المتورطين في قضايا المال العام وزاد من الكلام حول الصفقات العمومية وتضارب المصالح وتحقيق المنافع الخاصة..

تتمة المقال تحت الإعلان

فبين من يرى وراء هذا الأسلوب الجديد(…) في الحبس بعد الاستوزار والمسؤوليات العالية، أسبابه في تنامي ملفات الفساد وغياب القوانين الرادعة، ما يجعل من المغرب يتبوأ المراتب الأخيرة عالميا فيما يخص مؤشر مدركات الفساد، ويدفع بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة إلى التأكيد على أن المغرب لم يحسن تصنيفه في هذا الباب على مدى العقدين الماضيين، وبين من يكتفي بالاقتناع بأن اعتقال محمد مبديع يخضع لقانون عجلة الزمان وحدها، فالواقع يدل لحد الآن على شيء واحد وأكيد، هو أن الاستراتيجية التطهيرية التي تم وضعها قبل 8 سنوات، ما زالت بعيدة كل البعد عن التفعيل التام، وحجم القضايا والملفات والأحكام المنتظرة التي ما زالت رائجة في المحاكم، والتي يتابَع فيها منتخبون وبرلمانيون كبار، تؤكد على ضعف أو حتى عدم وجود القوانين الصارمة لتنزيلها.

ففي انتظار الحلقة الثانية من مسلسل “مبديع”، الذي بدأت دقائقه الأولى بالاحتجاج والاحتقان بإقليمه بعد أن تمت عملية الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، يبقى السؤال العالق على كل الألسنة والخاضع لنفس منهجي الأسلوب الجديد في التسريع بالحبس، وقانون عجلة الزمان: “على من يأتي الدور؟”.

على كل حال، إن عجلة الزمن تدور والأيام مُتبدّلة، وكل ساقٍ سيُسقَى بما سقى، وعدالة الحياة مُبهرة وتبرع في استرداد ديونها..

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى