المنبر الحر | سيادة الدول في القرن الواحد والعشرين

بقلم: سهيل بن أحمد العزوزي
قبل الحربين العالميتين، لم تكن السيادة موضوعا للنقاش أو التفصيل كما قد تكون اليوم، ذلك أن العالم قُسم بفعل الاستعمار إلى دول كاملة السيادة، وهي كبريات الدول الإمبريالية، ودول فاقدة للسيادة وهي المستعمرات، غير أن هذه البساطة في التعريف والتوضيح ستتراجع لتغدو صعبة أكثر فأكثر مع توالي السنوات، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أن هذا التراجع لا يعدو أن يكون سيرا في حذو “السيادة” ذاتها.
لكن ما هي السيادة؟ إن السيادة هي قدرة الفاعل على اتخاذ القرار دون تدخل خارجي.. إنها بالأساس حرية في الاختيارات داخليا وخارجيا.
فالسبب الرئيسي في صعوبة تناول السيادة بعد قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، هو تلاشي “السيادة المطلقة” والعيش مع “سيادة نسبية” لا تمر فترة وإلا وينقص حجمها، وهنا ننطلق من مجموعتين: مجموعة دول كاملة السيادة، كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وغيرهما من انضم لمعسكريهما، ودول كانت “مخرومة السيادة” من بينها المستعمرات التي “أعطي لها استقلالها” (لأن الاستقلال ينتزع، والاستقلال المعطى ليس استقلالا، فهو احتلال مستمر)، ومن هذا المنطلق.. أيمكن أن نعتبر من استمر استعماره كامل السيادة؟ قطعا لا! وهل يمكن اعتبار من لازالت اللغة الأجنبية عنده أقوى من لغته (أو لغاته) الأساسية والرسمية، كامل السيادة وغير مخروم الهوية؟ وعلى أي أساس قد يحسب من استوحى معظم قانونه من قانون مستعمره، كامل السيادة؟
بعد أن كانت الدول الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية، أضحت مصاحَبَة بأفراد آخرين مكونين وفاعلين ضمن ما يسمى “المجتمع الدولي”، من مؤسسات دولية، جمعيات عالمية، شركات متعددة الجنسيات، شركات ضخمة، تكتلات إقليمية وجماعات الضغط، ومن تم، فإن زيادة الفاعلين في العلاقات الدولية يفقد الدول سياداتها، فمثلا لما انخرطت الدول في الأمم المتحدة، وخضعت لـ”القانون الدولي”، فإنها هكذا قد فقدت جزء من سيادتها، لأن الأمم المتحدة لما تقرر قراراها، فالدول تطبق، وهذا أوضح مثال لفقدان السيادة، غير أن تساؤلا مهما يفرض ذاته: لماذا اختارت الدول التخلي عن جزء من سياداتها لصالح المنظمات الدولية؟
ففي كوريا الجنوبية مثلا، نشاهد “سامسونغ” المساهمة بحوالي 20 % من الناتج الداخلي الخام، يصبح أصحابها “منيعين” أمام القانون، فلا يصيبهم من العقوبات السجنية إلا تلك الموقوفة التنفيذ، أي أنهم يحاكمون وتثبت التهمة في حقهم، غير أنهم لا يقضون فترة سجنية كغيرهم، وبالتالي، ففقدان توازن كهذا هو غياب العدل أساسا، وتدقيقا: فقدان السيادة.
تختار الدول طريق القروض لتمويل مشاريعها وغيرها، مما يفقدها جزء من سيادتها، وطبعا نحن نرى هذا المنوال خطئا لعدة أسباب: أهمها كون هذه المعاملات حراما في شريعتنا باعتبارها عمليات ربوية، ثم تأتي بعد ذلك أسباب أخرى نجملها في “خنق الدول”، لأن الدول المقترضة تصبح مطواعة لمقرضها، لنأخذ مثال البنك الدولي الحاضر في عدد كبير من القروض، ولعلكم تعرفون كيف يفرض عدة توجهات اقتصادية ونقدية على الدول حبيسة دوامته، ومنه ما يطالب به المغرب اليوم من تعويم عملته.
ونصل لنقطة لم يسمع عنها كثيرا، وهي مسألة فقدان السيادة أمام وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان تطبيق “تيك توك” ولا يزال، يناقش في أعلى مستويات الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، واعتبروه “خطرا”، لهذا حاول الرئيس ترامب حظره إبان فترته الرئاسية، لما لهذه التطبيقات والمواقع من تأثير سلبي في وعي الشعوب، ولطالما كانت الدول بطريقة أو بأخرى، متحكمة في الروايات والأفكار المتداولة عموما بين الأفراد والجماعات، لقد كانت وحشا مهيمنا في التأثير ونحن هنا لا نمدح ولا نذم هذه السيطرة الجامحة، وإنما نحكي واقع الأمور، رغم أنها فقدت جزء كبيرا من تلك القوة والسيادة في القرن الواحد والعشرين، وأضحى للمجتمع مؤثرون كثر أقوياء يزاحمون الدول في حكاية الروايات، ومثال هذا من فترة “كورونا”، حينما ظهرت جماعات واسعة تضرب كلام الدول بعرض الحائط، غير أن المشاكل لا تقف هنا، فوسائل التواصل الاجتماعي تستعمل من طرف دول ومنظمات بغية التأثير في دول أخرى، وهذا تدخل خارجي في سيادة الدول، فعندما نتكلم عن محتوى “تيك توك”، فهو مختلف بين داخل الصين وخارجها، ثم عندما نصل لفضيحة “كامبريدج أناليتيكا”، يتضح لنا وجه آخر للخطورة، حيث التأثير المباشر في اختيارات الناس ونتائج الانتخابات، الأمر الذي يضرب في جوهر الديمقراطية، وإذا قلنا أن المواطنين سَهُل الوصول إليهم والتأثير فيهم، فأين هي الدول من دورها في حماية شعوبها؟ والأمثلة في هذا الباب تطول وتصب في نفس الكأس: فقدان الدول لسيادتها أمام وسائل التواصل الاجتماعي.
ختاما، إذا كانت الدول تفقد سيادتها شيئا فشيئا، فإلى أين؟ وهل قد تفقد الدول سيادتها كليا؟ وكيف تتعامل الدول مع تهديد وسائل التواصل الاجتماعي ؟



